في زمن لم تعد فيه المواجهات تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل اتسعت ساحاتها لتشمل الفكر والهوية والثقافة حيث أصبحت الصراعات الحديثة أكثر تعقيدًا وهدوءًا في ظاهرها، لكنها أعمق أثرًا وأكثر حساسية في جوهرها، الأمر الذي تجد مصر نفسها أمام نمط جديد من الصراع الناعم الذي يستهدف إعادة صياغة الوعي بتاريخها الفرعوني ومحاولة تقديم قراءات مختلفة ومثيرة للجدل حول ماضيها الحضاري.
وفي قلب هذا الجدل يبرز تيار يُعرف باسم الأفروسنتريك، الذي يتبنّى سرديات تزعم بنسب الحضارة المصرية القديمة لأصول غير مصرية، في مقابل الرواية العلمية والتاريخية المعتمدة لدى علماء المصريات ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول حدود التفسير التاريخي، ومن يملك حق تقديمه والفصل بين البحث الأكاديمي القائم على الأدلة الأثرية، وبين الطرح الأيديولوجي أو الثقافي للتاريخ.
جهل بفيزياء التحنيط.. كبير الأثريين يكشف سر "البشرة الداكنة" للمومياوات والتماثيل
في السياق، قال د.مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار إن ما تشهده الساحة حاليًا من تحركات تيار "الأفروسنتريك" لم يعد مجرد أحداث فردية عابرة، بل هجمة فكرية ممنهجة تتطلب يقظة وتكاتفًا وطنيًا شاملًا لحماية الهوية التاريخية.
وتابع أن هذا التيار يعتمد استراتيجية الحروب الثقافية القائمة على محاولة طمس الهوية التاريخية بادعاء المظلومية، حيث بدأت هذه الحركة تتبلور منذ ثمانينيات القرن الماضي بأطروحات السنغالي شيخ أنتا ديوب في السوربون لربط الحضارة المصرية بوسط وجنوب إفريقيا، قبل أن يتلقفها الشتات الإفريقي في أمريكا وأوروبا بدعم من بعض الدوائر المركزية الغربية بعد تحرير العبيد، سعيًا وراء إيجاد جذور حضارية، ومفسّرين مصطلح "كيمت" بجهل مطبق على أنه يعني "مصر السوداء" في حين أنه يشير علميًا إلى تربة وادي النيل الطمية الخصبة.
أضاف أن الحقيقة الأثرية تدحض هذه الأكاذيب، فلو كان هؤلاء هم بناة الحضارة حقًا فلماذا لم يتركوا خلفهم أهرامات أو لغة مكتوبة في موطنهم الأصلي بجنوب الصحراء؟ موضحًا أن أدلتهم واهية وتتحطم أمام دراسات الأنثروبولوجيا الفيزيائية للمومياوات، حيث أثبتت الفحوصات الطبية والتحاليل الجينية أن السمات التشريحية للمصري القديم "كتركيب الجمجمة وطبيعة الشعر المتموج" تقع ضمن نطاق حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا، وتختلف بنيويًا عن السمات التشريحية المميزة لسكان إفريقيا جنوب الصحراء، مما ينفي أي رابط سلالي مباشر يدعم ادعاءاتهم.
أما عن استنادهم للون الداكن للمومياوات أوضح أنه جهل بفيزياء التحنيط، لأن هذا السواد ناتج عن تفاعل مادة القار المستخدمة في حفظ الجثث، كما أن تلوين تمثال المعبود أوزير بالأسود أو الأخضر هو رمز عقائدي بحت يرتبط بخصوبة الأرض والزراعة والبعث ولا علاقة له بالعرق البشري".
وحذر كبير الأثريين من خطورة تغلغل هذا الفكر تدريجيًا داخل بعض التجمعات الفكرية المغلقة، تكرارًا لآليات التسلل التاريخي القديم، مستهدفين التأثير على الأجيال القادمة وتشويه التاريخ بالدراما والأفلام الغربية الموجهة.
كما طالب شاكر بتبني إستراتيجية مواجهة وطنية حاسمة ترتكز على 4 محاور أولها الردع الميداني والإجرائي من خلال فرض رقابة أثرية صارمة على مضامين الشروح التي تقدمها الوفود، ونشر شبكات كاميرات مراقبة متطورة بصوت وصورة في جميع المتاحف والمواقع الأثرية لملاحقة صناع المحتوى الموجه ومنعهم من تزييف الرواية من قلب المعالم، وكذلك ضرورة المواجهة المعرفية والتعليمية عن طريق إحداث ثورة في المناهج التعليمية وقصور الثقافة للتوعية بالهوية الوطنية، والابتعاد تمامًا عن استضافة غير المتخصصين في وسائل الإعلام، بالإضافة إلى تصفية المراجع عن طريق مراجعة وفلترة مراجع علم المصريات في المكتبات الدولية لاستبعاد الأطروحات الاستشراقية الموجهة والاعتماد فقط على الأبحاث الأكاديمية الموثقة.
كما دعا شاكر إلى تفعيل القوة الناعمة من خلال إنتاج أعمال سينمائية ووثائقية تاريخية بمواصفات عالمية تليق بقادة عظام كأحمس وتحتمس الثالث وحتشبسوت، وإحياء المشاريع الفنية القومية الكبرى -مثل مشروع المخرج الراحل شادي عبد السلام عن أخناتون- للرد على الروايات البديلة بذات أدواتها الفنية والاتصالية الحديثة.















0 تعليق