فخ "القبول الفوري".. "الدستور" تخترق مراكز منح شهادات الثانوية من الخارج دون دراسة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أثارت إعلانات بعض المكاتب التي تروج لما يعرف بـ"القبول الفوري" في الجامعات حالة من الجدل بين أولياء الأمور والطلاب خاصة بعد تساؤول عدد من المتابعين عن حقيقة قدرة هذه المكاتب على إلحاق الطلاب بالكليات رغم عدم تحقيقهم الحد الأدنى للمجموع المطلوب.

وعبر منشور متداول على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، عبر أحد المستخدمين عن استغرابه من فكرة "مكاتب القبول الفوري"، متسائلًا "إذا كان الطالب حاصلًا على مجموع أقل من الحد الأدنى للطب، فكيف يمكن أن يتم قبوله وهل الأمر حقيقي من الأساس؟"، وتضمنت التعليقات على المنشور شهادات من أشخاص قالوا إنهم تعاملوا مع بعض هذه المكاتب أو تواصلوا معها، حيث اتهم بعضهم تلك الجهات بـممارسة عمليات نصب واحتيال"، مشيرين إلى أن وعودها بالحصول على مقاعد جامعية خارج القواعد الرسمية غير واقعية، ليكتشفوا أنه "فخ" لحصول تلك المكاتب على الأموال، وترك الطلاب للمجهول بعد ذلك.

068d46416b.jpg

 

bb5235ea72.jpg

 

 

وقال أحد المعلقين إن المكتب الذي تعامل معه "سبق أن أثار شكاوى من بعض أولياء الأمور"، مدعيًا أن صاحبه "سبق اتهامه في قضايا نصب وتزوير"، وأنه كان يغير مقرات نشاطه من منطقة إلى أخرى، مطالبًا بضرورة التحقق من هذه الادعاءات عبر الجهات المختصة.

وأضاف آخر:"كان سيتم النصب عليّ منهم منذ عامين"، مشيرًا إلى أنه تلقى وعودًا بالقبول قبل أن يكتشف أن الأمر غير قانوني.

وتساءل أحد المتابعين عن منطقية هذه الخدمات قائلًا: "إذا كان القبول لا يعتمد على الحد الأدنى للمجموع، فما دور التنسيق والقواعد المنظمة للالتحاق بالكليات؟".

وروى أحد أولياء الأمور تجربة أخرى، موضحًا أنه تواصل مع أحد المكاتب لنقل أوراق ابنته، وأنهم طلبوا منه مبلغ مالي قدره 30 ألف جنيه، قبل أن يتم التواصل معه لاحقًا لتخفيض المبلغ، لكنه قرر عدم استكمال الأمر.

d7e838446a.jpg

 

"الدستور" تقصت الحقيقة من خلال زيارة إلى أحد المكاتب التي تقدم خدمات مرتبطة بالقبول الجامعي في منطقة الدقي بمحافظة الجيزة، وبالسؤال عن كيفية التحاق الطالب بالكلية التي يرغب بها رغم عدم الحصول على المجموع المطلوب، أجابت إحدى الموظفات بالمكان  بأن خدماتهم لا تقتصر على الجامعات الخاصة فقط، بل تشمل بعض الجامعات الأهلية أيضًا، ثم شرعت في الاستفسار عن بيانات الطالب الذي يرغب في التقديم، ونوع الشهادة الثانوية، والمجموع الذي حصل عليه.

4cdd26f0f3.jpg

 

أجابت محررتا "الدستور" بأن طالب حصل على 53% في الثانوية العامة هذا العام 2026، ويرغب في الالتحاق بكلية في تخصص مرتبط بالحاسبات والذكاء الاصطناعي، فهل يمكن قبوله، فجاء الرد بأن الحد الأدنى لبعض هذه التخصصات في الجامعات الخاصة والأهلية أعلى من المجموع.

وأشارت الموظفة إلى أن الحد الأدنى للذكاء الاصطناعي والحاسبات يبلغ 61%، موضحة أن الطالب الذي لا يحقق هذا الحد "لا يمكن إدخاله مباشرة"، وأن الحل الذي يقدمونه هو "إعادة الثانوية العامة من خلال مدارس خارج مصر".

وأوضحت الموظفة أن المكتب متعاقد مع مدارس ومؤسسات تعليمية خارج مصر، وأن هناك نوعين من الإجراءات؛ الأول يتطلب سفر الطالب إلى الدولة التي سيعيد فيها الثانوية العامة، بينما النوع الآخر لا يشترط سفره، مشيرًا إلى أن الدول التي ذكرها خلال الحديث تضمنت ليبيا والسودان والأردن وقطر.

وعن آلية الحصول على الشهادة، قالت إن الطالب يتم قيده في مدرسة خارج مصر، لكن الأمر لا يسير بالشكل القانوني 100%، وما يحدث أنهم يستخرجون شهادات تُمكن الطالب بالالتحاق بالجامعات المصرية.

ولدى السؤال عمّا إذا كان الطالب يدرس فعليًا أو يؤدي الامتحانات قبل الحصول على الشهادة المطلبوبة، جاء رد الموظفة بأن الطالب لا يسافر للدولة ولا يلتحق بالمدرسة التي يستخرج منها الشهادة ولا يؤدي أي امتحانات من الأساس"، موضحة أن دور المكتب يتمثل في "تسهيل الإجراءات".

نوهت بأن الطالب إذا ذهب دون مساعدة المكتب سيحتاج إلى الدراسة والاستعداد للامتحانات بنفسه، لكن دور المكتب هو توفير الشهادة له.

ولفتت إلى أن المكتب لا يتعامل مع الجامعات في مصر بينما يقتصر دوره على إعطاء الطالب الشهادة "الوهمية"، ويتولى هو مهمة التقديم بنفسه في الجامعة التي تم الاتفاق على الالتحاق بها  مع المكتب.

كما أوضحت أن الشهادة التي يتم الحصول عليها من الخارج تكون بمجموع أعلى من الحد الأدنى، لضمان فرص القبول في الجامعة والتغلب على فكرة "التنسيق الداخلي"، وأن الطالب بعد ذلك يتوجه بنفسه للتقديم وسداد المصروفات داخل الجامعة.

وفيما يتعلق بالجامعات المتاحة، عرضت الموظفة عددًا من الكليات التي قالت إن بها أماكن شاغرة، مشيرة إلى تخصصات مثل الحاسبات والذكاء الاصطناعي والهندسة والعلاج الطبيعي والصيدلة في عدد من الجامعات الخاصة، موضحة أن توفر الأماكن يختلف من جامعة لأخرى.

كما تحدثت عن وجود ما وصفته بـ"التنسيق الداخلي" في الجامعات الخاصة والأهلية، موضحة أن بعض الطلاب قد يحققون الحد الأدنى المعلن، لكن لا يتم قبولهم بسبب المنافسة على الأماكن المتاحة، وهو ما يجعل بعض الطلاب يلجأون إلى خدمات "القبول الفوري".

 وعن المبالغ المالية التي يحصل عليها المكتب مقابل تلك الخدمة، قالت الموظفة إن جميع الكليات سعرها 130 ألف جنيه باستثناء الطب والهندسة 160 ألف جنيه.

وسألت محررتا "الدستور" عن تحذيرات وزارة التعليم العالي من التعامل مع جهات غير رسمية في إجراءات القبول، فردت الموظفة بأن التحذيرات تخص المكاتب التي تعد الطلاب بالقبول مقابل الأموال، موضحة أن مكتبها لا يعمل كوسيط للجامعة، وإنما يقدم خدمة مرتبطة بإعادة الحصول على شهادة ثانوية من الخارج بمجموع عالي يسمح له بالقبول في الجامعة التي يرغب بالاتحاق بها.

كما تحدثت الموظفة عن مصروفات الخدمة، مشيرة إلى وجود مبالغ مالية يتم دفعها مقابل الإجراءات، بالإضافة إلى المصروفات الدراسية التي تسدد للجامعة في حال القبول، موضحة أن المكتب لا يتولى دفع المصروفات الجامعية بدلًا من الطالب.

وبينت الموظفة أن المكتب يقدم ما وصفته بأنه "فرصة ثانية" للطلاب الذين لم يحققوا المجاميع المطلوبة، مشيرة إلى أن نجاح الطالب داخل الجامعة يعتمد في النهاية على قدرته على الدراسة والاستمرار.

وقالت إن "كثير من الطلاب الذين تم قبولهم سابقًا عن طريق مكاتب القبول الفوري واجهوا صعوبات داخل الكليات، ورسبوا في السنوات الأولى من الدراسة والكثير منهم تم فصلهم لأن الكليات التي التحقوا بها أعلى من مستوى تحصيلهم الدراسي؛ من بينهم طلاب التحقوا بكليات طب وهندسة وصيدلة وكان مجموعهم بالثانوية العامة 60% وبمساعدة المكتب تمكنوا من الالتحاق بهذه الكليات لكن كانت النتيجة كارثية بعد ذلك".
 

التعليم العالي: لا مرور للشهادات المزيفة عبر التنسيق.. و"القبول الفوري": لا نحتاج للتنسيق

 

أكد الدكتور عادل عبدالغفار المتحدث باسم وزارة التعليم العالي، عدم مرور أي شهادات مزيفة من مكتب التنسيق، موضحًا أن الطالب الحاصل على شهادة ثانوية عامة من خارج مصر يقدم أوراقه لمكتب التنسيق الرئيسي بجامعة القاهرة، حيث يُطلب منه شهادة تحركات له ولولي أمره وجواز سفرهما لإثبات تواجدهما بالدولة التي حصل منها على هذه الشهادة خلال فترة الدراسة.

وأشار "عبدالغفار"، في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، إلى أن مكتب التنسيق بدوره يفحص جميع أوراق الطالب وفي حال التأكد من صحتها يستطيع الطالب تقديم أوراقه للجامعة التي يرغب الالتحاق بها إلكترونيًا، أما في حال التأكد من تزوير الشهادة فيتم إبلاغ النيابة العامة والتي بدورها تتولى التحقيق معه، مشيرًا إلى أن مكتب التنسيق اكتشف حالات تزوير شهادات كثيرة قبل ذلك وتم الإبلاغ عنها لإتخاذ الإجراءات القانونية.

 الدكتور عادل عبدالغفار
 الدكتور عادل عبدالغفار

 

وبعد الحديث مع متحدث التعليم العالي، جرى التواصل مرة أخرى تليفونيًا مع متخصص من مكتب "القبول الفوري" للتأكد من نوع الشهادة التي يستخرجها للطالب من خارج مصر، فأكدوا أنها شهادة "معادلة" ومختومة بجميع الأختام الرسمية المطلوبة من خارج مصر وداخلها، بما يعني أن الطالب ليس بحاجة للذهاب إلى مكتب التنسيق الرئيسي بجامعة القاهرة وعليه الذهاب مباشرة للجامعة "الأهلية أو الخاصة" التي يرغب في الالتحاق بها لتقديم أوراقه ومن ثم دفع المصروفات.

"الإفتاء": استخراج شهادات الثانوية الصورية محرم شرعًا بإجماع العلماء

قال الدكتور إبراهيم نجم، الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن استخراج شهادات ثانوية عامة أو ما يعادلها من الخارج بمجموع صوري، دون دراسة حقيقية أو اختبارات جادة، بهدف الالتفاف على قواعد تنسيق الجامعات المصرية، يعد من الأفعال المحرمة شرعًا.

وأوضح "نجم"، في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، أن هذا الفعل يجمع بين عدة محاذير شرعية، أبرزها الغش، لأن الشهادة تصبح إخبارًا غير حقيقي عن مستوى الطالب العلمي، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:"من غش فليس مني".

وأشار إلى أن الأمر يمتد كذلك إلى التزوير وقول الزور، باعتبار أن الشهادة وثيقة رسمية تحمل بيانات علمية وإدارية، وإذا صدرت على غير حقيقتها فإنها تدخل في باب الزور المحرم.

 الدكتور إبراهيم نجم
 الدكتور إبراهيم نجم


وأضاف أن استخدام هذه الشهادات يؤدي إلى أكل المال والحق بالباطل، موضحًا أن المقاعد الجامعية، خاصة في كليات القمة، حق مشترك بين الطلاب وفق قواعد القبول، وأن حصول طالب بشهادة صورية على مقعد يحرم طالبًا آخر اجتهد واستحقه بصورة مشروعة.

ونوه "نجم" بأن تلك الممارسات لا تقتصر آثارها على الفرد، بل تمتد إلى المجتمع والمهن التي تحتاج إلى تأهيل علمي حقيقي، فضلًا عن مخالفتها للقوانين وتعريض أصحابها للمساءلة الجنائية.

وشدد على أن الشهادة المستخرجة بهذه الطريقة لا يجوز استخدامها، وأن الواجب على من ارتكب ذلك التوبة وتصحيح المسار بالطرق المشروعة، والالتزام بضوابط القبول المعتمدة بعيدًا عن الغش أو التحايل.

محام: الحصول على شهادة بدون دراسة نصب وتزوير عقوبته السجن

قال المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، علي صبري، إن تلك المكاتب في حال اكتشاف أمرها، فستواجه تهمة النصب والتزوير في أوراق رسمية إذا كانت تعتمد على شهادات "مضروبة" بأختام مزيفة.

وأوضح لـ"الدستور" أنه في حالة أن هذه المكاتب تتعاقد بالفعل مع مدارس خارج مصر وتحصل منها على شهادات ثانوية عامة "أصلية" أي معتمدة وسليمة من ناحية الأختام، فهي أيضًا ستواجه تهمة "التزوير "المعنوي"؛ لأن الشهادة في هذه الحالة تكون سليمة لكن محتوى الشهادة هو المزيف؛ فكيف لطالب أن يحصل على شهادة ثانوية عامة دون الذهاب إلى المدرسة والدراسة بها والتقدم لأداء جميع الامتحانات بها، ففي الحالتين نحن أمام قضية نصب وتزوير، وعقوبتها السجن من 3 إلى 15 سنة.

 على صبري المحامى
 على صبري المحامى

وحذر "صبري" طلاب الثانوية العامة من التعامل مع هذه المكاتب، حتى لا يعرضون أنفسهم للمسائلة القانونية بتهمة استعمال محرر مزور وعقوبتها الحبس حتى في حالة عدم علمه بالنشاط المشبوه لهذه المكاتب.

خبير تربوي: مكاتب القبول الفوري سمسرة غير شرعية ونصب على أولياء الأمور

قال الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، إن المكاتب التي تزعم قدرتها على إلحاق طلاب الثانوية العامة بكليات لا تؤهلهم مجاميعهم للالتحاق بها تمثل شكلًا من أشكال السمسرة غير الشرعية، وتعتمد على التحايل والنصب على الطلاب وأولياء الأمور.

وأوضح في تصريحات لـ"الدستور" أن انتشار هذه الظاهرة يعود إلى ضعف وعي بعض الأسر بأساليب النصب الحديثة، واستغلال تلك المكاتب لحالة الإحباط لدى الطلاب أصحاب المجاميع المنخفضة، من خلال إيهامهم بوجود حلول تمكنهم من دخول الكليات التي يحلمون بها.

د. تامر شوقي
د. تامر شوقي

وأشار إلى أن هذه الجهات تستخدم عدة حيل، من بينها الترويج لشهادات صادرة من الخارج باعتبارها معتمدة، أو الادعاء بقدرتها السابقة على إلحاق طلاب بالجامعات المصرية، ما يدفع بعض الأسر إلى تصديقها.

وأضاف أن ظاهرة مكاتب "القبول الفوري" لا تقتصر على التلاعب بالشهادات، بل تشمل أيضًا إلحاق الطلاب بكيانات تعليمية غير معترف بها، ولا يكتشفون حقيقتها إلا بعد سنوات من الدراسة.

وأكد "شوقي" أن استخدام شهادات غير معتمدة للقبول بالجامعات المصرية يمثل صورة من صور النصب والتزوير، مطالبًا بتشديد الرقابة، ووضع ضوابط واضحة لاعتماد الشهادات الأجنبية، إلى جانب ملاحقة المتورطين قانونيًا لحماية الطلاب وأولياء الأمور.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق