قصة خادمة كينت التي هددت عرش هنري الثامن وآن بولين

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في العشرين من أبريل عام 1534، نالت «إليزابيث بارتون» الخادمة المنزلية السابقة ابنة الثمانية والعشرين عامًا من مقاطعة كينت الشرف المشكوك فيه بكونها أول امرأة يُعلق رأسها المقطوع على رمح فوق جسر لندن.

كانت جريمتها هي الخيانة العظمى؛ إذ دأبت إليزابيث في الآونة الأخيرة على الجَهر علنا بأن الله غاضب أشَد الغضب على الملك «هنري الثامن» بسبب زواجه من «آن بولين»، وفق صحيفة ديلي ميل البريطانية.

كان عصر «التيودور» مكتظًا بالمجاذيب وأصحاب الهلاوس، ولم يكن الملك ليُكلف نفسه عناء الالتفات إلى فتاة أميّة معتقدة أن بينها وبين السماء خطًا مباشرًا؛ غير أن الفارق هنا تمثل في أن إليزابيث نجحت خلال الأعوام العشرة السابقة في بناء سمعة دولية مدوية كشخصية قادرة على التحدث مباشرة مع العذراء مريم، ويسوع المسيح، والملاك جبريل.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن أسقف كانتربري نفسه حقق في أمرها وأعلن سلامة صدقها وصحة ادعاءها، في حين كان بابا روما يتابع أخبارها عن كثب. وتدفقت جموع عامة الشعب لرؤية إليزابيث وهي في حالة التجلي، أملًا في التقاط مشهد من حالات الغيبوبة العنيفة والمسرحية التي كانت تعتريها، حين كان الروح القدس  -حسب زعمهم - يتملك جسدها لينطق بالحقائق الصادقة المباشرة. وتعود أولى إرهاصات امتلاك إليزابيث لِهذه القدرات الخارقة إلى عام 1525، عندما كانت في التاسعة عشرة من عمرها وتعمل خادمة منزلية في كينت.

 

من التنبؤ بالموت إلى إحياء الموتى: كيف أصبحت خادمة كينت أقوى كروت الكنيسة ضد الإصلاح البروتستانتي؟

خلال نوبة تشنج مروعة جحظت فيها عيناها ودلدل لسانها، أعلنت الفتاة أن طفل سيدها الصغير سيموت قريبًا؛ وفي غضون ساعات معدودة، كان الطفل قد فارق الحياة بالفعل وانتشرت أنباء هذه النبوءة الاستثنائية كالنار في الهشيم. ومنذ تلك اللحظة، أُودِعت «راهبة كينت المقدسة» في دير برهبانية كانتربري كي تكون تحت مراقبة وسيطرة  مستشاريها الروحيين.

وبدأت حالات الغيبوبة  تتلاحق بكثافة؛ وكانت أغلب النبوءات التي تنقلها إليزابيث تحمل طابعًا وعظيًا، لا سيما عندما تتطرق إلى حركة الإصلاح البروتستانتي التي كانت تجتاح شمال أوروبا آنذاك؛ إذ بدت العذراء مريم صارمة بشأن ضرورة مواصلة الناس الاعتراف بذنوبهم لدى القسس الكاثوليك، والتضرع   لطلب شفاعة القديسين.

غير أن الأمر الأكثر إثارة للافتخار كان اكتساب إليزابيث القدرة على صنع المعجزات بنفسها؛ فقد كان بمقدورها إشعال الشموع بغير نار، ومساعدة الأمهات على إدرار الحليب، بل إنها نجحت في إحدى المناسبات في إعادة رجل ميت إلى الحياة، ولم يكن أحد قد رآها وهي تفعل هذه الأمور الخارقة، لكن هذا الغموض المريب لم يزد المشهد إلا هالة من السحر الإلهي.

ولفترة من الوقت، تساهل الملك هنري الثامن مع الشهرة المتصاعدة لإليزابيث بارتون؛ إذ كان من النافع وجود شخصية مألوفة لدى العامة تحثهم على الالتزام بالخط المحافظ. ولكن بمجرد أن بدأ هنري يتجه للابتعاد عن الكنيسة الكاثوليكية كتمهيد لطلاقه من كاترين الأراغونية وزواجه من آن بولين، بدأت نبوءات إليزابيث تتخذ مسارًا سياسيًا خالصًا  وشديد الخصوصية.

عندما واجهت خادمة كينت ملك إنكلترا بنبوءة جهنم واللعنة الإلهية

وأعلنت «إليزابيث» أن ملاكًا نزل إليها وأمرها بالذهاب إلى «أمير إنكلترا الكافر»، وتوجيه أمر صارم له بأنه إذا ما تجرأ وتزوج من «آن بولين»، فإن الانتقام الإلهي سيحط عليه كالقضاء والقدر. وزيادةً في الترهيب، أكدت أنه قد أُريت بالعين المجردة الموضع الدقيق المحدد والمحجوز للملك هنري في قاع جهنم!

لُقفت قصة إليزابيث بارتون ورُوِيت مرارًا وتكرارًا، سواء على أيدي مؤرخين بارزين أو روائيين حائزين على جوائز عالمية؛ إذ تظهر الشخصية في رواية «وولف هول» (Wolf Hall) لـ «هيلاري مانتل»، كما تحتل موقعًا بارزًا في رواية «لعنة الملك» (The King's Curse) لـ «فيليبا غريغوري».

وإدراكًا منها لضرورة ارتياد آفاق جديدة (أو شبه جديدة) في التوثيق، اختارت الكاتبة «هايلي نولان» أن تروي سيرة إليزابيث في ضوء صراعها الحامي مع غريمتها الأزلية «آن بولين»؛ وصيفة القصر التي كان هنري مستعدًا من أجلها للتضحية بزوجته الشرعية والكنيسة الرومانية الكاثوليكية معًا.

وفي رؤية «نولان»، تتجلى «آن» و«إليزابيث» كصورتين وانعكاسيتين متقابلين في مرآة واحدة؛ فبينما تتمسك إليزابيث بتقوى شديدة بالكنيسة الكاثوليكية باعتبارها المسار الأوحد للعيش القويم  للرجال والنساء، تبدو «آن بولين» مصلحة دينية متطرفة ومستبصرة، ترتكز على أن قراءة الإنجيل باللغة الإنكليزية هي السلاح الوحيد لكبح جماح السلطة الاستبدادية للقسس الفاسدين.

ووفقًا لـ «نولان»، فإن نزاع «آن» مع الكنيسة الكاثوليكية البابوية لم يكن مجرد خلاف لاهوتي، بل كان جزءًا من أجندتها الأوسع كمناضلة من أجل العدالة الاجتماعية، ومصممة على سن قانون جديد للفقراء لمد يد العون لأكثر الفئات بؤسًا في المجتمع.

خوارزميات القرن السادس عشر: إسقاطات عصرية ومغالطات تاريخية في قراءة جديدة لعرش هنري الثامن

تصرّ «نولان» في طرح مثير للجدل على أن «آن بولين» لم تُعدم عام 1536 بسبب علاقاتها الآثمة أو فشلها في إنجاب وريث ذكر للملك هنري، بل «لأنها خاضت معركة الدفاع عن حقوق الشعب الإنكليزي، وسعت لمنح الطبقات المقهورة مستوًا أفضل من الحياة». ورغم أنه لا بأس إطلاقًا بتعاطي وجهات النظر التفسيرية، إلا أن نظرية «نولان» ترتكز على فهم خاطئ وعميق لآليات عمل وطبيعة البلاط الملكي في عصر «التيودور».

إن تصوير «آن» كشهيدة للمبادئ السامية والعدالة لا يقل تضليلًا عن ذلك الكليشيه القديم الذي اختزل الزوجة الثانية للملك في مجرد امرأة لعوب وماكرة تمتلك إبهامًا إضافيًا مريبًا.

ولم تسلم «إليزابيث بارتون» هي الأخرى من إعادة التدوير وفق المعايير العصرية؛ إذ أُعيدت صياغة صورة «راهبة كينت المقدسة» لتظهر كنجمة مشهورة تقع تحت رحمةمدير أعمالها، ووكيلها الإعلامي، والمروجين لها  وهم رجال دين استغلوا هالتها  لتجميع الأموال لصالح الكنيسة ولأنفسهم. وتحت إجبار التكيف مع «خوارزميات القرن السادس عشر»، سُحقت «إليزابيث» بسبب «ضرورة توفير تدفق لا يتوقف من المحتوى ليتغذى عليه المعجبون»!

من خوارق القرون الوسطى إلى صُناع التيك توك»: كيف تحولت مواجهة «آن بولين» و«خادمة كينت» إلى دراما للمراهقين؟

وهنا تحديدًا يدرك القارئ سبب تفاخر ناشري «نولان» بأرقام مقاطعها التاريخية على منصة «تيك توك»، والتي حصدت أكثر من 25 مليون مشاهدة.

من الشائق دومًا أن يكتب المؤرخون سرديات شعبية ومستفزة، بيد أن المتطلبات الأساسية تقتضي تجنب الأخطاء الفادحة والبدائية؛ مثل ادعاء الكاتبة بأن المصلح البروتستانتي «مارتن لوثر» قد «أكد على ضرورة كتابة الإنجيل بالإنكليزية بدلًا من اللاتينية» وهو ادعاء مجافٍ للمنطق؛ إذ إن لوثر، الألماني الذي لم تطأ قدماه بريطانيا قط، لم يكن لديه أي سبب يدعوه للمطالبة بأمر كهذا.

وفي نهاية المطاف، كان المحامي الداهية «توماس كرومويل» هو من أسقط «إليزابيث»، تمامًا كما كان المسؤول عن حتف «آن بولين» بعد ذلك بعامين.

ففي عام 1533، استدعى المحامي المحنك «راهبة كينت المقدسة» إلى برج لندن، وتحت الإكراه (الذي يعني على الأرجح التعذيب الجسدي)، اعترفت بأن الأمر برمتهم كان محض فبركة وادعاء؛ وأنها زوّرت حالات التشنج والغيبوبة، ولم تتحدث قط إلى المجموعات الملائكية، ناهيك عن الذات الإلهية! ومن تلك اللحظة، سلكت طريقًا معبدًا بالآلام والصعاب انتهى بها عند خشبة المشنقة.

فهل كانت إليزابيث تعتقد حقًا أنها متصوفة على اتصال بقوى الهية، أم أنها كانت- كما يعلن العنوان الفرعي لهذا الكتاب - جانية ومذنبة في خدعة مدوية وسيئة السمعة؟

تتجنب «نولان» الخوض في تفكيك هذه الحيثيات الشائكة، وتستبدل ذلك برواية شعبية سريعة الإيقاع يبدو أنها موجهة لجمهور اليافعين. وبالفعل، يُذكرنا كتاب «سيئة السمعة» (Notorious) بتلك السرديات التاريخية المشوقة للروائية «جين بليدي» التي كنا نلتهمها بشغف في مطلع المراهقة وهو أمر يُحسب للكاتبة ويمثل إشادة بحقها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق