"المجرّحة"... لوحة نزفت فشهدت على جراح الزمن

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
"سيدة الغابة العجائبية"، "المجرّحة"، "شفيعة المغتربين"... أكثر من اسم يحمل كل منها حكاية، لكنها جميعًا تصبّ في مكان واحد: كنيسة بين أشجار بيت شباب، باتت عبر القرون عنوانًا لعلاقة روحية لا تنقطع. فهي التي جُرحت صورتها يومًا فحملت اسم الألم، وهي نفسها التي يأتمنها المغتربون على سفرهم فيعودون إليها بالشكر، ويحملون صورتها معهم أينما حلّوا. حولها نُسجت شهادات لا تُحصى عن أزمات عبرها أشخاص، وحالات إنجاب فاجأت حتى الطب نفسه. فمن أين جاءت كل هذه الألقاب؟ ولماذا لا تزال، بعد قرون، تجذب القلوب إليها؟ فهي بالشكل كنيسة، لكنها بالجوهر بيت وملجأ؛ لكل مجروح ومكسور، لكل حزين أو مهموم، لكل مغترب يحنّ إلى جذوره، ولكل من يطرق بابها بحثًا عن استشارة أو معونة أو مجرد كلمة تعزية.

Advertisement


لكن قبل أن تصبح هذا الملجأ الروحي الذي يقصده الجميع، كان لها بداية متواضعة، مرتبطة بالرعاة وبمريم العذراء، قبل أن تتحوّل تدريجًا إلى الكنيسة التي نعرفها اليوم. وللوقوف على تفاصيل هذه الرحلة الطويلة من المزار إلى الكنيسة، كان لا بد من العودة إلى من يعرف خبايا المكان عن قرب؛ إذ يستعيد المونسنيور خليل الحايك نشأة الكنيسة عبر "لبنان24"، موضحاً أنها بدأت كمزار، ويخبر عن هذا الأمر الأب اليسوعي جوزاف غودار في كتابه "La Sainte Vierge au Liban"، ثم جاء بعده الأب هنري جالابير وطوّر الكتاب أيضاً، حيث يذكر أن الرعاة كانوا ينزلون من أعالي الجبال في بداية فصل الشتاء، في شهر تشرين، خوفاً من كثافة الثلوج هناك. ولا يزال من غير المؤكد إن كانت الغابة المحيطة به غابة صنوبر أم سنديان، إذ ما زالت هناك سنديانة أمام الكنيسة يقدّر خبراء زراعيون عمرها بأكثر من 300 سنة، ما يرجّح أنها كانت غابة سنديان.
وحسب الحايك، كان في المكان خان يُستخدم كمبيت للرعاة، إلى جانب ما يشبه الإصطبل أو الحظيرة الكبيرة لإيواء القطعان. ولأن المنطقة كانت غابة، أُطلق عليها اسم "سيدة الغابة". هكذا بدأ المشروع كمزار أسّسه الرعاة، في استمرار للعلاقة التاريخية التي جمعت الرعاة بمريم العذراء منذ بيت لحم، مرورًا بظهورها لبرناديت الراعية في لورد، وللرعاة الثلاثة في فاطيما.
ويتابع الحايك ان المزار تحوّل لاحقًا إلى كنيسة؛ إذ شُيّد البناء الأول عام 1726، فيما اكتمل بناء العقد عام 1773. وكان السقف في البداية من الخشب غير المتين، فأعيد بناء العقد بين عامي 1762 و1773.

 عندما "جُرِّحت" صورة العذراء

غير أن هذه البداية الهادئة لم تشفع للكنيسة من عاصفة سياسية وعسكرية ضربت المنطقة بعد عقود قليلة. فقد تعرّضت الكنيسة حسب الحايك لاعتداء كبير في القرن التاسع عشر، تحديدًا عام 1840. ويعود سبب هذا الاعتداء إلى أن الأمير حيدر أبي اللمع، سيد المنطقة آنذاك ومالك السرايا التي لا تزال قائمة مقابل الكنيسة، كان قد وقّع على وثيقة "عامية أنطلياس"، وهي اتفاق جمع الدروز والنصارى لمواجهة أي تدخل أجنبي. وكان إبراهيم باشا المصري قد دخل البلاد متحالفًا مع الأمير بشير الثاني بذريعة حماية المسيحيين، قبل أن ينقلب على هذا التحالف، فاعتبر اتفاق أنطلياس تحديًا له، ما أشعل الثورة.
توجّه إبراهيم باشا لقمع الثورة وتأديب الأمير حيدر، فهاجم كل المناطق الخاضعة لسلطته. ولم تكن هناك طرقات معبّدة حينذاك، بل طرق "المكارية" التي كانت كنيسة سيدة الغابة تقع على واجهتها مباشرة، فدخلها الغزاة ودمّروها وحطّموا محتوياتها بالكامل. ومن أبرز الأدلة على هذه الواقعة تدوين (كولوفون) على غلاف كتاب "الشحيم" الكبير، يفيد بأن الكنيسة نُهبت ودُمّر كل ما فيها في شهر أيلول من عام 1840.
من هنا عُرفت العذراء بـ"المجرّحة"، لأن صورتها تعرّضت للجرح؛ فقد كانت قد عُرضت عام 1839 على الرسام "كنعان ديب" لترميمها، فرسم لوحة مختلفة كليًا عن الأصل الذي كُشف عنه لاحقًا، ما أدى إلى تضرر الصورة التي نزفت دمًا بحسب التقليد الشعبي.

نذر لميس...خلاص الأمير أبي اللمع وترميم الكنيسة

ولم يكن الدمار المادي وحده ما خلّفه ذلك الاعتداء، بل امتد إلى مصير رجال المنطقة أنفسهم. فعقب الاعتداء، يروي الحايك، أن الأمير حيدر أبي اللمع اقتيد إلى الأسر، بداية مصر ثم السودان، برفقة خمسين شابًا لبنانيًا من المنطقة. وفي تلك الأثناء، اجتمعت زوجته "لميس" مع نساء البلدة اللواتي أُخذ شبابهنّ إلى الأسر، للصلاة في كنيسة سيدة الغابة، ونذرت أنها إن عاد زوجها سالمًا، ستقدّم جزءًا من أملاكها وحُليّها لترميم الكنيسة بالكامل. وهذا ما حصل فعلًا؛ فرُمّمت الكنيسة، أما الصورة فبقيت كما هي، شاهدة على الحادثة، احترامًا لدمائها التي سالت بحسب التقليد الشعبي.

ولم تبقَ حكاية الكنيسة حبيسة الذاكرة الشعبية والوثائق التاريخية فحسب، بل وجدت طريقها أيضًا إلى الأدب. ويُشار في هذا السياق إلى الأديب يوسف حبشي الأشقر، ابن بيت شباب، الذي أورد الكنيسة في كتابه "وجوه من الأرض القديمة"، عبر شخصية "رحمة". ومن بين العجائب التي يذكرها الكتاب حادثة طعن الصورة بالرماح؛ إذ تروي القصة أن امرأة تُدعى "أم يوسف" لامت العذراء على السماح لأحدهم بالاعتداء عليها، فأجابتها العذراء أن الصورة التي جُرحت لم تكن هي ذاتها موجودة في الكنيسة حينها، لأنها كانت في معركة "صنّار" إلى جانب الأمير حيدر (وقد غيّر الكاتب بعض الأسماء في روايته، فأطلق اسم "كفرملات" على بيت شباب). وطلبت العذراء أن يُقرع جرس الكنيسة كل مساء عند الغروب بضع قرعات حزينة، إحياءً لذكرى الشبان الذين سقطوا في تلك المعركة فداءً لأهل الجبل.

شفيعة المغتربين وأرض المعجزات

من رحم هذا التاريخ المثقل بالألم والنذور، ترسّخت سمعة الكنيسة كمكان عجائبي بامتياز. وحسب المونسنيور خليل الحايك، تشتهر سيدة الغابة بكونها عجائبية، وثمة شهادات كثيرة عن حضور مريم العذراء في حياة الناس. وهي معروفة أيضًا كشفيعة للمغتربين؛ إذ يعتاد أهالي بيت شباب والمناطق المجاورة أن يسلّموها مشروع سفرهم قبل الرحيل، ويعودوا إليها بالشكر بعد العودة، فيما تبقى صورتها ترافقهم دومًا في حقائبهم. كما تُروى قصص كثيرة عن أشخاص أُنقذوا من مآزق مختلفة على يدها، إضافة إلى حالات حمل حصلت بعد استخدام الزنّار الذي مُسحت به الصورة، بطريقة تخطّت أحيانًا التوقعات الطبية.

من مزار محلي إلى خريطة السياحة الدينية

وتكريمًا لهذا الإرث الروحي والتاريخي، خطت الكنيسة أخيرًا خطوة رسمية جديدة على طريق الانتشار. ففي آب 2024، أُدرجت كنيسة سيدة الغابة على خريطة السياحة الدينية، تقديرًا لأهميتها التاريخية وكثرة عجائبها، وللوحة الأثرية التي كُشف عنها عام 1997 والتي تعود إلى القرن السابع عشر، إلى جانب الطابع الهادئ والمصلّي الذي يميز المكان. ويقول الحايك في هذا السياق، إن المزار اليوم، يُقصد من مختلف المناطق، فيما يستمر تعريف الناس به لمن لم يسمعوا عنه بعد.
ويشدد الحايك على ضرورة تطوير هذا المزار مستقبلًا تعاونًا مع البلدية والجهات المعنية، من أجل إصلاح الطرقات وتوسيع ساحات الانتظار والوصول، تحسبًا لازدياد أعداد الزوار.

يوبيل الـ250 ومحطات روحية سنوية

وفي مناسبة تلخّص هذه المسيرة الطويلة، احتفلت الكنيسة أخيرًا بيوبيلها الـ250، إحياءً لتاريخ بناء عقدها عام 1773، علمًا أن تاريخها الفعلي ككنيسة يعود حسب الحايك إلى عام 1726، فيما تمتد جذورها كمزار إلى القرن السابع عشر. وتُظهر دفاتر المعمودية والزواج القديمة أن أبناء بيت شباب، كانوا يقصدون سيدة الغابة للعماد والزواج، ما يؤكد أنها كانت منذ البداية مزارًا جامعًا لكل البلدة، لا كنيسة خاصة بعائلة الحايك التي تولّت بناءها.
وأصبح لسيدة الغابة اليوم محطات روحية سنوية عدة تجمع المؤمنين حولها: في 16 أيار، تُقام رتبة تبريك الطيوب والرياحين، تيمّنًا باسم الغابة وموسم أزهارها، في ما يُعرف بعيد سيدة الحصاد. وفي 15 آب، تبدأ أسبوعًا يحتفل في ختامه بتكليل العذراء، وهي الصورة الوحيدة المكلَّلة بين صور العذراء في بيت شباب، ليُقترن هذا العيد أيضًا بالاحتفال بشفاعتها للمغتربين الذين يعودون لزيارتها في الصيف.
 أما في 21 تشرين الثاني، فيُحيا تذكار تأسيس المزار الأول، تزامنًا مع عيد دخول العذراء إلى الهيكل، ارتباطًا بعودة الرعاة من المراعي في ذلك التوقيت من السنة. وهناك أيضًا محطة رابعة غير ثابتة، في 25 آذار، إحياءً لذكرى أول بناء، قد تُقام أحيانًا في شباط بحسب تزامنها مع أسبوع الآلام.

وفي زمن تتوالى فيه على الوطن المحن والأوجاع، يضع "لبنان24" بين أيدي قرائه هذه الصلاة المرفوعة إلى "سيدة الغابة"، راجين أن تبقى حصنًا لهم في أوقات الخوف والشدائد، وأن تمتد حمايتها إلى كل من أبعدته الغربة عن أرض الوطن:

يا سيدة الغابة! يا من شاركت شعبك جراحه في أحداث سنة 1840، فخرقت الحربة لوحتك، ومزقتها الرصاصات، وكأن نبؤة سمعان الشيخ بالسيف الذي سيجوز في نفسك، النبؤة التي تمت بوقوفك أمام صليب ابنك، تكتمل اليوم أمامنا. يا من استجبت طلبات الأسرى والمنفيين، فأطلق سراحهم، ارفعي إلى ابنك يسوع الفادي صلوات المغتربين، والأسرى، والمنفيين، والتائهين في مجاهل غابات العالم. كوني لهم نجمة تهديهم في دروب الغربة، وعزاء في ساعات التعب، وفي أوقات القلق والخوف والخطر! ثبتيهم في الإيمان والرجاء والمحبة، واجعليهم أمناء لجذورهم الروحية، وللغة آبائهم وتراثهم، وللكنيسة التي ولدتهم في الإيمان، فيكونوا رائحة المسيح الطيبة حيثما وجدوا، وخميرة الإنجيل، وملح الأرض، ونور العالم، حيثما حلّوا!

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق