«سُحقًا لكِ!».. كانت هذه هي الكلمات الأخيرة التي نطق بها الملك «جورج الخامس»، متوجهًا بها إلى ممرضة حاولت إعطاءه حقنة طبية. لقد كانت نهاية نكدة للملك البالغ من العمر 70 عامًا، ومحب صيد طيور الزينة وجَمع الطوابع، الذي عمل بجد لطوال فترة حكمه لترسيخ القواعد الصارمة لعهد إدوارد القصير، وفق ديلي ميل البريطانية.
ومع إعطائه جرعة زائدة قاتلة من المورفين والكوكايين حُقنت في وريده الرئيسي على يد طبيبه الخاص، بتوقيت حُسب بدقة ليعلن عن الوفاة في صحيفة «التيمز» بدلًا من الصحف المسائية الأقل شأنًا، حيث توفي الملك في ليلة 20 يناير 1936.
وبذلك بدأ «عام الملوك الثلاثة» المأساوي والمفصلي، والذي تمر هذا العام الذكرى الـ 90 لاندلاعه. وكان رد الفعل الأولي لابنه الأكبر الملك الجديد إدوارد الثامن هو العويل من شدة الحزن؛ حيث كان منهكًا بشكل هستيري. وكان هذا الانفعال مفاجئًا، بالنظر إلى أنه لم يكن على وفاق قط مع والده العجوز الصارم، الذي تعمد برفقة زوجته الملكة ماري خلال عطلة عيد الميلاد المملة في تجنب أي إشارة إلى عشيقة إدوارد، الأمريكية المطلقة والمتزوجة «واليس سيمبسون».
سحر بلا جوهر وحب محرم: صراع الملك العاشق مع صرامة الكنيسة البريطانية.
غير أن رد الفعل المسرحي والهستيري لإدوارد جاء متسقًا مع شخصيته العاطفية المفرطة، والباحثة عن الانتباه، والمتقلبة كليا كما صورتها الكاتبة «سيان إيفانز» في كتابها الشائق، الذي يأخذنا عبر تفاصيل ذلك العام الدرامي شهرًا بشهر. لقد كان صريع الغضب، نزقًا، وأنانيًا إلى حد النرجسية، ومهووس تماما بواليس سيمبسون، مما جعل التعامل معه أمرًا مستحيلًا. حتى إن الكاتب «نويل كوارد» علّق عليه قائلًا: «كان يمتلك كل سحر العالم، دون أن يملك أي جوهر يدعمه».
ولعل هناك سببًا آخر لعويله الصاخب، يكمن في معرفته المطلقة بأنه منذ تلك اللحظة بالذات، ستُمارس عليه ضغوط عاتية للتخلي عن حب حياته. فبصفته الحاكم الأعلى لكنيسة إنجلترا، كان لزامًا عليه حماية قوانينها ورعايتها، وهي القوانين التي تنص بوضوح على أنه لا يحق لأحد الزوجين السابقين إعادة الزواج إلا بعد وفاة الطرف الآخر.
كواليس العام الذي كتمت فيه بريطانيا سر ملكها العاشق
ورغم أن هذا الأمر كان مستحيلًا في ظل وجود الزوج الأول لواليس سيمبسون «وين سبنسر» على قيد الحياة وبصحة جيدة، إلا أن «إدوارد» كان مصممًا بشكل أعمى على فرض إرادته ونيل مراده بأي ثمن.
وكان أقصى ما يمكنه فعله هو محاولة تدبير وتسهيل طلاقها من زوجها الثاني، «إرنست سيمبسون» وبطريقة تضمن عدم اتهامه بالتواطؤ القانوني في القضية.
وهو ما نجح في تحقيقه بالفعل؛ إذ جرت جلسة النظر في دعوى الطلاق الشهيرة «سيمبسون ضد سيمبسون» أمام محكمة «أيبسويتش» في أكتوبر، ولم تستغرق سوى 19 دقيقة فقط. وكان من المقرر أن يصبح حكم الطلاق باتًا ونهائيًا بعد ستة أشهر وهو توقيت مثالي يسبق حفل التتويج المقرر في مايو 1937، أو هكذا كان يأمل إدوارد.
وفي تلك الأثناء، أُبقي الرأي العام البريطاني في ظلام دامس بعيدًا عن معرفة تفاصيل العلاقة الغرامية غير المشروعة لملكه لمعظم فترات العام؛ حيث حافظت الصحف على صمت مهيب ووقور، رغم حالة التلهف الشديد لدى المحررين لنشر ما كانوا يعلمون يقينًا أنه الحقيقة. ومع تصاعد التوترات السياسية الي جانب الحرب الأهلية في إسبانيا، والتهديدات المتزايدة للنشوة النازية، وصولًا إلى المسيرات القادمة من الشمال المتضرر من الأزمة الاقتصادية نحو لندن (كان 1936 هو عام مسيرة جارو الشهيرة) كان يتملكه إحساس جارف بأن هناك سدًا على وشك الانفجار.
لقد كان إدوارد محبوبًا بشدة ومحل إعجاب عندما كان أميرا يتمتع بفتنة الشاب الوسيم، وأصبح الآن مهابًا كملك جديد؛ غير أنه هو نفسه لم يكن يطيق ملل وتفاهة «ممارسة الملكية» كما كان يحلو له وصفها، بكل ما تتطلبه من تدقيق يومي مجهد في الصناديق الحكومية الحمراء، والبقاء تحت رقابة حاشية من رجال البلاط المتسلطين والمملين. لذا كان يتحاشى قصر باكانغهام، مفضلًا الملاذ المعزول في «فورت بلڤيدير» بحديقة ويندسور الكبرى.
شغف مرضي وتهديد بالذبح: كيف استغل رئيس الوزراء نزق إدوارد الثامن لإبعاده؟
كان يركز على خطة واحدة تلتهم كل تفكيره، ألا وهي الزواج من واليس. حيث كتب إليها قائلًا: "يجب أن نتمسك ببعضنا البعض بإحكام شديد" مستخدمًا رمز «WE» الذي يجمع بين الحرفين الأولين من اسميهما، وكان لقبه العاطفي لاتحادهما. وببراعة روائية لافتة، تبرز «إيفانز» ملامح وتغلبات أهواء الشخصيات الثلاث الرئيسية في هذه الدراما النفسية مابين إدوارد، وواليس، ورئيس الوزراء «ستانلي بولدوين»، الذي جعل من مهمته بذكاء ودهاء إزاحة هذا الملك العنيد وغير الموثوق والمتعاطف مع النازية، حفاظًا على مؤسسة الملكية ودون أن ينتبه أحد لدوره المباشر في التخطيط لهذه الخاتمة.
وتظهر «واليس» طوال تلك الأحداث بائسة ومحطمة، ويكاد يقتلها الإرهاق العصبي الناتج عن كونها هدفًا لهوس الملك القاتل. ففي وقت مبكر من شهر فبراير، كانت تعاني من قرحة في المعدة جراء الإجهاد الناجم عن قصفها المتواصل برسائل الحب من الملك خلال زيارة لأحد المنازل الريفية. لم تكن لديها أي رغبة في التسبب في أزمة وطنية؛ إذ كتبت لإدوارد صراحة: "أنا متأكدة من أنني وأنت لن نجلب سوى الكارثة معًا" وما إن قرأ إدوارد كلماتها هذه، حتى هدد بقطع شريان عنقه وسفك دمه إذا هي أقدمت على تركه.
لقد كان زواجها من «إرنست» يسير بانسجام تام، قبل أن يتدخل «إدوارد» ليدمره بالكامل. وتتجلى أكثر اللحظات إيلامًا في الكتاب عندما كتبت «واليس» وهي تختبئ مع بعض أصدقائها في فرنسا في أوائل ديسمبر، هربًا من حالة الفوضى العارمة والظروف الخطر الفعلي على حياتها عقب تسرب أخبار علاقتهما إلى الصحافة في 3 ديسمبر لزوجها السابق «إرنست» قائلة: "لم يكن أي من هذا بيدي أو من صنعي، إنها طفولية (خطة بيتر بان) الجديدة. أفتقدك وأقلق عليك، آه يا عزيزي، ألم تكن حياتنا جميلة، وعذبة، وبسيطة؟".
بين إغلاق المصانع ودموع العاطلين»: عندما أربك إدوارد الثامن إمبراطورية عائلة رئيس الوزراء
يتجلى وجه أكثر إثارة في هذه القصة التاريخية عندما قام «إدوارد» بزيارة البلدات المتضررة اقتصاديًا في ويلز خلال شهر نوفمبر اي في آخر جولة ملكية له على الإطلاق كان حريصًا على تفقد بلدة «دويليه» تحديدًا، حيث بلغت معدلات البطالة مستويات قياسية ومرتفعة للغاية.
ولم يلقَ هذا التعدي استحسانًا لدى رئيس الوزراء «بولدوين»، الذي رأى في الزيارة تدخلًا صريحًا من الملك في الشؤون السياسية، وسعيًا لإلقاء ظلال قاتمة على أداء حكومته ورسالتها. وما زاد الموقف تعقيدًا وسوءًا بالنسبة لبولدوين هو أن مصانع الحديد في «دويليه»، التي صُدر قرار بإغلاقها وتجريد أصولها بالكامل، كانت ملكًا للشركة العائلية الخاصة ببولدوين نفسه.
7 أيام كافية لنسف العرش ونفي إدوارد وواليس للابد
تساءلت الكاتبة «إيفانز» في كتابها قائلة: «هل كان الملك يعلم أن الثروة العائلية لرئيس الوزراء كانت متشابكة ومربوطة بقرارات اقتصادية تركت بلدة دويليه وسكانها لمصيرهم المجهول في العراء؟».
لم يستغرق الأمر سوى أسبوع واحد فقط منذ تفجر الأخبار وتسربها في الصحف يوم 3 ديسمبر، ليوقع «إدوارد» وثيقة التنازل عن العرش في العاشر من الشهر نفسه وفي تلك اللحظة بالذات، بدأ عهد الملك الثالث في ذلك العام، «جورج السادس».
وقبل وفاته بفترة وجيزة، كان الملك «جورج الخامس» قد يتوقع مصير ابنه إدوارد قادمًا ودقيقًا؛ حيث قال: "بعد رحيلي،سيدمر هذا الفتى نفسه خلال 12 شهرًا".
ولقد أثبتت الأيام صحة رؤيته وصدق نبوءته. لم يكن الأمر خرابًا بالمفهوم التقليدي بحت، لكن بأفعاله وتصرفاته الطائشة، حكم إدوارد على نفسه وعلى واليس بعمر كامل من التفاهة والعدمية والعيش في المنفى.












0 تعليق