تفاصيل كتاب "ابن الهيثم: قراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربية"

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ضمن سلسلة "البصائر للبحوث والدراسات"، والتي يصدرها مركز أبوظبي للغة العربية، صدر حديثا كتاب جديد، بعنوان “ابن الهيثم: قراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربية”، من تأليف لينا الجمّال.

المنامات وكتب تعبيرها في القرون الهجرية الأولي

يُعنى الكتاب بالمنامات وكتب تعبيرها في القرون الهجريّة الأولى، فيدرس المنامَ واستحضاره وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة، وعلاقة ذلك كلّه بالفضاء بوصفه كيانًا أوّلًا، ومن ثمّ مفهومًا. وتشتمل هذه المقاربة على عدد من الموضوعات الشيّقة، منها ما يربط بين الحضارة العربيّة-الإسلاميّة وحضارات أخرى قديمة كممارسة الحالومة والاستخارة والمبيت بجانب القبور، ومنها ما يُسائل الحضارة المادّيّة لاستيعاب تأثيراتها في منامات السجناء وتأويلات العمارة والمنامات التي تترك أثرًا ملموسًا، ومنها ما يحاول تجذير التجربة المناميّة في نظريّات الفلسفة والإبصار التي قدّمها العلماء العرب القدامى. والكتاب بذلك يضع المنامات في الإطار الأوسع للتراث العربيّ الأدبيّ والفكريّ، ويحاول تقديم قراءة جديدة للفضاء في الحضارة الإسلاميّة.

يرتقي هذا الكتاب بالمنامات من كونها تجارب فرديّة ضيّقة تُلحَق بالتخيّلات التي لا يُعتدّ بها، إلى كونها ظاهرة إنسانيّة قيّمة تختزن إشارات رمزيّة مكثّفة، وتساعد في فهم المجتمعات التي أنتجتها. ويُسهم هذا الطرح في عدّة حقول معرفيّة، إذ ينظر في تشابك المنام مع موضوعات في الأدب والفقه والفلسفة وعلم المناظر، في محاولة لدراسة التراث العربيّ بواقعيّته وحيويّته وتعقيداته بعيدًا عن الفصل الحادّ المتوهَّم بين الحقول المعرفيّة. ويُفيد الكتاب من طيف واسع من المصادر العربيّة، ويُحيط بأحدث الدراسات الأكاديميّة المتّصلة بموضوع المنام في الحضارة الإسلاميّة، كما يستند إلى عدد كبير من مخطوطات كتب التعبير العربيّة التي لم تُنشر بعد.

باعث الاختيار: المنام بعيدًا عن فرويد

وتشير مؤلفة الكتاب في مقدمتها إلي أن: "الاهتمام بالمنامات وتفسيرها ظاهرة غارقة في القِدَم وعابرة للشعوب والحضارات. وشأنها شأن أيّ معرفة عابرة، تكتسب الإحاطة بالمنامات وآليّة تأويلها مزايا جديدة بعبورها من ثقافة إلى أخرى، وتخسر في المقابل مزايا أخرى. لقد استوعب علم التعبير (تفسير الأحلام) إضافات وتكيّف معها وتغيّر، وتخلّى عن أجزاء بإهمالها أو تحويلها، كلّما عبر ذلك الحدّ الهشّ أو المتخيَّل بين ثقافة وأخرى، أو لغة وأخرى. بهذا المنظور، أفاد علم التعبير الإسلاميّ من روافد هنديّة وفارسيّة ومصريّة ويونانيّة وغيرها، لكنّه بلور خصوصيّةً استقاها من موروثه الفكريّ والمادّيّ، من القرآن والسُّنّة والشِّعر والمَثَل السائر، ومن الصحراء العربيّة وعمارة المساجد وأسقاط البيوت. والجدير بالذكر أنّ التغيّر الذي يصحب عبور المعارف لا ينتج دائمًا عن سلوك واعٍ أو مقصود، وهنا يكمن دور الباحث في رصد المتغيّرات وتقديرها ومحاولة فهم دلالاتها.

الرؤيا في الكتابات الإسلامية

وحول فكرة الكتاب وموضوعه تضيف: نشأت النواة الأولى لموضوع هذا الكتاب بعد مطالعة مطوَّلة لكتب التعبير العربيّة التي صدرت في القرون الهجريّة الأولى، والتي تُستهلّ عادةً بمقدّماتٍ نظريّة تشمل الحديث عن فضل الرؤيا في الإسلام وموثوقيّتها، وعن آداب كلٍّ من السائل عنها والمعبِّر لها، وعن مناهج التعبير الموروثة والمجتهدة. يشير أغلب هذه المقدّمات إلى فرادة عمليّة التعبير وخصوصيّتها وتأثُّرها بالعديد من العناصر المتغيّرة، ممّا يجعل التقعيد أو التعميم أمرًا صعبًا. فالتعبير يختلف باختلاف كلٍّ من الرائي وأحواله، والمعبِّر واختصاصه، وزمان المنام، وأسلوب قصّه. والمفارقة أنّ هؤلاء الكتّاب الذين أقرّوا في مقدّماتهم بصعوبة التقعيد لهذا العلم هم أنفسهم الذين حاولوا تقعيده، فأسّسوا لهذا النوع الأدبيّ، وألّفوا مجلّدات تضبط "فوضى" التعبير ولانهائيّة احتمالاته، وأسندوا لكلّ رمز يُرى في المنام تأويلًا – أو أكثر – معلومًا محدّدًا.

عالجت كتب التعبير الأولى العناصرَ التي تؤثّر في عمليّة التعبير، ولا يركّز كتابنا على ما ذُكر من هذه العناصر بقدر ما يركّز على ما سُكت عنه، إذ لم تركّز هذه الكتب على عنصر المكان،15 وكأنّ الرائي إن بات في المسجد أو في داره أو في الطريق سواء. لكنّ المطّلع على المنامات في المصادر العربيّة يلحظ غير ذلك، فما زالت ظاهرة المبيت في المساجد أو قرب مقامات الأولياء مستمرّةً إلى اليوم، وفي بقع جغرافيّة مختلفة، وتكون عادةً بِنِيّة مخصوصة بغيةَ استحضار رؤيا والعمل بمضمونها. وتُعرف هذه الظاهرة – أو ما يقرب منها – في حضارات أخرى قبل الإسلام وبعده. وقد تناول عدد من الدراسات الحديثة العلاقة بين المنامات والقبور أو الأضرحة أو المساجد، ولكن لم تخرج أيّ دراسة عن حدود هذا الإطار الضيّق للأفضية. ولعلّ السبب في ذلك أنّ المنامات في السياقات المختلفة – التاريخيّة والسرديّة والدينيّة وغيرها – لا تأتي غالبًا على ذكر مكان المبيت، فإن فعلَتْ جاء ذكرُ المكان عرضيًّا من غير وصف أو صلة واضحة بمضمون المنام. وكذلك المكان المصوَّر في المنام، لا يُذكر إلّا قليلًا ولا يُستفاض في الحديث عنه.

فصول الكتاب

ينقسم الكتاب إلى خمسة أقسام رئيسة تراعي أمرين: فهمَنا للفضاءات التي يُحتمل اتّصالها بالمنام: الفضاء الذي بات فيه الرائي، والفضاء الذي صُوِّر في المنام، والفضاء المؤوَّل في كتب التعبير؛ و(2) مراعاتَنا لورود المنامات في السياقين السرديّ والتأويليّ.

يُعَدّ القسم الأوّل "المنامات وتعبيرها في الثقافة الإسلاميّة المبكرة" تمهيدًا ضروريًّا لأقسام الكتاب المختلفة، فهو يستعرض طبيعة المنامات في الإسلام ومدى تقاطعها مع الحضارات القديمة المجاورة. ويسرد بإيجاز نشأة علم التعبير في الإسلام وانتقاله تدريجيًّا من التراث الشفهيّ إلى المكتوب، ثمّ يُحصي مناهج التعبير الإسلاميّة باستنباطها من مقدّمات كتب التعبير الأولى، وقد بلغ عدد المناهج المعتمَدة أحد عشر منهجًا. وينتقل القسم بعدها إلى إحصاء العوامل المؤثّرة في التأويل، والتي تأخذ في الحسبان أحوال الرائي والمعبّر، وزمان الرؤيا ومكانه، وأسلوب القصّ. وفي هذا القسم أيضًا، إشارات مقتضبة إلى موضوعات إشكاليّة تخصّ المنامات، منها الإسناد الذي يسبق رواية المنام، وظاهرة المنامات المشتركة أو المتواطئة، وأخيرًا الاحتجاج بالمنام في المسائل الشرعيّة. وجميعها مسائل تُثار في مواضع متفرّقة من الكتاب لاحقًا.

استحضار المنام عادة أم عبادة؟

يخوض القسم الثاني "استحضار المنام، عادة أم عبادة؟" في ظاهرة الحالومة التي ارتبطت بالمنامات منذ العصور القديمة، وانتشرت في الحضارات اليونانيّة والهنديّة والمصريّة القديمة، وتجلّت في بعض ممارسات العرب في شبه الجزيرة العربيّة. ويبني هذا القسم على العناصر المشتركة بين الحالومة والاستخارة النبويّة، ليعلّل خروجَ الاستخارة النبويّة من إطار الصلاة والدعاء إلى إطار المبيت في أماكن مخصوصة لاستحضار منام. وبعد البحث في أدب التنوخيّ، يكتشف القسم أنّ رواسب الحالومة ظهرت في زيارة العرب لقبور المعروفين بسخائهم، قبل أن تظهر في زيارة قبور المعروفين بصلاحهم. هذا فضلًا عن حلول محراب الصلاة محلّ القبور في ممارسات بعض المستخيرين لاحقًا.

ينتقل القسم الثالث "في قميص يوسف" إلى دراسة منامات السجناء، وأثر السجن فيها، في كتاب الفرج بعد الشدّة، فيحلّل منامات ثلاثة عشر سجينًا. ينطلق القسم من منام ليعقوب بن داود – وزير المهديّ (حكم 158–169/775–785)123 – الذي حُبس في سجن المطبق، فيعرّج على سيرة الوزير وخصائص سجن المطبق، ثمّ عناصر المنام وضريبة عبوره من نوع أدبيّ إلى آخر. ويرصد القسم تشابهًا واضحًا بين قصّة الوزير يعقوب وقصّة النبيّ يوسف الواردة في السياق القرآنيّ، ويمتدّ هذا التشابه ليطال منامات السجناء الآخرين، مؤكّدًا تأثير السجن الرمزيّ في منامات قاطنيه. وأخيرًا، يربط القسم المنام بالشعر، ويتناول صلتهما معًا بالوحي الإلهيّ.

يقارب القسم الرابع "بين الرؤية والرؤيا" بنظرة أكثر شموليّة علاقة المنام بالفضاء في الحضارة العربيّة-الإسلاميّة، فيحفر في الأبعاد اللغويّة بين الرؤية والرؤيا، ودور الفضاء المُعتِم في إدراك كلٍّ من المنام والصورة. ينطلق القسم من تجربة عالم المناظر ابن الهيثم في السجن، واستلهامه الاختبار التجريبيّ على الحُجرة المظلمة، ومفارقته الإرث اليونانيّ في نظريّات الإبصار. ثمّ يسترسل القسم في الكلام عن خصوصيّة تلقّي المنامات في الثقافة الإسلاميّة عن طريق ثلاثة طروحات: نظريّة عين القلب عند الغزاليّ، والعلاقة بين المنام والعمى واللغة، وتقاطع المنامات مع الصور. وتترسّخ خصوصيّة التلقّي هذه في كتب التعبير الإسلاميّة، إذ تفترق مناهج المعبّرين المسلمين عن مناهج أسلافهم اليونانيّين، وتنعكس هويّاتهم الدينيّة وأبعادهم الاجتماعيّة الخاصّة.

يحلّل القسم الخامس والأخير "الدنيا منام، والمنام رحلة" المناماتِ بصفتها تجسيدًا رمزيًّا للرحلة، أو انتقالًا من فضاء إلى آخر. ويُثبت بالعودة إلى أدب التنوخيّ أنّ المنامات تحقّق بعض أغراض الارتحال، وهي زيارة الموتى، وطلب الحديث النبويّ، والتكسّب، والاستشفاء، وتشريع السلطة. ثمّ يعالج ثيمة المعراج وما يتّصل بها من فضاء صالح للحساب، وثيمة المنامات الملهِمة للشعر، وهاتان الثيمتان تُغنيان عن ارتحال سابق راسخ في العقل الجمعيّ. وتكمن أهمّيّة هذا القسم في أنّه يجعل تجربة المنام في مقام تجربة الحياة الدنيا، إذ يعوّل المؤمن العابر فيهما على ما حقّقه في عبوره.

تقارب أقسام الكتاب الخمسة علاقة المنام بالفضاء من جوانب مختلفة، وفي موادّ أدبيّة مضبوطة بإطار زمنيّ محدّد، لتفهم بأيّ العينين يُدرَك الفضاء في ثقافة المجتمع العبّاسيّ. تلك الثقافة المتمثّلة في نتاج أدبائه وفلاسفته وعلمائه، والمختزِلة لمحمولات دينيّة واجتماعيّة وتاريخيّة في العقل الجمعيّ.

عن مشروع "المنح البحثية 5"

تجدر الإشارة إلي أن مركز أبوظبي للغة العربية، أصدر سبعة كتب جديدة ضمن سلسلة "البصائر للبحوث والدراسات"، تضم الأعمال الفائزة في الدورة الخامسة من برنامج "المنح البحثية"، في خطوة تعكس التزامه بدعم البحث العلمي المتخصّص في اللغة العربية وعلومها، وتعزيز مكانتها لغةً للمعرفة والثقافة. 
 

ويعد برنامج المنح البحثية أحد المشاريع الإستراتيجية التي يدعم المركز من خلالها حركة البحث العلمي في اللغة العربية، ويشجع الباحثين على إنجاز أعمال رصينة تواكب التطورات المعرفية، وتسهم في إثراء المكتبة العربية بدراسات نوعية ذات قيمة علمية مضافة، ويعكس البرنامج أيضًا التزام المركز بتعزيز مكانة اللغة العربية بوصفها لغةً للعلم والمعرفة والإبداع". 
 

وقد حقق البرنامج خلال دوراته المتعاقبة من استقطاب باحثين من مختلف أنحاء العالم، وما أثمر عنه من مؤلفات ودراسات تسهم في تطوير الحقول المعرفية المرتبطة باللغة العربية. ونتطلع إلى أن تشكّل إصدارات الدورة الخامسة إضافة جديدة للمكتبة العربية وللباحثين والمهتمين بالدراسات اللغوية والأدبية". 


وشهدت الدورة الخامسة إقبالًا واسعًا من الباحثين؛ إذ استقبل البرنامج 516 طلبًا من 36 دولة، فاز منها سبعة مشاريع بحثية بالمنح بعد مراحل التقييم والتحكيم العلمي. ويعكس هذا الإقبال المتزايد المكانة التي يحظى بها البرنامج بوصفه إحدى المبادرات الرائدة الداعمة للبحث العلمي المتخصص في اللغة العربية وعلومها. 
وتؤكد المؤشرات الحديثة استمرار تنامي الاهتمام بالبرنامج واتساع نطاق تأثيره في تحفيز إنتاج المعرفة باللغة العربية ودعم البحوث المتخصصة في مجالاتها المختلفة؛ إذ استقبلت الدورة السادسة للعام 2026 ما مجموعه 623 طلبًا من 34 دولة.


وكان المركز أطلق برنامج المنح البحثية في العام 2021 بهدف تحفيز الباحثين في مجال اللغة العربية، وتشجيعهم على تقديم مشاريع علمية أصيلة تسهم في تطوير الدراسات العربية، وتعزيز مكانة اللغة العربية في الأوساط الأكاديمية والثقافية، ويقدّم البرنامج سنويًا من ست إلى ثماني منح بحثية في مجالات الأدب والنقد، والمعجم العربي، والمناهج الدراسية، وتعليم العربية للناطقين بغيرها، وتحقيق المخطوطات، واللسانيات التطبيقية والحاسوبية، ويرصد لها مبلغًا إجماليًا سنويًا بقيمة 600 ألف درهم.
وأسهم البرنامج منذ إطلاقه في دعم 42 مشروعًا بحثيًا نوعيًا في مختلف مجالات اللغة العربية وعلومها، بما يعزّز حضور لغة الضاد في ميادين البحث العلمي والإنتاج المعرفي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق