لا أعرف لماذا أشعر أحيانًا أننا لم نعد نعيش الحياة... بل نقضيها.
نستيقظ في الموعد نفسه، نسلك الطريق نفسه، نجلس على المكتب نفسه، نردد الكلمات نفسها، ثم نعود إلى البيت لنشكو من اليوم الذي يشبه الأمس، ونستيقظ غدًا لنكرر المشهد نفسه، حتى أصبح العمر عند كثيرين مجرد وقت يمر... لا مشروع يُبنى، ولا حلم يُطارد، ولا رسالة تُؤدى.
وكأننا لم نعد ننتظر الحياة... بل ننتظر أن تنتهي.
والأغرب من ذلك، أن كثيرًا منا لا يملك حتى خطة للغد، لكنه يتحدث بثقة عن مستقبل وطن بأكمله.
صرنا نعيش على ردود الأفعال، لا على صناعة الأفعال.
ولعل المقاهي أصبحت مرآة لهذه الحالة، ليست المشكلة في المقهى نفسه، فهو مكان كأي مكان، لكن المشكلة حين يتحول إلى محطة بين كل محطتين في الحياة.... قبل العمل... وفي أثناء العمل... وبعد العمل... وفي المساء... وكأن اليوم لا يكتمل إلا بساعات طويلة من الحديث عن كل شيء، إلا الشيء الوحيد الذي يمكن أن يغير الواقع... أقصد هنا.. العمل.
نتحدث عن الاقتصاد، ولا ننتج... نتحدث عن التعليم، ولا نقرأ، ونتحدث عن الرياضة، ولم نتقنها، ونتحدث عن النجاح، ولم ندفع ثمنه، وربما اعتدنا على النتائج دون أن نصنع أسبابها.
ولهذا أقول: نحن أمة أدمنت انتظار المعجزات!
نريد نهضة بلا تعب، وعلمًا بلا بحث، ورياضة بلا إعداد، واقتصادًا بلا إنتاج. ومجدًا بلا تضحيات، وننتظر أن تهبط المعجزة من السماء، بينما قوانين الله في الأرض تقول إن الثمار لا تخرج إلا من بذور، وإن الحصاد لا يأتي إلا بعد موسم طويل من الزراعة والصبر.
كل الحضارات التي نقرأ عنها اليوم كانت، في زمانها، مشروعًا شاقًا لا معجزة مفاجئة.
اليابان لم تستيقظ بعد الحرب العالمية الثانية لتجد نفسها قوة صناعية، وإنما بنت الإنسان أولًا، ثم بنى الإنسان الدولة، ولم يكن المخترعون والعلماء والرواد ينتظرون لحظة سحرية تغير حياتهم، بل كانوا يكررون المحاولة بعد الأخرى، حتى بدا نجاحهم للناس وكأنه معجزة، بينما كان في حقيقته نتيجة طبيعية لسنوات من الإصرار.
المعجزة، في نظر المتفرج، حدث مفاجئ. أما في نظر صانعها، فهي سنوات من التعب لا يراها أحد، ولذلك، عندما يقترب المصريون من إنجاز استثنائي، تظهر دائمًا أصوات لا تستطيع أن تصدقه... لا لأنها تملك دليلًا على استحالته، ولكن لأنها اعتادت أن ترى الفشل أقرب من النجاح.
فإذا اقترب منتخب مصر من كتابة صفحة جديدة في كأس العالم، خرج من يقول: حتى لو فاز، فلن أقتنع، وآخر يترك الملعب كله، لينشغل بتفصيلات جانبية، وثالث يبحث عن أي سبب ينزع به الفرحة من قلوب الناس.
هذه ليست أزمة كرة قدم... إنها أزمة عقل تعود أن ينتظر المعجزات، حتى إذا بدأت تُصنع أمامه، أنكرها... عقل يرى كل نجاح مؤامرة، وكل إنجاز صدفة، وكل محاولة جادة مبالغة في التفاؤل.
وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب أي أمة، لأن الأمم لا تموت حين تخسر مباراة، بل تموت حين تفقد إيمانها بأنها قادرة على الفوز، ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لما يقدمه منتخب مصر اليوم ليست هدفًا يسكن الشباك، ولا فوزًا يكتبه التاريخ، ولا أداءً جميلًا يصفق له الجمهور... القيمة الحقيقية أنه يعيد إلينا فكرة كدنا نفقدها... أن المصري يستطيع، وأن الاجتهاد ليس كلامًا في كتب التنمية البشرية، بل طريقًا حقيقيًا إلى الإنجاز، وأن الإرادة ليست شعارًا نردده في المناسبات، وإنما قوة تصنع واقعًا جديدًا.
ربما ينتهي كأس العالم بالنسبة لنا في المباراة القادمة، وربما لا نحقق أكثر مما حققناه، فالرياضة تحتمل الفوز والخسارة، لكن إذا خرج ملايين المصريين من هذه التجربة وهم أكثر إيمانًا بأن العمل يصنع الفارق، وأن المستحيل ليس قدرًا، وأن النجاح ليس حكرًا على أحد، فقد تحقق أعظم انتصار.
فالشعوب لا تتغير بخطبة، ولا بقرار، ولا بمنشور على مواقع التواصل... إنما تتغير حين ترى نموذجًا حيًا يقول لها: "لقد كان الأمر صعبًا... لكنه كان ممكنًا."
وأعتقد أن هذا هو أعظم ما يمكن أن يقدمه منتخب مصر اليوم... ليس كأسًا يُرفع... بل أملًا يُزرع، فالمعجزات لا تنتظرها الأمم الحية... لكنها تصنعها لتثبت أنها حية.
أما لماذا أدمنَّا انتظار المعجزات، ولم نعد نصنعها؟
لأن صُنَّاعها الحقيقيين لا يجدون طريقهم إلى الضوء... العقول النادرة، وأصحاب الرؤى التحويلية القادرة على تغيير مصائر الأمم، لا يبحث عنهم أحد، ولا يناقشهم أحد، ولا تُفتح لهم الأبواب ليعرضوا أفكارهم، ومنذ خمسينيات القرن الماضي، لم تنجح الدولة المصرية، في معظم مراحلها، في بناء منظومة حقيقية لاكتشاف المبدعين وصناعة المفكرين والاستفادة منهم، بقدر ما اعتادت الاحتفاء بهم بعد أن يعترف بهم العالم، أو يسبقنا الآخرون إلى تكريمهم، كأننا لا نثق في كنوزنا إلا إذا جاءت إلينا مختومة بختم الخارج.
وفي بلادنا قد تجد صاحب فكرة أصيلة لا يعرفه أحد، بينما تتصدر الشاشات وجوه صنعت شهرتها بالضجيج لا بالعلم، وبالادعاء لا بالإنجاز، وقد يصبح صاحب الصوت الأعلى أكثر حضورًا من صاحب العقل الأعمق، وصاحب العلاقات أكثر نفوذًا من صاحب الكفاءة، وصاحب العناوين الرنانة أكثر تأثيرًا من صاحب السيرة الحقيقية، وهكذا تختلط المعايير، حتى يصبح من الطبيعي أن يتراجع العلماء والمفكرين أمام المشاهير، وأن يتوارى الباحثون خلف صناع الجدل، وأن يهاجر أصحاب العقول لأنهم لم يجدوا من يصغي إليهم.
وهذا لا يحدث في العلم وحده، بل يحدث في البحث العلمي، وفي الاقتصاد، وفي الصناعة، وفي الثقافة، وفي الإعلام، وفي الإدارة، وفي الجامعات، وفي الرياضة أيضًا، وكم من مشروع وُئِد لأنه لم يجد مسؤولًا يؤمن به؟ وكم من باحث أغلق درج مكتبه على فكرة كان يمكن أن تصبح صناعة؟ وكم من مخترع غادر وطنه لأن وطنًا آخر أدرك قيمته قبلنا؟ وكم من شاب يملك رؤية حقيقية، فانهزم أمام من يملك واسطة أو شهرة أو قدرة على التسويق لنفسه؟
الأمم لا تصنع المعجزات لأنها تملك عباقرة أكثر من غيرها، وإنما لأنها تعرف كيف تعثر على عباقرتها، وكيف تمنحهم الثقة، وكيف تحمي أفكارهم من الضجيج، وتمنحهم فرصة أن يحولوا الحلم إلى واقع.
أما نحن، فما زلنا ننتظر المعجزة... بينما نجلس فوق أصحابها... نُقصيهم، ونتجاهلهم، لا نمنحهم منصة، ولا نصغي إلى أفكارهم، ولا نؤمن برؤاهم، ونكتم أنفاسهم، حتى يموت كثير منهم كمدًا، ويدفنون أحياء حاملين معهم أفكارًا كان يمكن أن تغيّر وجه هذا الوطن، لو وجدت من يسمعها قبل أن يطويها النسيان، وتموت معهم أحلام كان يمكن أن تتحول إلى مصانع، واكتشافات، وسياسات، وإنجازات، وتبقى الأمة بعد ذلك تتساءل: لماذا تأخرنا؟ وتنتظر حدوث المعجزات لأنها فشلت في صناعة أسبابها.














0 تعليق