لم تنته معركة صفين «٣٧ هجرية» بواقعة التحكيم الشهيرة بين جيش على وجيش معاوية فقط، ولكنها أوقعتنا فى فخ كبير اسمه «الخوارج»، هؤلاء الذين لم يخرجوا عن طاعة الإمام على فقط، بل خرجوا على ما يستوجبه الدين أيضًا.
قبِل الإمام على التحكيم، وأوفد أبا موسى الأشعرى ممثلًا له فى مواجهة عمرو بن العاص الذى كان ممثلًا لمعاوية بن أبى سفيان، وهو التحكيم الذى انتهى بخدعة سياسية من عمرو، ففى الوقت الذى قال فيه أبوموسى إنه يخلع عليًا كما يخلع خاتمه من إصبعه، أكد ابن العاص أنه يثبت صاحبه- معاوية- كما يثبت خاتمه فى إصبعه.
خضع فريق من جيش الإمام على للتحكيم، وراح فريق آخر يعترض عليه، وينشق عنه، ويطعن فيه.
تختلف الروايات فى عدد من انشقوا عن الإمام على، فبعضهم يقول إنهم كانوا ثمانية آلاف، والبعض يقول إنهم كانوا اثنى عشر ألفًا، وتخبرنا رواية ثالثة بأنهم كانوا عشرين ألفًا.. ومهما اختلف العدد، فقد أصبح بين يدى التاريخ الإسلامى من نطلق عليهم الخوارج.
قبل أن يخرج الخوارج من صفوف جيش الإمام على أحدثوا الفتنة بين يديه.
وهنا يمكننا أن نفتح كتاب «البداية والنهاية» لابن كثير.
ينقل ابن كثير عن ابن جرير أن عليًا- رضى الله عنه- ذهب إلى الخوارج، فجعلوا يعرضون للإمام على فى الكلام، ويسمعونه شتمًا ويتأولون تأويلًا فى أقواله.
ويقول الإمام الشافعى: قال رجل من الخوارج لعلى وهو فى الصلاة لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين.
ويقول ابن جرير إن عليًا بينما كان يخطب يومًا، إذ قام إليه رجل من الخوارج، فقال: يا على أشركت فى دين الله الرجال، ولا حكم إلا لله، فتنادوا من كل جانب: لا حكم إلا لله، لا حكم إلا لله، فجعل على يقول: هذه كلمة حق أريد بها باطل.
كان الإمام على يعرف الخوارج جيدًا، وعندما خرجوا إلى «حروراء» وقالوا: لا حكم إلا لله، قال على: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصف ناسًا- إنى لأعرف صفتهم فى هؤلاء الذين يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم- وأشار إلى حلقه- من أبغض خلق الله إليه.
لقد قال الإمام على ذلك عن الخوارج، رغم أنهم كانوا جميعًا يحفظون كتاب الله، وكانوا يعرفون بالقراء.
لم يكتف الخوارج باتهام الإمام على بالكفر، وبأنه ترك حكم كتاب الله إلى حكم الرجال، ولكنهم قرروا الاعتصام ضده، وكان اعتصامهم فى قرية «حروراء» القريبة من الكوفة.
هل تجدون تشابهًا بين ما جرى من الخوارج على الإمام على، وما حدث من جماعة الإخوان الإرهابية فى اعتصام رابعة الإرهابى؟
أعتقد أن التشابه كبير.
فقد احتكمت القوى السياسية التى اجتمعت فى الأمانة العامة بقيادة وزير الدفاع وقتها الفريق أول عبدالفتاح السيسى إلى قرار الشعب الذى خرج يطالب بإسقاط محمد مرسى وحكم الإخوان.
حاولت القوى السياسية أن تجعل من جماعة الإخوان جزءًا من خارطة الطريق، عندما وجهت الدعوة إلى سعد الكتاتنى، رئيس حزب الحرية والعدالة، ليحضر اجتماع ٣ يوليو، لكنه رفض، ورفضت جماعته، وكان قرارها هو الخروج على إجماع الشعب المصرى، الذى اتهمته بالخروج على الإسلام، وذهبت لتعتصم فى ميدان رابعة العدوية وميدان النهضة، وحاولت توسيع الاعتصام ليشمل ميادين أخرى فى محافظات مصر المختلفة.
كيف رأى الإمام على هذا الخروج عليه، وكيف تعامل مع المعتصمين وعددهم بالآلاف؟
رفع المعتصمون فى «حروراء» راية العصيان، لم يكتفوا بتكفير الإمام على فقط؛ لأنه لم يطبق شرع الله فى مسألة التحكيم، ولكنهم ذهبوا إلى أن من معهم هم المسلمون، وكل من يخالفهم أو يعارضهم كافر.
قال الخوارج للإمام على صراحة: لقد حكمت فى دين الله الرجال، والله يقول «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون».
رفض الإمام على ما قاله عنه الخوارج، وقال لمن أبلغه بكلامهم: والله ما كفرت أبدًا منذ أسلمت.
ولأنه الإمام على فقد بدأ مع معتصمى الخوارج بالوساطات السلمية حتى يعودوا عن أفكارهم، وينضموا إليه من جديد.
وفى «سير أعلام النبلاء» للإمام الذهبى أن ابن عباس- رضى الله عنه- قال للإمام على: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة لعلى ألقى هؤلاء، فإنى أخافهم عليك.
تحفّظ الإمام على فى البداية، لكنه وافق ابن عباس بعد ذلك فيما يريده.
ارتدى ابن عباس حلتين من أحسن الحلل، وأتى الخوارج، فلما رأوه قالوا له: مرحبًا بابن عباس، وسألوه عن الحلة التى يرتديها، فقال لهم: وما تنكرون ذلك؟ لقد رأيت على رسول الله حلة من أحسن الحلل، ثم تلا عليهم قول الله: «قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده».
دخل ابن عباس مع الخوارج فى مناظرة أعتقد أنها من أشهر الأدبيات السياسية فى تاريخ الإسلام.
سألوه: ما جاء بك إلينا؟
فقال لهم: جئتكم من عند أمير المؤمنين، ومن عند أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا أرى فيكم أحدًا منهم، ولأبلغنكم ما قالوا، ولأبلغنهم ما تقولون، فما تنقمون من ابن عم رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟
قالوا: ننقم عليه ثلاث خلال: أنه حكم الرجال فى دين الله، وما للرجال ولحكم الله، والثانية أنه قاتل فلم يسبِ ولم يغنم، فإن كان قد حل قتالهم فقد حل سبيهم، وإلا فلا، والثالثة أنه محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير المشركين.
رد ابن عباس على مؤاخذات الخوارج على الإمام على.
قال لهم: أرأيتم إن خرجت لكم من كتاب الله وسنة رسوله أراجعون أنتم؟
فقالوا: وما يمنعنا.
قال ابن عباس: أما قولكم إنه حكم الرجال فى أمر الله، فإنى سمعت أن الله تعالى يقول فى كتابه: «يحكم به ذوا عدل منكم»، وذلك فى صيد أرنب أو نحوه قيمته ربع درهم، فوض الله الحكم فيه إلى الرجال، ولو شاء أن يحكم لحكم، وقال تعالى: «وإن خفتم شقاق بينكم فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها».
وقال: وأما قولكم «قاتل فلم يسب» فإنه قاتل أمكم- يقصد السيدة عائشة فى موقعة الجمل- لأن الله يقول «وأزواجه أمهاتهم»، فإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها أمكم فما حل سباؤها، فأنتم بين ضلالتين.
وقال: وأما قولكم إنه محا اسمه من أمير المؤمنين، فإنى أنبئكم عن ذلك، أما تعلمون أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية جرى الكتاب بينه وبين سهيل بن عمرو، فقال يا على اكتب: وهذا ما قاضى عليه محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال: اللهم إنك تعلم أنى رسولك، ثم أخذ الصحيفة فمحاها بيده، ثم قال: يا على اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله، فوالله ما أخرجه ذلك من النبوة.
وفى كتابه «الفتنة الكبرى.. على وبنوه» يقول طه حسين: رد الخوارج على ابن عباس بقولهم: إن ما نص الله عليه من الأحكام لا تجوز المخالفة عنه، وما أذن للناس فيه فى الرأى جاز لهم أن يجتهدوا فيه برأيهم، ألا ترى إلى أمر الله فى الزانى والسارق وقاتل النفس المؤمنة بغير حقها، فليس للإمام أن يخالف عن هذا الأمر، ولا أن يغير فيه، وأمر الله فى معاوية وأصحابه واضح فى آية الطائفة الباغية، فلم يكن لعلى أن يغيره، وإنما كان الحق عليه أن يمضى فى قتال هؤلاء البغاة حتى يفيئوا إلى أمر الله.
لم يكن الخوارج أهل إيمان، بل كانوا أهل جدل.
كان مع ابن عباس صاحبه «صعصعة بن صوحان»، تحدث مع الخوارج وخوفهم من الفتنة، وهو ما جعل ما يقرب من ألفين منهم يعودون معهم إلى الكوفة.
لم يكتف الإمام على بما فعله ابن عباس، إلا أنه قرر أن يواجه الخوارج بنفسه.
وطبقًا لما قاله طه حسين فإن الإمام على أرسل إليهم أن يندبوا للمناظرة اثنى عشر رجلًا منهم، ويأتى هو فى مثلهم، ثم خرج على حتى أتى فسطاط يزيد بن مالك الأرحبى، وهناك سمع منهم حجتهم، ثم رد عليهم بما تعود أن يقول دائمًا من أنه لم يكره القتال، ولم يدع إلى تركه، وإنما كرهه أصحابه واستكرهوه على وضع الحرب، كما استكرهوه على قبول التحكيم.
وقبل أن ينصرف عنهم الإمام على توجه إليهم بقوله: إن لكم علينا ألا نمنعكم فيئًا ما دامت أيديكم معنا، وألا نمنعكم مساجد الله، وألا نبدأكم بالقتال حتى تبدأونا به.
ورغم ما قاله الإمام على فإنهم استمروا فى اعتصامهم وظلوا على غيهم لم يرجعوا عنه.
لم يفعل الإخوان فى اعتصام رابعة إلا ما فعله الخوارج فى اعتصام «حروراء».
فقد مهدت الدولة الأرض أمام كل الوساطات لإنهاء الاعتصام بطريقة سلمية، وأن يخرج المعتصمون دون أن يتعرض لهم أحد.
طرح كمال الهلباوى القيادى الإخوانى السابق مبادرة لإنهاء الاعتصام، وتحدث مع القيادى الإخوانى محمد على بشر، وقد شهد على هذه المبادرة عدد من الكتاب والصحفيين، وذهب محمد على بشر إلى قيادات الاعتصام، لكنهم رفضوها.
وأرسل القيادى الإخوانى خالد الزعفرانى إلى خيرت الشاطر رسالة فى محبسه، طلب منه فيه أن يأمر الإخوان بفض الاعتصام سلميًا فهو يقدر على ذلك، لكنه رفض وأمر بأن يستكمل الإخوان الاعتصام.
وتدخل على الخط وسطاء من الخارج، مكنتهم الدولة من لقاء قيادات الإخوان، سواء داخل الاعتصام أو فى أماكن احتجازهم، فتدخل وسطاء من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى والإمارات وقطر، لكن لم تستجب الجماعة.
حاول ياسر برهامى أن يتدخل، وأخبر أحد الوسطاء بأن ما تفعله الجماعة يضر ولا ينفع، وقابل ممثلين عن القيادة السياسية، وطور مبادرة كان محمد سليم العوا قد طرحها.
كان العوا يريد أن يفوض مرسى شخصية سياسية بإدارة أمور البلاد حتى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وتم رفضها على أساس أن مرسى الذى يمكن أن يمنح التفويض يمكنه أن يلغيه، فاقترح برهامى أن يستقيل مرسى فى نفس قراره بتفويض شخصية سياسية بإدارة شئون البلاد، لكن هذه المبادرة تم تعطيلها.
وتدخل الشيخ محمد حسان وقابل قيادات فى الجماعة ونقل ما اتفق عليه معهم إلى وزير الدفاع، وانتظرت الدولة رد الإخوان، إلا أن قيادات الجماعة رفضت وهاجمت محمد حسان واتهمته بأنه ينحاز إلى الدولة ضد الجماعة، وطلبوا منه أن ينضم إليهم ويصعد إلى منصة رابعة.
وحاولت حركة تمرد أن تتدخل للحل، واقترحت مبادرة «ميادين بلا أسلحة» يتم من خلالها التفتيش لكل الميادين المؤيدة والمعارضة للرئيس المعزول محمد مرسى على حد سواء للتأكد من وجود أسلحة بداخلها من عدمه، لكن الجماعة رفضت هذه المبادرة، وكان هدف حركة تمرد حقن الدماء المصرية، ومنع أى صدام بين الشباب المصرى.
هذا غير وساطات أخرى كثيرة، لكن الجماعة اعتصمت بإرهابها وقررت أن تستكمل ما بدأته.
صبر الإمام على- رضى الله عنه- على اعتصام الخوارج فى «حروراء» كثيرًا، لكن حدث ما جعله يقرر أن يفض هذا الاعتصام بالقوة، ومواجهة الخوارج مهما كانت النتائج.
فأثناء اعتصام الخوارج مر من أمامهم عبدالله بن خباب بن الأرت ومعه امراته، فقالوا: من أنت؟ فأخبرهم بهويته، فسألوه عن أبى بكر وعمر وعثمان وعلى، فأثنى عليهم كلهم، فذبحوه وقتلوا امرأته، وكانت حبلى فبقروا بطنها.
عندما عرف الإمام على ما حدث لعبدالله بن خباب بن الأرت، أدرك أن الصبر على المعتصمين لن يكون مجديًا، فجهز الجيش وقرر أن يخوض حربًا ضد الخوارج، فكانت موقعة «النهروان».
تحفظ بعض أصحاب الإمام على من قيادات جيشه على فض اعتصام «حروراء» بالقوة، وكانت حجتهم فى ذلك أنهم يرون أمامهم قومًا يكثرون من الصلاة وقيام الليل حتى صارت ركبهم كثفنات الجمل من الركوع والسجود.
لكن الإمام على لم يخضع لما يقوله أصحابه، وقال لهم: والله ما كذبت.. هم الذين أخبرنى رسول الله بهم.
كان الإمام على يشير إلى قول الرسول- صلى الله عليهم وسلم-: يخرج من أمتى قوم يسيئون الأعمال، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم.
وكان يزيد حاضرًا، فقال: يحقر أحدكم عمله من عملهم، يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، فطوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه، كلما طلع منهم قرن قطعه الله عز وجل.
يقول على: ردد ذلك رسول الله عشرين مرة أو أكثر وأنا أسمع.
خرج الإمام على إلى منطقة «النهروان» فى العام ٣٨ هجرية، وعسكر بجيشه غرب النهر، وعسكر الخوارج فى الضفة الشرقية، وأعلن الإمام الأمان لمن يعود إلى الكوفة، أو ينصرف من الخوارج ولا يشارك فى القتال، وقد انصرفت أعداد كبيرة من الخواج، وبقى منهم ألف رجل بقيادة عبدالله بن وهب الراسبى، لم يستمر القتال طويلًا، حيث قتل معظم الخوارج ولم يقتل من أصحاب على إلا نفر قليل.
كان هذا تقريبًا ما حدث فى رابعة.
تم التحذير من أن يتحول الاعتصام إلى بؤرة مسلحة، لكنه أصبح كذلك بالفعل.
بدأ المعتصمون يخرجون فى مسيرات يقصدون بها الشوارع والميادين الرئيسية، قاموا بترويع الناس وإفزاعهم خلالها، واكتملت المأساة عندما أصبح المعتصمون خطرًا على أرواح المواطنين، فطبقًا لتقارير حقوقية عديدة قام المعتصمون بتعذيب وقتل عدد من المواطنين داخل الاعتصام، لمجرد اشتباههم بتأييد الدولة ضد الإخوان.
فعلت الدولة مثلما فعل الإمام على، لم تقترب من الاعتصام إلا بعد أن تحول إلى خطر كامل، بل وتم إعلان المعتصمين بالفض، وقيل لهم أن يخرجوا من الممرات الآمنة، خرج البعض ورفض الآخر، ولم تبدأ قوات الفض بالاشتباك، بل كان ما فعلته ردًا على طلقات الرصاص التى خرجت من الميدان.
لم يقرأ كثيرون ممن شاركوا فى الفض ما جرى من الإمام على، لكننى أعتقد أنهم عندما سيعرفون ذلك سيتأكدون أنهم كانوا يسيرون على الحق، وكان الحق يسير معهم.















0 تعليق