دكتور حسين عبدالبصير يكتب: مصر واليابان.. آفاق أثرية وسياحية جديدة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

السبت 22/أغسطس/2026 - 07:23 م 8/22/2026 7:23:22 PM

حسين عبدالبصير
حسين عبدالبصير

حين ننظر إلى العلاقات المصرية اليابانية من نافذة الآثار والسياحة، فإننا لا نرى مجرد تعاون بين دولتين، ولا مجموعة من المشروعات المشتركة التى تنتهى بانتهاء تنفيذها، إنما نرى تجربة استثنائية فى بناء جسر حضارى بين ثقافتين عريقتين؛ ثقافة وُلدت على ضفاف النيل، وثقافة تشكلت فى أرخبيل بعيد فى أقصى الشرق، وبينهما مسافة جغرافية هائلة، لكنهما تلتقيان فى احترام الإنسان، وتقدير المعرفة، والانضباط، والحفاظ على التراث.
لقد أصبحت الشراكة المصرية اليابانية فى مجال الآثار واحدة من أهم نماذج التعاون الثقافى الدولى المعاصر. ويقف المتحف المصرى الكبير فى قلب هذه التجربة بوصفه رمزًا استثنائيًا لما يمكن أن تفعله الإرادة المشتركة حين تتحول العلاقات السياسية والاقتصادية إلى مشروع حضارى طويل المدى. فمنذ عام 2006، أسهمت الوكالة اليابانية للتعاون الدولى «جايكا» فى تمويل إنشاء المتحف من خلال قروض المساعدة الإنمائية الرسمية، إلى جانب تعاون فنى واسع فى مجالات الترميم والنقل والتوثيق وإدارة المتاحف والتدريب.
لكن الأهم فى التجربة المصرية اليابانية أن اليابان لم تتعامل مع الآثار المصرية باعتبارها مجرد أشياء جميلة تُعرض فى قاعات المتاحف، وإنما باعتبارها ذاكرة إنسانية تحتاج إلى العلم والصبر والتكنولوجيا والمهارات البشرية.
وهنا تكمن قيمة التجربة.
ففى مركز ترميم الآثار بالمتحف المصرى الكبير عمل الخبراء المصريون واليابانيون جنبًا إلى جنب على تطوير قدرات الترميم والحفظ والتوثيق والتغليف والنقل، وتبادل الخبرات فى التعامل مع مواد أثرية مختلفة. ولم يكن الهدف مجرد إنقاذ قطعة أثرية، بل بناء جيل من المتخصصين القادرين على حماية التراث المصرى للأجيال المقبلة.
ولعل قصة مركب خوفو الثانية تقدم أكثر الصور تعبيرًا عن عمق هذه الشراكة. فقد شارك فريق يابانى بقيادة عالم الآثار اليابانى الدكتور ساكوجى يوشيمورا فى أعمال الكشف عن المركب، ثم تطور التعاون ليشمل استخراج القطع الخشبية وترميمها وإعادة تجميعها تمهيدًا لعرضها. وقد أصبحت هذه التجربة نموذجًا عالميًا للتعاون بين علم الآثار والتكنولوجيا الحديثة والصبر الإنسانى.
إن اليابان هنا لا تقدم لمصر التكنولوجيا فقط، ومصر لا تقدم لليابان آثارها فقط. الطرفان يتبادلان المعرفة.
وهذا هو المعنى الحقيقى للدبلوماسية الثقافية.
لقد أثبتت التجربة أن الآثار يمكن أن تصبح لغة تتحدث بها الشعوب حين تعجز السياسة أحيانًا عن التعبير عن عمق العلاقات الإنسانية. فالمصرى الذى يقف أمام تجربة يابانية فى الترميم يرى احترامًا لتراث بلاده، واليابانى الذى يقف أمام تمثال مصرى أو بردية أو مقبرة ملكية يرى جزءًا من تاريخ الإنسانية التى ينتمى إليها هو أيضًا.
ومن هنا أعتقد أن المرحلة المقبلة يجب ألا تكتفى بالحفاظ على ما تحقق، بل ينبغى أن تنتقل بالعلاقة المصرية اليابانية إلى مستوى جديد: من التعاون فى المشروعات إلى بناء منظومة ثقافية وسياحية متكاملة.
أولى آفاق هذه المرحلة تتمثل فى تحويل المتحف المصرى الكبير إلى منصة دائمة للحوار المصرى اليابانى حول المتاحف والتراث.
فالمتحف لم يعد مجرد مكان لحفظ وعرض الآثار. المتحف الحديث مؤسسة للمعرفة والتعليم والبحث العلمى والتكنولوجيا والتواصل المجتمعى. وقد بدأت بالفعل خطوات لتعزيز دور المتحف المصرى الكبير كمركز عالمى للحفظ والبحث العلمى، من خلال مشروع تعاون فنى جديد مع اليابان يهدف إلى دعم قدراته ليصبح مركزًا عالميًا للحفظ والبحث العلمى فى المنطقة.
وهنا يمكن أن تفتح مصر واليابان بابًا جديدًا للتعاون فى الذكاء الاصطناعى، والرقمنة، وتحليل المواد الأثرية، والتصوير ثلاثى الأبعاد، والواقع الافتراضى، وإدارة قواعد البيانات التراثية.
إننا أمام فرصة لإنشاء ما يمكن أن أسميه «المدرسة المصرية اليابانية للتراث».
مدرسة لا تحتاج بالضرورة إلى مبنى واحد، وإنما يمكن أن تكون شبكة من المتاحف والجامعات ومراكز الترميم والمعاهد البحثية فى مصر واليابان، يتبادل فيها الباحثون والمرممون والمتخصصون والخبراء الخبرات، ويعمل فيها الشباب من البلدين على مشروعات مشتركة.
أما السياحة، فهى المجال الذى يمكن أن تتحول فيه هذه الشراكة إلى قصة نجاح اقتصادية وثقافية أكبر.
السائح اليابانى لا يبحث فقط عن الشمس والبحر، وإنما يمتلك شغفًا خاصًا بالتاريخ والثقافة والتجربة الأصيلة. ومصر بالنسبة إليه ليست مجرد أهرامات وأبوالهول، بل حضارة يمكن قراءتها فى المعابد والمقابر والمتاحف والمدن القديمة والنيل والصحراء.
ولهذا فإن المطلوب هو إعادة تصميم المنتج السياحى المصرى للسوق اليابانية، بحيث يصبح أكثر عمقًا وتنوعًا.
يمكن مثلًا تصميم مسارات سياحية تحمل عنوان «مصر من منظور يابانى»، تبدأ من المتحف المصرى الكبير، وتمتد إلى أهرامات الجيزة، ثم إلى سقارة ودهشور، فالأقصر وأسوان، مع إضافة تجارب ثقافية صغيرة لكنها مؤثرة: لقاءات مع علماء الآثار، ورش للخط الهيروغليفى، زيارات إلى مراكز الترميم، عروض عن تقنيات التحنيط، جولات ليلية فى المواقع الأثرية، وتجارب رقمية تسمح للسائح بأن يرى الموقع الأثرى فى مراحله التاريخية المختلفة.
وهنا يمكن للتكنولوجيا اليابانية أن تمنح التجربة السياحية المصرية بُعدًا جديدًا.
تخيل سائحًا يابانيًا يقف أمام أحد المعابد المصرية، فيرتدى نظارة واقع ممتد يرى من خلالها المعبد كما كان قبل آلاف السنين. ثم ينتقل إلى تجربة تفاعلية تحكى قصة الملك والكهنة والطقوس والحياة اليومية. وبعد ذلك يدخل متحفًا صغيرًا داخل الموقع يشرح له كيف اكتُشفت الآثار وكيف تم ترميمها.
هذه ليست مجرد سياحة.
هذه «سياحة المعرفة».
ومن المهم أيضًا أن تمتد الشراكة إلى السياحة المستدامة. فاليابان تمتلك خبرة كبيرة فى إدارة المواقع والمؤسسات، ويمكن لمصر الإفادة من هذه الخبرات فى إدارة تدفقات الزائرين، وتقليل الضغط على المواقع الأثرية، وتطوير وسائل النقل الذكية، وتحسين إدارة المياه والطاقة والنفايات فى المناطق السياحية.
وقد أثبت التعاون المصرى اليابانى فى مجال حماية التراث أن هذه الشراكة قادرة على الوصول إلى قلب مفهوم الاستدامة؛ ففى عام 2026 أُعلن عن استكمال مرحلة جديدة من مشروع حفظ جداريات مقبرة أمنحتب الثالث فى وادى الملوك، ضمن تعاون مصرى يابانى طويل المدى برعاية اليونسكو، امتد لأكثر من عقدين.
لكن المستقبل لا ينبغى أن يتوقف عند القاهرة والجيزة والأقصر.
هناك مصر أخرى تنتظر أن تُكتشف.
هناك الإسكندرية، ومدينة الإسكندر، وساحل البحر المتوسط، والواحات، وسيناء، والفيوم، ومواقع الدلتا، ومسارات الحج القديمة، والقرى التراثية، والمتاحف الإقليمية.
ويمكن بناء برامج سياحية يابانية متخصصة حول موضوعات بعينها: «مصر القديمة والفلك»، و«مصر القديمة والطب»، و«النيل والحياة المصرية»، و«الموت والخلود فى مصر القديمة»، و«الهندسة فى الحضارة المصرية»، أو حتى «الخشب فى الحضارتين المصرية واليابانية».
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: مصر واليابان يمكنهما أن تكتشفا نفسيهما من خلال بعضهما البعض.
ففى مصر القديمة كان الإنسان يبحث عن النظام والاستقرار والخلود، وفى الثقافة اليابانية نجد حضورًا قويًا لمفاهيم احترام الطبيعة، والدقة، والانضباط، واستمرار التقاليد. والمقارنة بين الحضارتين لا ينبغى أن تقوم على البحث عن تشابهات مصطنعة، إنما على دراسة كيف تعامل كل مجتمع مع أسئلة الإنسان الكبرى: الموت، والطبيعة، والزمن، والجمال، والعمل، والذاكرة.
وهذا يمكن أن يصبح مجالًا بحثيًا وسياحيًا جديدًا فى الوقت نفسه.
لقد احتفلت مصر واليابان بمرور سبعين عامًا على التعاون بينهما، وهى مناسبة تؤكد أن العلاقة لم تعد علاقة عابرة، وإنما أصبحت شراكة متراكمة بنت ثقة حقيقية عبر عقود. وقد وصف مسئولون مصريون المتحف المصرى الكبير بأنه أحد أبرز نماذج التعاون التنموى بين البلدين فى مجالى الثقافة والآثار على مستوى العالم.
واللافت أن هذه العلاقة ليست جديدة تمامًا فى الوعى اليابانى بمصر. ففى القرن التاسع عشر وصلت بعثة يابانية إلى مصر وشاهد أفرادها الأهرامات وأبوالهول، واليوم يقف المتحف المصرى الكبير بالقرب من الموقع نفسه بوصفه أحد أهم ثمار التعاون المصرى اليابانى المعاصر. إنها صورة تختصر أكثر من قرن ونصف القرن من الفضول اليابانى تجاه مصر، ومن تطور العلاقة من الرحلة والاكتشاف إلى الشراكة والبناء.
والآن نحن أمام لحظة تاريخية جديدة.
المتحف المصرى الكبير أصبح حقيقة، والتعاون المصرى اليابانى فى الآثار أثبت نجاحه، والسوق اليابانية تظل من الأسواق المهمة التى تستهدف مصر جذب مزيد من السائحين منها، بينما توجد فرص واسعة لتعزيز الرحلات الجوية والتبادل الثقافى والمعارض الأثرية المتبادلة.
لذلك فإن السؤال لم يعد: ماذا تستطيع اليابان أن تقدم لمصر؟
ولا: ماذا تستطيع مصر أن تقدم لليابان؟
السؤال الأهم هو: ماذا تستطيع مصر واليابان أن تقدماه معًا للعالم؟
وهنا أرى أن الإجابة يمكن أن تكون مشروعًا حضاريًا جديدًا: أن تصبح الشراكة المصرية اليابانية نموذجًا عالميًا لكيفية تحويل التراث من ذاكرة للماضى إلى قوة للمستقبل.
مصر تمتلك الحضارة والمواقع والقصص.
واليابان تمتلك التكنولوجيا والانضباط والخبرة فى الإدارة والتطوير.
ومصر تمتلك النيل والأهرامات والمعابد والمقابر والمتاحف.
واليابان تمتلك مجتمعًا شديد الاهتمام بالثقافة المصرية القديمة، وسوقًا سياحية مهمة، وخبرة واسعة فى توظيف التكنولوجيا فى الحياة اليومية.
وعندما تلتقى هذه العناصر، لا تكون النتيجة مجرد زيادة أعداد السائحين، ولا مجرد ترميم آثار.
النتيجة يمكن أن تكون صناعة ثقافية كاملة.
صناعة تربط المتحف بالجامعة، والموقع الأثرى بالتكنولوجيا، والسائح بالمعرفة، والبحث العلمى بالاقتصاد، والماضى بالمستقبل.
لقد بدأ الحلم المصرى اليابانى من مركب خشبى دُفن بجوار هرم خوفو، ثم امتد إلى المتحف المصرى الكبير، ومر عبر معامل الترميم ومراكز البحث والتدريب.
والآن حان الوقت لكى يبحر هذا المركب مرة أخرى.
لكن هذه المرة ليس فى مياه النيل.
بل فى مياه المستقبل.
إن مصر واليابان لا تحتاجان إلى بناء جسر جديد بينهما؛ لقد بُنى الجسر بالفعل.
المطلوب الآن أن نجعل هذا الجسر أكثر اتساعًا، بحيث تعبر عليه الآثار إلى المستقبل، وتعبر عليه السياحة إلى آفاق جديدة، وتعبر عليه المعرفة بين القاهرة وطوكيو، ويعبر عليه الإنسان نفسه من حضارة إلى حضارة، مكتشفًا فى النهاية أن أعظم ما يجمع الشعوب ليس المسافة التى تفصل بينها، وإنما قدرتها على أن ترى فى تراث بعضها البعض جزءًا من التراث الإنسانى المشترك.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق