الثلاثاء 25/أغسطس/2026 - 11:36 ص 8/25/2026 11:36:12 AM
فى البداية أود أن أوضح أن التطرف لا يقتصرعلى التطرف الدينى فقط فهو أشمل من ذلك بكثير فهناك التطرف الأخلاقى والإجتماعى والإجرامى والفكرى....الخ ومؤخرًا ظهر لنا ما يسمى بالتطرف الرقمى أو الإليكترونى الذى يتم من خلاله التأثير على إهتمام وفكر ووقت وقناعات بل وولائات وإنتماءات مستخدمى وسائط التواصل والإنترنت والإنستجرام والتيك توك وغيرها من وسائل العالم الرقمى الإفتراضى الجاذب والذى جعل الشباب بل والأطفال يقضون ساعات اليوم والليل على منصات التواصل الإجتماعى يستقى منها المعلومات ويتبنى معتقدات ويستمع لآراء تؤثر على رؤيته للعالم من حوله وأنماطه السلوكية....ومن هذا المنطلق فإن تفكيك خطاب التطرف لا يقتصر فقط على حملات التوعية والتوجيه والترهيب والترغيب بل هو فعل وقائى عميق يمس صميم الأمن المجتمعى والوعى الجمعى والإستقرار النفسى ورصد لكل محاولات تغييب الفكر والتأثير على العقول.
من أخطر أدوات خطاب التطرف إنه يعيد تعريف المفاهيم الكبرى للمتلقى فالوطن على سبيل المثال قد يٌختزل إلى جماعة والدين يٌختزل فى تأويل واحد والهوية تٌختزل فى إنتماء ضيق والكرامة تٌربط بالمواجهة لا بالبناء وهذا التحريف المفاهمى يجعل الفرد يظن إنه يدافع عن قيمة سامية بينما هو فى الحقيقة يستدرج إلى مشروع إقصائى....لذلك فإن تفكيك الخطاب لا يجب أن يهاجم القيم بل يجب أن يعيدها إلى سياقها الإنسانى الرحب.
التطرف أيضًا يتغذى على المظلومية حتى ولو كانت غير حقيقية كما إنه يستخدم لغة خطاب مشحونة بالعاطفة تعتمد على كلمات مطلقة وغير محددة مثل الخيانة – الفساد – المؤامرة وهى كلمات تخلق حالة إستنفار نفسى دائم كما إنه يستخدم أسلوب التكرار الإيحائى فيٌعاد نفس المعنى بأشكال مختلفة حتى يترسخ فى الأذهان....كما إنه يسعى دائمًا إلى صناعة العدو وإيجاد خصم سواء كان فردًا أو مؤسسة أو دولة وأن هذا الخطر قائم ومستمر وهو ما يمنح المتأثرين بهذا الخطاب فى حالة تماسك وتمسك بالوجود وهو ما يوضح أسباب اللجوء إلى العنف أو رفض الحوار....ويجتهد دائمًا من يقومون بتوجيه خطاب التطرف بأشكاله وأهدافه المختلفة إلى إستثمار أى أزمة يمر بها المجتمع سواء كانت إقتصادية أو إجتماعية أو ثقافية والتأكيد على إن حل هذه المشكلات لديهم هم فقط مقترحين حلولًا لها وهو ما يجذب البسطاء وأنصاف المثقفين بل وأحيانًا المثقفين إليهم ومن هنا فإن تفكيك هذا الخطاب لا يجب أن يكون بالسخرية او الإستخفاف أو المواجهة العدائية بل بتقديم بدائل فكرية ومعلومات حقيقية تتسم بالشفافية والقدرة على تفسير الواقع دون إلغائه.
نحن اليوم نعيش فى العصر الرقمى....وهنا يأخذ خطاب التطرف أشكالًا جديدة حيث تسمح المنصات الإجتماعية بالإنتشار السريع والخوارزميات قد تعزز المحتوى الإستقطابى لإنه أكثر إثارة للتفاعل وهنا يصبح التفكيك مسئولية رقمية أيضًا من حيث تعزيز المحتوى المتوازن وتطوير مهارات الأداء الإعلامى وكشف تقنيات التظليل بأساليب أكثر إحترافية ومهنية وقدرة على الإقناع فالمواجهة هنا ليست بإغلاق الفضاء ولكن بملئه بخطاب بديل أكثر عقلانية وموضوعية...والتأكيد على أن الهدف من ذلك هو الحفاظ على الإنسان السوى وإبعاد المؤثرات السلبية عنه والدفاع عن هويته الأصيلة بعيدًا عن اى ضغوط أو إشاعات وأكاذيب وهو ما يستدعى تضافر جهود مشتركة تبدأ بالأسرة ثم التعليم فالإعلام وتستند إلى المصداقية وبناء الثقة.
وفى السياق الرقمى أيضًا يصبح الفرد ناشرًا وليس متلقيًا فقط لذلك فإن تعزيز الوعى الإعلامى لم يعد ترفًا بل ضرورة وخاصة فى فهم كيفية عمل الخوارزميات والوقوف على معرفة وكيفية نشر الأخبار المضللة وصنع المقاطع المؤثرة وهذا يمنح الفرد مناعة بل وأحيانًا سعادة فى كونه أصبح يمارس ذلك بمهارة فى الفضاء الرقمى دون إمكانية الوصول إليه وهنا يجب أن يكون خطاب التفكيك لديه القدرة على إعادة التوازن الفهمى من خلال فتح مساحة مشتركة تسمح بالتعدد دون خوف لأن المجتمعات القوية ليست تلك التى تلغى الإختلاف بل هى تلك القادرة على أن تديره بحنكه وحكمه.
فى العصر الرقمى أيضًا يصبح التفكيك أكثر فاعلية حين لا يختزل فى رد فعل أمنى أو إعلامى سريع بل يجب أن يتحول إلى إستراتيجية تقوم على تطوير التعليم النقدى وتعزيز ثقافة الحوار فى الجامعات وتدريب الإعلاميين على كشف المغالطات وتمكين الأسر من فهم التحولات الفكرية لدى أبنائها...فكل ذلك يمثل جدارًا وقائيًا طويل الأمد خاصة وأن خطاب التطرف لا يظهر فجأة من فراغ بل إنه ينمو فى بيئة تسمح له بذلك....كما أن تحقيق العدالة الإجتماعية تلعب دورًا جوهريًا حين يشعر المواطن بأن صوته مسموعًا وأن القانون يطبق بالعدل وأن الفرص متاحة للجميع وهو ما سوف يترتب عليه التقليل من جاذبية الخطابات التى تدعى إنها البديل الوحيد....كما أن فهم البعد النفسى للافراد الذين ينجرفون وراء خطابات مزيفة تشعرهم بالقوة والتميز سوف يترتب عليه إتباع أساليب أكثر إحترافية ودراسة وإهتمام بهذا البعد وذلك بالشكل الذى يعيدهم مرة أخرى فى مجتمعاتهم العادلة التى يشعر فيها الفرد بكرامته وإنتمائه الحقيقى دون الإلتفات إلى دعوات التحريض والتطرف وهو ما شاهدناه مؤخرًا فى الإلتفات الجمعى بكافة أطياف المجتمع أثناء مباريات المنتخب المصرى فى بطولة كأس العالم الأخيرة والتى آرى ضرورة إستثمارها جيدًا والبناء عليها فيما هو قادم ولعل كلمات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى عند إستقباله لأعضاء الفريق ومطالبته بالعمل على إيجاد كوادر شبابية رياضية يتم إكتشافها بكل تجرد وشفافية هى رسالة لتحقيق قدرًا كبيرًا من العدالة الإجتماعية التى ننشدها والتى أتمنى أن تشمل كافة قطاعات الدولة.
نحن فى حاجة إلى الحوار الواعى وإعادة بناء الثقة بين المؤسسات والمجتمع دون الإعتماد كليه على اللجوء إلى العنف والقمع الذى قد ينجح فى إسكات الأصوات ولكنه لا يمكن أن يغير القناعات.
إن تفكيك خطاب التطرف هو عمل طويل النفس يحتاج إلى صبر ووعى وعمق...هو عملية بناء لا هدم...يبدأ بالسؤال ويستمر بالحوار ويترسخ بالعدل وكل كلمة تعاد إلى معناها الصحيح وكل فكرة توضع فى سياقها وتناقش لكى تنجلى الحقيقة وهنا يكمن جوهر المواجهة فى العقل الذى يقرأ قبل أن يصدق ويفهم قبل أن يفعل ويختار قبل أن ينجرف

















0 تعليق