سعد بن عبادة هو «سيد الخزرج»، القبيلة الأكبر والأشهر بالمدينة المنورة، ويُكنّى «أبا ثابت». شهد العقبة الثانية مع سبعين من الأنصار، وكان أحد النقباء الاثنى عشر. تزوج «سعد» مرتين، وأنجب ٧ أولاد وبنات، أشهرهم قيس بن سعد الذى انضم إلى على بن أبى طالب فى صراعه مع معاوية بن أبى سفيان.
كان «سعد» شديد الاعتزاز بنفسه وبقيمته وكيانه، عظيم الحرص على صورته بين الناس، تلك الصورة التى استمدت بريقها من مجموعة الخصال التى ميزت شخصيته. وأولى هذه الخصال ما تمتع به من مهارات، أولاها إجادة الكتابة بالعربية، وهى مهارة كانت نادرة بين العرب فى الجاهلية والإسلام، وثانيتها إجادة الرمى، وثالثتها القدرة على السباحة، وكان العرب يطلقون وصف «الكامل» على من تتوافر فيه هذه المهارات الثلاث. الخصلة الثانية هى الكرم الشديد، فقد كان «سعد» يقف أعلى داره وينادى فى الناس: مَن أحب الشحم واللحم فليأتِ، وهى عادة ورثها عن آبائه، وأورثها لأبنائه، ويذكر «ابن سعد» فى طبقاته: «كان سعد لما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبعث إليه كل يوم جفنة فيها ثريد بلحم أو ثريد بلبن أو ثريد بخل وزيت أو بسمن وأكثر ذلك اللحم، فكانت جفنة سعد تدور مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فى بيوت أزواجه»، والجفنة هى الوعاء الكبير.
ولو أنك تأملت هذا الدعاء الذى كان «سعد» يدعوه، فستدرك حالة الولع الكبير بالبذل والعطاء للآخرين، كان الأنصارى الطيب يمد يده إلى السماء ويدعو: «اللهم هب لى حمدًا، وهب لى مجدًا، لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم لا يصلحنى القليل ولا أصلح عليه».
شهد «سعد» المشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عدا غزوة بدر، فقد غاب عنها بسبب لدغة لُدغها أمرضته وأقعدته عن الخروج، وعاش مخلصًا للإسلام ونبى الإسلام، حتى صعدت روحه الشريفة إلى الله.
كان «سعد» أسرع الصحابة تحركًا بعد وفاة النبى، فجمع، فى سقيفة «بنى ساعدة»، أهله من الخزرج، وكانت له سيادة أدبية كبيرة عليهم، فبايعوه كخليفة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعندما علم المهاجرون بذلك أسرعوا إلى السقيفة، وعلى رأسهم أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب، رضى الله عنهما، وحدث ما تعلمه من نقاش وجدال، فقد كان «سعد» وعدد من كبار رجال الأنصار يريدون أن يكون الخليفة منهم، أو فى أقل تقدير أن يكونوا شركاء للمهاجرين فى الحكم، بحيث يكون منهم أمير ومن الأنصار أمير، وهو ما أباه المهاجرون، خوفًا من التنازع، وانتهى الأمر- كما تعلم- بأن بادر عمر بن الخطاب إلى أبى بكر الصديق يبايعه بالخلافة، ومن بعده بايع الناس.
خلال هذه الأحداث والتفاعلات كان سعد بن عبادة يرقد فى جانب من السقيفة، يلبس ثيابًا ثقيلة لفّ جسده بها، بسبب وعكة ووجع أصابه، حاول الرجل بكل الطرق أن يكون للأنصار نصيب فى الحكم، لكن إصرار المهاجرين على أن يكون الخليفة من قريش، وانحياز كثير من «الأوس» إلى هذا الرأى، خوفًا من أن يذهب الأمر إلى «سعد» سيد الخزرج، حال دون ذلك. غضب «سعد» من المهاجرين غضبًا شديدًا بعد هذه الواقعة، وعبّر عن غضبه هذا برفض قاطع لمبايعة أبى بكر الصديق بالخلافة، وقد بعث إليه أبوبكر أن أَقبل فبايع، فقد بايع الناس وبايع قومك، فرد عليه سعد: لا والله لا أبايع حتى أراميكم بما فى كنانتى وأقاتلكم بمن تبعنى من قومى وعشيرتى.
جاء رد «سعد» قاسيًا وحاسمًا. واحتار «أبوبكر»، واستشار بشير بن سعد فى أمره، فقال له، كما جاء فى «طبقات ابن سعد»: «يا خليفة رسول الله إنه قد أبى ولَجّ وليس بمبايعكم أو يقتل، ولن يقتل حتى يقتل معه ولده وعشيرته، ولن يقتلوا حتى تقتل الخزرج، ولن تقتل الخزرج حتى تقتل الأوس، فلا تحركوه فقد استقام لكم الأمر، فإنه ليس بضاركم إنما هو رجل وحده ما تُرِك».. كان «أبوبكر»، رضى الله عنه، من الحكمة بحيث قبل نصيحة «بشير» فترك «سعدًا». وطيلة حكم أبى بكر لم يفكر «سعد» مطلقًا فى التراجع والمبايعة، وبعد أن مات الخليفة الأول وتولى عمر بن الخطاب رفض مبايعته أيضًا، وقد لقيه ذات يوم فى طريق المدينة فقال: إيه يا سعد؟ فقال سعد: إيه يا عمر؟ فقال عمر: أنت صاحب ما أنت صاحبه؟ فقال سعد: نعم.. أنا ذاك وقد أفضى إليك هذا الأمر وكان والله صاحبك أحب إلينا منك، وقد والله أصبحت كارهًا لجوارك، فقال عمر: إنه من كره جوار جاره تحول عنه، فقال سعد: أنا متحول إلى جوار مَن هو خير منك، فلم يلبث إلا قليلًا حتى خرج مهاجرًا إلى الشام فى أول خلافة عمر بن الخطاب.
نزل سعد بن عبادة بمنطقة حوران «جنوب سوريا» وعاش فيها سنتين ونصف السنة ثم وافته المنية فمات سنة ١٥ هجرية على الأرجح، وقد اقترنت بواقعة وفاته أسطورة عجيبة تقول إن الجن هم الذين قتلوه. يحكى «ابن الجوزى»، صاحب كتاب «صفة الصفوة»، أنه ما علم أهل المدينة المنورة بموته حتى سمع مجموعة من الغلمان، كانوا يلعبون قريبًا من بئر، قائلًا يقول من البئر: «قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة.. ورميناه بسهمين فلم نُخْطِ فؤاده»، فذعر الغلمان، فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذى مات فيه سعد. وواقع الحال أن هذا الكلام مجافٍ للواقع وللحقيقة تمامًا، فقد مات سعد بن عبادة، كما يموت كل حى، وليس من المستبعد أن تكون هذه الحكاية قد صِيغت لمجرد تشويهه، بسبب رفضه بيعة أبى بكر الصديق ومن بعده عمر بن الخطاب بالخلافة.





