الأربعاء 26/أغسطس/2026 - 01:07 م 8/26/2026 1:07:03 PM
لا تحتفل مصر بمولد النبي (صلى الله عليه وسلم) كما يحتفل الآخرون، إنما تنعكس خصوصيتها في احتفالها الجميل الصاخب الممتد أكثر مما تنعكس خصوصيات الآخرين في احتفالاتهم بالمناسبة الكريمة نفسها، وفي الحقيقة هي تحتفل بالنبي في كل ظرف وساعة حتى إن البائع يقول للمشتري الذي يسأله عن السعر: صل على النبي... أبيع بكذا! ويحلم المصريون، لا سيما كبار السن، بزيارة المقام الشريف في المدينة المنورة فوق ما يحلمون بأي شيء آخر، يجدون مثلها الختام الأمثل لمشاوير الحياة المتعبة، وكم تفيض عيونهم بالدموع إذا مر ذكر النبي بأسماعهم...
قال لي سائح أجنبي قابلته في الأقصر، وسألته عن أهم ما شاهده في وطننا العزيز: "كثيرة جدا هي الأشياء التي تقال، من عظمة الإنسان إلى عظمة الأثر، ولكن الناس في مصر يصلون على النبي محمد أكثر مما يتكلمون ومما يسكتون!".
محبة النبي نزيهة ووافرة في بلادنا من أقصاها إلى أدناها، والأهم أنها بسيطة، لا تعقيد فيها على الإطلاق، نحب جوهر النبي، ونتعلق به ونلوذ بمدده، ولا نتقاتل على استدعاء الجانب الشكلي لحضرته كما يفعل المتشددون الذين اكتفوا باللحية والسواك والجلباب المستور قصره ببنطال لا يشبه صورتنا من الأصل، فهؤلاء شكلانيون فعلا، توهموا أن الظهور بالمظهر الذي حددته الكتب القديمة للنبي هو حقيقته، وليس بحقيقة مهما كان صحيحا، إنما هو قالب الزمن الذي عاش فيه، وليتهم اتبعوا سنته في البر والإحسان والمروءة والمعروف والشجاعة... لكن قتلوا الناس وفرقوا بين الإخوة وأساؤوا إلى مخالفيهم في الدين وفي المنطق، والأدهي أنهم سبوا نيل بلادهم وأهرامها في بلاد غريبة هربوا إليها بأفكارهم البائسة المنفرة.
تراث مصر الفني غني باحترام النبي وإكباره، والثناء عليه، والشوارع والميادين، من قبل المولد وفي أثنائه ومن بعده، مزدانه بعرائس المولد البيضاء والحمراء وبأحصنته ودباباته ومدافعه، تلك المصنوعة من السكر فيأكلها الناس، لا سيما الأطفال، متلذذين، أو من خامات كالبلاستيك فيستخدمونها لتجميل أركان البيوت، ومزدانة أيضا بالأغاني الدينية الملهمة، وبالمدائح العبقرية نفاذة الكلمات، وأما
القرآن فصوت طهور يفرش الأرض خيرا وبركة، ويتجلى في السماء شموسا وأقمارا تتوارى من تجليات بهائها الشموس والأقمار...
يأتي بعض العرب من بلادهم إلينا خصيصا ليحتفلوا بمولد النبي عندنا، ولا أنسى صديقا خليجيا قال لي في إحدى المرات: "لا أرى حفاوة بالنبي تماثل حفاوتكم الغامرة به، أنتم شعب نبوي بامتياز يا صديقي، هنيئا لكم!".
بقي أن نتحلى بصفات النبي تحليا يوافق ولعنا الشديد برتبته الأسمى، هذاك ما نحتاج إليه، بقوة، في زمن السقوط المؤسف للأخلاق القويمة، علينا أن نكون صادقين وأمناء، بالمعنى الشمولي للصفتين الجليلتين، لأنه هو الصادق الأمين، وعلينا أن نتمسك بمصريتنا كما تمسك هو بمكته المكرمة "والله إنك أحب بقاع الأرض إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت!". اللهم صل على مولانا النبي إلى أبد الآبدين. آمين
















0 تعليق