فى وسط البلد فيه قهوة. مش مهم اسمها لأنها ممكن تكون أى قهوة من بتوع زمان. كراسى خشب متاكلة وترابيزات عليها حلقات فناجين عمرها أكبر من أى حد قاعد. ومريّا على الحيطة مكسور طرفها ومحدش فكّر يغيّرها لأنها بقت جزء من المكان. والسقف عالى على الطراز القديم ولو بصّيت فيه كويس هتلاقى بقايا زخرفة حد عملها بإيده.
فى الركن فيه راجل قاعد ومعاه عود. مش بيعزف. قاعد بيشرب شاى والعود ساند جنبه على الحيطة. من وقت للتانى بيمد إيده يمسح عليه. مش بيدوزنه. بيمسح عليه وخلاص. زى ما تمسح على كتف حد قاعد جنبك.
سألته مرة: مش هتعزف يا عم؟ قالى: لمين؟
وسكت. ورجعت أفكّر فى الكلمة دى. لمين. مش "مش عايز." ولا "مش قادر." لمين. يعنى المشكلة مش فى العازف ولا فى العود. المشكلة فى إن مفيش حد عايز يسمع. أو بالأصح مفيش حد عارف إنه المفروض يسمع.
وده فكّرنى بحاجة بعيدة. بعيدة جدًا.
قبل ألف سنة فى بغداد كان فيه واحد اسمه إسحاق الموصلى. ما حدش فى القهوة سمع عنه طبعًا. بس الراجل ده عمل حاجة غريبة: أخد الموسيقى اللى كانت تقليد شفهى بيتنقل من واحد للتانى بالممارسة والذاكرة وحوّلها لنظام. سمّى الإيقاعات. صنّف الأنغام. حط قواعد. قبله كانت الموسيقى زى الكلام بين الناس: كل واحد بيقوله بطريقته ومحدش بيكتبه. بعده بقى فيه كتاب.
وده يبان حاجة صغيرة. بس هو فى الحقيقة أهم حاجة حصلت للموسيقى العربية. لأن من غير نظام مفيش تراكم. كل جيل بيبدأ من الأول. بس لما يبقى فيه أسماء وقواعد ومدارس، الجيل الجديد بيبنى فوق اللى قبله. وده اللى خلّى الموسيقى العربية توصل لحتة عالية جدًا.
بس النظام بيعمل حاجة تانية كمان. بيحدد حدود. بيقولك: ده صح وده غلط. دى الطريقة الأصيلة ودى خروج. والحدود دى هى اللى بتخلّى النظام ينضج. ونفس الحدود دى هى اللى الجيل اللى بعده هيحتاج يكسرها.
وده هيتكرر كل مرة فى القصة دى. كل مرة.
فى القرن التسعتاشر فى القاهرة وصلت الموسيقى لمكان عالى جدًا. كان فيه قوالب ناضجة زى الدور والموشح والقصيدة. وكان فيه التخت الشرقى. وكان فيه ثقافة اسمها الطرب. والطرب مش بس إنك بتسمع. إنك شريك. المطرب بيغنى والجمهور بيتفاعل والمطرب بيرد على التفاعل ويغيّر ويزوّد ويكرّر. كل حفلة مختلفة عن اللى قبلها. مفيش نسخة واحدة ثابتة من الأغنية. فيه لقاء كل مرة بيطلع بشكل جديد.
ده مش فن بدائى بيستنى حد ييجى يطوّره. ده فن ناضج بنظام معقد وجمال عميق.
واللى وصّلوه للقمة اسمهم عبده الحامولى ومحمد عثمان. ودول عملوا حاجة مهمة: جددوا من غير ما يكسروا. وسّعوا من جوه. دخّلوا تأثيرات جديدة، الحامولى سافر إسطنبول وسمع وتأثر، بس فضلوا جوه البنية. زى مهندس بيوسّع شباك ويغيّر توزيع الغرف بس ما بيشكّش فى أساس العمارة.
والحاجة المضحكة إن الناس دى اللى كانت مجددة فى وقتها بعد خمسين سنة بقت هى التراث. هى القديم. هى اللى المحافظين بيترحّموا عليها. وده قانون: كل تراث كان فى يوم موسيقى معاصرة. وكل شكل بنقول عليه أصيل فيه فترة كان فيها جديد ومريب ومرفوض.
بس خلّينا نرجع للقهوة. لأن اللى حصل بعد كده هو اللى غيّر كل حاجة.
قبل ما الأسطوانة تتولد كانت الموسيقى مربوطة بالمكان. عايز تسمع المطرب لازم تكون فى نفس الأوضة. الصوت مش بيسافر لوحده. الحفلة حدث. بيحصل وبيخلص ومبيفضلش منه غير الذاكرة.
وعشان كده المكان كان عنده سلطة رهيبة. حجم القاعة ونوع الجمهور والطبقة الاجتماعية والمناسبة ومين اللى بيدفع، كل ده بيدخل فى شكل الموسيقى نفسها. الموسيقى طويلة لأن الوقت متاح. الارتجال ممكن لأن الجمهور حاضر. المطرب يقدر يكرّر الجملة عشر مرات لأن محدش مستعجل. الهدف مش إنك توصل للنهاية. الهدف إنك تعيش اللحظة.
وبعدين جت الأسطوانة.
والأسطوانة ما ضافتش طريقة جديدة تسمع بيها. غيّرت شروط وجود الموسيقى نفسها. الصوت بقى ممكن ينفصل عن صاحبه. المطرب يغنّى مرة واحدة وناس ما شافهمش ولا هيشوفهم يسمعوه. الأغنية تسافر من القاهرة لأى حتة من غير ما المطرب يتحرك. الأداء اللى كان كل مرة مختلف بقى نسخة واحدة ثابتة.
والأهم: الصوت بقى ممكن يتباع. وشركة بقت تقرر إيه اللى يستاهل يتسجّل. والوقت المتاح على وش الأسطوانة بدأ يحدد طول الأغنية. النظام اللى كان مبنى على اللقاء الحى بدأ يتحوّل لمنتج.
والمنتج عنده قواعد مختلفة عن اللقاء.
وهنا بدأ أول سؤال هيتكرر فى كل مرحلة: لما التكنولوجيا تشيل حاجز كان الناس فاكرينه جزء طبيعى من الفن، إيه اللى بيحصل للفن نفسه؟
وبعدين جه سيد درويش.
وسيد درويش ما طلعش من بره النظام. اتعلمه. غنّى أدوار وموشحات. عارف القواعد. بس عاش فى لحظة كل حاجة فيها بتتغير. المدينة بتتوسع. المسرح بيكبر. الصحافة بتنتشر. العامية المصرية بتتحول من لغة شارع للغة ثقافة. والاحتلال البريطانى والحرب العالمية الأولى وثورة ١٩ كلهم بيعملوا مجتمع مختلف عن اللى كان قبلهم.
وسيد درويش ما أخدش الموسيقى من القصر ونزّلها الشارع بالمعنى البسيط. هو دخّل الشارع فى الموسيقى. العامل والسقا والبياع والصنايعى لقيوا نفسهم فى أغانيه. مش لأنه سهّل الموسيقى عشانهم. لأنه خلّى حياتهم مادة تستاهل تتغنّى. وفى نفس الوقت ما تنازلش عن الصنعة. وسّع الجمهور من غير ما يقلّل الجودة. وده أندر حاجة ممكن فنان يعملها.
والمفارقة إن سيد درويش نفسه كان هجين. تأثّر بالمسرح الأوروبى والأوبريت. استخدم تشكيلات قريبة من الفرق الغربية. وده مهم. لأن أكتر غلطة بتتكرر فى الكلام عن "انحطاط" الموسيقى هى افتراض إن فيه لحظة أصيلة نقية وبعدين الغرب أو التكنولوجيا أفسدها. بس لما بتقرّب من أى لحظة تأسيس بتلاقى الهجنة فى كل مكان. الحامولى راح إسطنبول. سيد درويش أخد من الأوبريت. عبد الوهاب هيسمع أوروبا. حميد الشاعرى هيدمج إلكترونيات التمانينيات. الهجنة مش استثناء. الهجنة هى طريقة الموسيقى المصرية فى التجدد.
والراجل اللى فى القهوة لسه قاعد. العود لسه ساند على الحيطة. سألته: بتسمع إيه يا عم؟ قالى: بسمع اللى فى دماغى. ده أحسن من اللى بره.
وضحك. بس الضحكة كان فيها حاجة.
لأن اللى فى دماغه هو اللى سيد درويش بناه وعبد الوهاب وسّعه وبليغ والموجى وسلطان فرشوه. نظام كامل عايش فى راس راجل قاعد فى قهوة ومش لاقى حد يسمعه.
وبره القهوة سماعة بلوتوث بتلعب حاجة تانية خالص.
والسؤال مش مين صح. السؤال: إمتى بالظبط فقدنا الخيط بين اللى جوه راسه واللى بره فى السماعة؟
والإجابة مش سهلة. لأنها ما حصلتش فى يوم واحد. حصلت فى مراحل. وكل مرحلة حد فاكر إنها كانت طبيعية.
والمرحلة الأولى بدأت بعد الحرب العالمية الأولى. لما مصر طلعت من الحرب وهى بلد تانية. ولما المسارح والملاهى والكباريهات اتوسعت. ولما الأسطوانة بدأت تعيد تشكيل اقتصاد الأغنية. ولما ظهرت كلمات اتوصفت بالخلاعة وأصوات اتهمت بالابتذال ونقاد صرخوا إن الذوق بينهار.
بس ده كلام المقال الجاى.
دلوقتى الراجل لسه قاعد. وفى لحظة، من غير مقدمات، مد إيده ومسك العود وبدأ يعزف. أول نقرتين كانوا كفاية إن الصوت يملا القهوة.
ما عدّتش دقيقة.
واحد من الترابيزة اللى جنبه قاله: يا عم بلاش صداع.
والتانى هز راسه موافق. والتالت بصله بصّة معناها "كل يوم نفس الحوار."
صاحب القهوة مشى ومن غير ما يتكلم شغّل محطة شعبيات. والمود فى القهوة كله تحس إنه استريح. الناس رجعت تتكلم. الشاى رجع يتشرب. والهوا رجع طبيعى.
الراجل حط العود تانى جنبه على الحيطة. ورجع يشرب شاى.
ومحدش فى القهوة كان واخد باله إنهم لسه بيقولوا على عم محمد بتاع العود "صداع" وعلى المحطة "راحة."
المجتمع مش محتاج حد يقوله إيه التافه. هو بنفسه بيقرر. وبيقرر غلط. وبيرتاح.

















0 تعليق