تحل اليوم الذكرى السنوية الثالثة عشرة لفض اعتصام رابعة، الذي كان اعتصاما مسلحا، وكان يراد له أن يتحول إلى دولة موازية، قبل أن يشهد المشهد المصري عقب فضه تصعيدا واسعا في أعمال العنف والإرهاب، استهدفت قوات الشرطة والجيش والاقباط والمنشآت العامة والخاصة.
وتشير دراسة أعدها أحمد كامل البحيري، الباحث المتخصص في شئون الإرهاب بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وصادرة عن المركز منذ سنوات، ونعيد نشرها لأهمية الإحصاءات الواردة بها، إلى أن منطقة الشرق الأوسط شهدت خلال العقدين السابقين أعلى معدلات الهجمات الإرهابية من حيث اتساع رقعة العمليات وتنوعها، وامتلاك التنظيمات الإرهابية أدوات ومعدات متطورة، إلى جانب ظهور تنظيمات إقليمية مسلحة عابرة للحدود، وفي مقدمتها تنظيم «داعش».
ووفقًا للدراسة، أصبحت الأوضاع الأمنية في المنطقة أكثر تعقيدا بسبب شبكة العلاقات بين التنظيمات الإرهابية التي تجاوزت حدود الدول، ولم تعد أهداف العمليات الإرهابية مقتصرة على قوات الأمن، وإنما امتدت إلى المدنيين والمنشآت العامة والخاصة.
في هذا السياق، شهدت مصر خلال السنوات الأربع 2013 و2014 و2015 و2016 موجة عنيفة من العمليات الإرهابية اختلفت في طبيعتها عن نمط الإرهاب الذي ضرب البلاد خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، بما فرض، وفق الدراسة، ضرورة دراسة وفهم مختلف لبنية المليشيات والجماعات المسلحة، وكذلك طبيعة المواجهة المطلوبة معها.
ورصدت الدراسة أبرز أشكال العمليات الإرهابية خلال تلك السنوات، وفي مقدمتها استهداف بنية الدولة ممثلة في شبكات الكهرباء والاتصالات والسكك الحديدية والمواصلات العامة، إلى جانب الاستهداف المتزايد لقوات الأمن، سواء الشرطة أو الجيش، واستهداف رجال القضاء، وارتفاع معدلات العمليات الموجهة ضد الشركات الاقتصادية، خاصة شركات الاتصالات والمطاعم الكبرى، فضلا عن التوسع في استخدام العبوات الناسفة.
وأكدت الدراسة أن هذا التطور عكس تغييرا في تكتيكات التنظيمات الإرهابية، سواء من حيث نوعية الأهداف المستهدفة أو الاستخدام المتزايد للتكنولوجيا في تنفيذ العمليات الإرهابية وعمليات الاستقطاب والإعلان.
1165 عملية إرهابية خلال 3 سنوات
وأشارت الدراسة إلى أن إجمالي العمليات الإرهابية التي شهدتها مصر خلال الفترة من 2014 إلى 2016 بلغ 1165 عملية إرهابية، احتل عام 2015 مقدمة السنوات الثلاث من حيث عدد العمليات.
وشهدت الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2015 ارتفاعا ملحوظا في معدلات العنف المسلح، حيث سجل يناير 124 عملية، ثم انخفض العدد إلى 105 عمليات في فبراير، قبل أن يصل إلى ذروته في مارس بـ125 عملية.
وبدأ منحنى العمليات في الانخفاض تدريجيا منذ أبريل، الذي شهد 72 عملية، ثم 63 عملية في مايو، وصولا إلى 23 عملية فقط في يونيو. وعادت العمليات إلى الارتفاع في يوليو مسجلة 41 عملية، قبل أن تتراجع مجددا إلى 27 عملية في أغسطس، ثم وصلت إلى أدنى مستوياتها في نوفمبر، الذي شهد 5 عمليات فقط، بينما سجل ديسمبر 9 عمليات إرهابية.
وظل منحنى العمليات الإرهابية في اتجاه تنازلي خلال النصف الأول من عام 2016، قبل أن يرتفع مجددا خلال الربع الأخير من العام، الذي شهد 104 عمليات إرهابية خلال أشهر أكتوبر ونوفمبر وديسمبر.
وبلغ إجمالي العمليات الإرهابية خلال عام 2016 نحو 199 عملية، بانخفاض واضح مقارنة بعامي 2014 و2015.
سيناء تتصدر خريطة الإرهاب في الربع الأخير من 2016
وأظهرت الدراسة أن الربع الأخير من عام 2016 شهد تركزا كبيرا للعمليات الإرهابية في شمال سيناء، حيث جاءت المحافظة في المرتبة الأولى بـ92 عملية إرهابية، تلتها القاهرة بـ5 عمليات، فيما شهدت محافظات الغربية وقنا والبحيرة وكفر الشيخ وبني سويف والفيوم والجيزة عملية واحدة لكل منها خلال الفترة نفسها.
وفي خضم هذه الموجة ظهرت تشكيلات مسلحة ارتبطت بأعمال عنف وإرهاب، من بينها «أجناد مصر»، الذي أسسه همام عطية أواخر عام 2013، قبل أن يعلن عن تنظيمه في يناير 2014، وتشير تحريات أمنية إلى تورط التنظيم في 26 عملية إرهابية، استهداف قوات الأمن بميدان النهضة ومحيط جامعة القاهرة، ونقاط وكمائن شرطية، فضلا عن عمليات تفجير أخرى في القاهرة والجيزة، أسفرت عن سقوط قتلى ومصابين من رجال الشرطة والمواطنين.
وبلغت نسبة العمليات الإرهابية في شمال سيناء 88% من إجمالي العمليات خلال الربع الأخير من عام 2016، مقابل 12% لباقي المحافظات التي شهدت عمليات إرهابية.
كما رصدت الدراسة الأدوات المستخدمة في تنفيذ العمليات خلال تلك الفترة، والتي انقسمت إلى خمس فئات رئيسية هي: العبوات الناسفة، وإطلاق النار، والسيارات المفخخة، والقذائف بأنواعها، والتفجيرات الانتحارية.
وجاء إطلاق النار في مقدمة هذه الأدوات بواقع 46 عملية، تلاه استخدام القنابل والعبوات الناسفة بنحو 37 عملية، ثم القذائف بنحو 16 عملية، والسيارات المفخخة بثلاث عمليات، فضلًا عن عملية انتحارية واحدة.
«بيت المقدس» في صدارة التنظيمات
وحسب الدراسة، استحوذ تنظيم «أنصار بيت المقدس» في سيناء على العدد الأكبر من العمليات الإرهابية خلال الربع الأخير من عام 2016، بنسبة بلغت نحو 89% من العمليات الإرهابية، مقابل 11% نفذتها تنظيمات إرهابية عشوائية اقتصرت عملياتها على محافظات الوادي والدلتا.
وأوضحت الدراسة إلى أن منحنى العمليات الإرهابية في مصر شهد انخفاضا عاما خلال 2016، بعد الاتجاه التصاعدي الذي ظهر في بداية الفترة، إلا أن الربع الأخير من العام شهد عودة واضحة للتصعيد.
استهداف الكنائس واغتيال مسئولين
ورصدت الدراسة عددا من التطورات التي طرأت على نمط العمليات الإرهابية، من بينها استحداث نوعيات جديدة من العمليات، بينها استهداف الكنائس من خلال العمليات الانتحارية، وهي ظاهرة لم تكن موجودة، وفق الدراسة، خلال أعوام 2013 و2014 و2015.
كما أشارت إلى تزايد الاعتماد على العبوات الناسفة، باعتبارها أسهل في الزرع، وتمنح منفذيها فرصة أكبر للهرب، فضلًا عن سهولة حملها وتداولها وتصنيعها.
ومن أبرز التطورات التي رصدتها الدراسة أيضا استهداف شخصيات ومسئولين كبار في الدولة، مشيرة إلى اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات، واستهداف العميد عادل رجائي، ومحاولة استهداف النائب العام المساعد ومفتي الجمهورية الأسبق.
واعتبرت الدراسة أن القاهرة وسيناء والجيزة احتلت صدارة المحافظات من حيث أعمال العنف المسلح خلال عامي 2015 و2016، مرجعة تصدر القاهرة إلى كونها العاصمة ذات الكثافة السكانية المرتفعة، فضلا عن كون الجيزة والقاهرة مناطق تجمع للوافدين من مختلف المحافظات، بما يوفر، بحسب الدراسة، قدرة أكبر على التخفي وتنفيذ العمليات.
كما رأت الدراسة أن استهداف العاصمة يحمل رسالة سياسية مفادها قدرة التنظيمات الإرهابية على الوصول إلى عمق الدولة المصرية.
وفي المقابل، سجلت الدراسة انخفاضا في العمليات الإرهابية بشمال سيناء التي نفذها تنظيم «بيت المقدس» مقارنة بعامي 2014 و2015، وربطت ذلك بنجاح العمليات التي نفذتها قوات الجيش، خاصة عمليات «حق الشهيد 1 و2 و3».
وكشفت الأرقام التي أوردتها الدراسة عن حجم التحول الذي شهدته خريطة الإرهاب في مصر خلال تلك السنوات، بعدما اتسعت دائرة الاستهداف من قوات الأمن إلى البنية الأساسية للدولة والمنشآت الاقتصادية والقضائية ودور العبادة، بالتزامن مع تطور أدوات التنفيذ وظهور أنماط جديدة من العمليات الإرهابية.













0 تعليق