قارئ الجثث والزبابة الزرقاء

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كان الفجر ينساب بهدوء، كما لو كان شيخًا جليلًا يطوي بيديه رداء الليل الثقيل، إيذانًا بميلاد يوم جديد، الهواء البارد كان يلف القرية الغارقة في سبات عميق، والسكون المهيب لم تنغصه سوى أصوات متفرقة هنا وهناك، نباح كلب بعيد أو حفيف أوراق شجرة تداعبها نسمة شتوية قادمة من قلب الحقول.

 

في هذا الصباح الشتوي البارد، نهض الفلاح العجوز من نومه قبل أن تُشرق شمس النهار، كما اعتاد على ذلك طوال سنوات عمره الطويلة، فتح عينيه ببطء وأمضى لحظات يحاول فيها مقاومة نداء الدفء الذي وفره له فراشه الوثير وغطاؤه الصوفي المتقن، والذي نسجته زوجته بحب منذ زمن بعيد، كان جسده المتعب يتوسل لمزيد من الراحة، وربما بضع دقائق إضافية من النوم، لكن الأرض لا تحتمل الانتظار، والماء الذي يروي الحقل له موعدٌ لا يمكن تفويته، والزراعة لا تعترف بالتكاسل، ولا ترحم من يتخاذل عنها.

 

أطلق الرجل زفرة حارة، ثم أزاح الغطاء ببطء لينهض بخطوات مثقلة نحو الحياة، غسل وجهه بالماء البارد الذي أيقظ بعض النشاط في جسده المرهق، بينما في الغرفة المجاورة كانت زوجته قد سبقته إلى الاستيقاظ، كانت منهمكة في إشعال موقد الحطب الصغير، تتأمل النار التي تنبعث منها خيوط دخان أبيض يمتزج برائحة الخبز الطازج والمشروب الساخن، لم تكن هناك احاجة للكلمات الكثيرة بينهما، فقد علمتهم السنين أن أصدق أشكال الحب تعيش في تفاصيل الحياة الصغيرة التي تمر بصمت.

 

وضعت الزوجة طعام الإفطار البسيط على الطاولة، خبزًا دافئًا، قطعة من الجبن المخزن بعناية، وبعض الزيتون الذي جمعوه بأيديهم، قدمت له كوبًا من المشروب الساخن بابتسامة مطمئنة وقالت بصوت هادئ: "كُل جيدًا... الطريق أمامك طويل، أسأل الله أن يبارك لك في يومك، ويجعل رزقك واسعًا، وتعود إلينا سالمًا"، قابلها العجوز بابتسامة لا تقل دفًا، ثم انحنى قليلًا فوق طاولة الطعام ليبدأ بالإفطار بصمت الواثق الذي يدرك أنه علي وشك مواصلة معركته الأبدية مع الأرض والحياة.

 

ما إن فرغ الرجل من تناول طعامه حتى ارتدى جلبابه الصوفي ووضع عمامته بعناية على رأسه، ثم خطى نحو الحظيرة الصغيرة الملاصقة لمنزله الطيني، عند دخوله، استقبله حماره بنهيق خافت بدا وكأنه ترحيب حميم ببداية يوم جديد، اقترب الرجل من الحمار، وبتأنٍ ربت على عنقه، مبتسمًا بحنان، وبصوت هادئ ممتزج بألفة السنين قال: "صباح الخير يا رفيقي... أمامنا يومٌ حافل في الحقل"، وقف يلاعبه قليلًا، يمرر كفه على رأسه  كما لو كان يمسح على رأس أحد أبنائه، لم يكن الحمار مجرد دابة يتكئ عليها في قسوة الطريق، بل كان رفيق عمر عاش معه مواسم الزراعة والحصاد، وشاكر معه حرارة الصيف وبرد الشتاء القارس.

 

حل الفلاح العجوز فأسه ومنجله، وقاد حماره برفق إلي الخارج، كانا يسيران جنبًا إلي جنب جنب تحت خيوط الفجر الألى، بينما ظلت زوجته واقفة عند عتبة الباب ترقبهما بعين مليئة بالمحبة والدعاء، تهمس بصوت خافت بالكلمات التي صارت جزءًا من طقوسها اليومية، تلك الأدعية التي حفظتها عن ظهر قلب: "ليكن يومك مليئًا بالخير، ويمن عليك برزق وفير وخطوات مباركة، عدْ إلينا سالمًا مساءً محملًا براحتك وسكينتك المعتادة".

 

كانت القرية لا تزال غارقة في سكون الليل الأخير، تغطيها ظلال داكنة تتخللها خيوط ضوء شحيحة تتسرب من أحداق النوافذ، فوق هذه الهدأة الليلية كانت السماء صافية، مبهجة بزينة النجوم التي بدت مثل مصابيح صغيرة متناثرة تراقب الارض بحنو، ومع تنفس الصبح، بدت العصافير تزقزق بهدوء، مُعلنة عن ولادة فجر جديد، فيما زحف الضباب الأبيض كوشاح من حرير رقيق يغطي التُرع والقنوات المائية، ارتسمت لوحة طبيعية مدهشة مع الأشجار التي بدت كالظلال الغامضة وسط الحقول الممتدة، تغمر المكان رهبة وسكينة يتخللها عبق الطبيعة التي تستعد لبداية جديدة.

 

كان منزل العجوز يجاور حافة القرية، حيث ارتكز على ضفة قناة مائية ضيقة، تسري كأنها شريان نابض وسط الأراضي الزراعية، تقدم العجوز بخطى متمهلة على الطريق الطيني المتشكل تحت وطأة أمطار الليل الطويلة، وحماره يتبعه بخنوع، وكل خطوة لهما غاصت في الوحل الرطب، مطلقة أصواتًا مكتومة مع كل حركة لهما.

 

بين الفينة والأخرى كان العجوز يرتل لحنًا قديمًا طالما داعب روحه، يصاحبه صفير خافت ينسجم مع همسات الرياح وألحان الطبيعة الساكنة من حوله، ربما كان يغني ليؤنس وحدته أو ليبدد رهبة السير في ذلك الوقت الذي لا يزال يتمسك بآخر أنفاسه، التفت إلى رفيق دربة وهو يبتسم بود وقال: "لا تقلق يا رفيقي المخلص، اقتربنا من الحقل، وبمجرد عبور الجسر سنكون بالقرب من حقلنا، وننطلق في يوم جديد من العمل".

 

بلغ الرجل وحماره الجسر الخشبي المتهالك، وقد برزت علية مظاهر الشيخوخة، يرويها تعب الزمن وندوب الأيام، بدأ العجوز يعبره بحذر بالغ، متفحصًا كل لوح خشبي تحت أقدامه الثقيلة، الحمار من خلفه كان يقلده بتردد واضح، صرير الألواح تحت الأقدام كان خافتًا لكنه مليئ بشحنة من القلق المكتوم، خالجت العجوز مخاوف الانهيار وهو يتخيل الجسر ينهار فجأة، إلى أن تمكنا أخيرًا من عبوره بسلام، ثم توجها نحو الكوخ الصغير القابع على حافة أرضه الزراعية.

 

لم يتأخر الرجل في ربط الحمار تحت ظلال شجرة جميز عجوزة، ووضع ما حمله معه من طعام وإبريق الشاي داخل الكوخ، لم ينتظر طويلًا، التقط فأسه بيد مثقلة بالخبرة والعزيمة، وقال: "ابق هنا يا رفيقي، سأذهب لتشغيل طلمبة المياه ونبدأ بسقي الحقل"، انطلق في خطواته الأولى متجاهلًا إرهاق جسده المنهك، لكنه سرعان ما توقف بغتة، وكأن ذاكرته أيقظت فكرة مطمورة، ضرب جبينه بكفه في أسى وهمس لنفسه بنبرة لائمة: "أوه! كيف غفلت عن هذا؟ يجب أولًا إغلاق السدود قبل أن تهدر مياة الري وتغرق حقل جاري المسكين".

 

على الفور، أسرع الفلاح العجوز بحزم، وقبض على فأسه في جدية واضحة بينما شرع بإغلاق السدود المصنوعة من الطين واحدًا تلو الآخر، ببراعة يكشف عنها تمرس سنين طويلة، بذل جهدًا مخلصًا ليضمن انسياب الماء نحو حقله دون أن يجتاح حدود جاره المسكين، عمل بصمت يكلله التفاني والحرص، مدركًا أن التعايش الحقيقي هو حماية الآخر كما تحمي نفسك، حتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.

 

كان الفلاح العجوز منهمكًا في عمله، لا يسمع سوى وقع خطواته، ولا يرى إلا الطين والماء أمامه، وفجأة، وبدون سابق إنذار، تعثرت قدمه بجسم غريب على الأرض، فقد توازنه بشدة وسقط علي وجهه، بينما انزلقت الفأس من يده وكادت ترتد إلى رأسه، لولا إنه تمكن من تدارك الموقف والسيطرة عليها في اللحظة الأخيرة.

 

بقي لثوانٍ يلهث محاولًا فهم ما حدث، ثم رفع رأسه ببطء والتفت نحو الشيء الذي عرقل طريقه، عندما وقعت عيناه عليه، تجمد الدم في عروقه واتسعت عيناه بذهول حتى كادت أن تخرج من محجريهما، وانفتح فمه دون أن يخرج صوت، لقد كان هناك جثة لرجل يعرفه جيدًا، إنه جاره المسكين.

 

كان جسد جاره ممدًا في الطين، غارقًا في بركة من الدم، ورأسه مشقوق إلى نصفين مما جعل لون الدماء الدامنة يختلط بوحل الأرض، تراجع العجوز خطوة وهو يرتجف، ثم خطوة أخرى، ولم يعد يسمع سوى دقات قلبه التي كانت تصرخ في صدره، وأخيرًا خرج صوته متحشرجًا يكاد يختنق من الرعب: "مستحيل... مستحيل...".

 

استدار الفلاح العجوز فجأة وركض بأقصى سرعة كما لو أن جميع شياطين الأرض تلاحقه، تعثرت خطواته عدة مرات وزلت قدمه على الوحل، لكنه لم يتوقف عن الجري، إذ كان كل همه الوحيد هو الابتعاد عن ذلك المشهد الذي سيظل محفورًا في ذهنه ما دام حيًا، وعندما وصل إلي أطراف القرية توقف لاهثًا، واضعًا يديه على ركبتيه، ثم صاح بأعلى صوته: "قتيل! هناك قتيل في الأرض الزراعية... قتيل!".

 

ارتدت صرخته في أرجاء القرية، ما جعل المكان برمته يستجيب لصداها، بدأت الأبواب الخشبية القديمة تُفتح تباعًا، وخرج الرجال والنساء وحتى الأطفال، وملامح الدهشة والفزع بادية على وجوههم، لم يكن أحد منهم يدرك أن تلك الصرخة لن تُعلن فقط عن وقوع جريمة قتل، بل ستكون أيضًا بداية لغز غامض يستدعي شخصًا لا يقرأ الكتب، بل يقرأ الاموات، ويُلقب بين الناس باسم.... قارئ الجثث!!

 

المشهد الثاني – بعد أقل من ساعة

 

لم تمر ساعة واحدة على صرخة الفلاح العجوز حتى تغير المشهد بالكامل في القرية الهادئة، تلك القرية التي كانت تستريح تحت غطاء الشتاء وتصحو على أصوات الديكة والعصافير، تحولت فجأة إلى ثكنة عسكرية، احتلت الشرطة مداخلها ومخارجها، وأقيمت الحواجز لمنع دخول أو خروج أي شخص، وكانت البنادق متأهبة على أكتاف الجنود، في حين اخترقت الخيول والسيارات السوداء الطرق الطينية في مشهد لم تعرفة القرية من قبل.

 

أما الأرض الزراعية، حيث وقعت الجريمة، أصبحت هي الأخرى مسرحًا صامتًا للموت، وسط الحقل، وقف رجل طويل القامة، عريض الكتفين، يكسو الشيب جوانب شعره، كان يرتدي بدله سوداء أنيقة، ينفث منه دوائر كثيفة من الدخان، بينما تفحصت عيناه الحادة المكان دون أن تغفل عن أي تفاصيل.

 

لم يكن هذا الرجل الأنيق ينظر إلي الجثة فحسب، بل كان يفك شفرات ما ترك الموت وراءه كرساله خفية لا يمكن لأحد تفسيرها سواه، كان يقرأ الجثة بكل تفاصيلها، وفي هذه الأثناء، كان رجال المعمل الجنائي يعملون بنشاط وبجد ملحوظ حول جثة القتيل، أحدهم يوثق تفاصيل المشهد بالكاميرا، وآخر يجمع عينات طينية داخل أكياس ورقية، وثالث يلتقط آثار الأقدام التي خلفتها الأمطار الليلية.

 

أما المُحقق، فقد اكتفى بالمراقبة في صمت تام، عيناه تتنقل بين الجثة والسدود الطينية والكوخ الخشبي، وحتى القرية البعيدة، والتي بدت بيوتها الطينية كنقاط رمادية عند الأفق، تفصلها عن موقع الجريمة مسافة لا تزيد عن الألف متر.

 

على الجانب الآخر من القناة المائية، تجمع أهل القرية في صمت يكتنفه ثقل اللحظة، اعتلى بعضهم الجسر الخشبي، بينما وقف آخرون عند حافة التُرعة، يتابعون رجال الشرطة بوجوه يملؤها الفضول والخوف، كانت الصرخات المفجعة لزوجة القتيل وابنتيه، التي تنم عن ألم عميق، تمزق سكون الصباح الذي لم تشرق شمسه بعد.

 

اقترب المُحقق بخطوات بطيئة نحو الفلاح العجوز وتوقف أمامه ليسأله برفق: "هل تعرف هذا الرلج؟"، ارتعشت شفتا العجوز قبل أن يجيب بهمس غير مسموع تقريبًا: "نعم يا سيدي، إنه جاري... نسكن في بيتين متجاورتين"، نفث المُحقق دخان غليونه ببطء، ثم سأله مجددًا: "هل كان لديه أي خصومات مع أحد؟ هل تشاجر مع أحد من أهل القرية؟ هل سمعت أن أحدهم قد هدده يومًا؟"، بدت الحيرة على ملامح العجوز الذي لم يعرف بم يجب أن يرد، ففضل الصمت واكتفي بهز رأسه نفيًا، بينما بدا وجهه شاحبًا ومرهقًا كقطعة قماش بالية.

 

أطلق المُحقق دفعة أخيرة من دخان غيلونه قبل أن يتوجه نحو الجثة ويتفحصها، كانت لرجل قصير القامة في منتصف الأربعينيات من عمره، يرتدي ملابس بسيطة تتناسب مع الحياة الريفية، وقدماه مغطاتان بالطين، مما يشير إلي أنه كان منهمكًا في عمله بأرضه قبيل مقتله، أما عند عنقه وفكه السفلي، فقد شقه جرح كبير يمتد من اسفل الأذن إلي منتصف الرقبة، وقد غطت الدماء معظم ملامح وجهه.

 

اقترب المُحقق من رأس القتيل ليفحص الجرح بعين متمرسة، ثم التفت إلي مساعده قائلًا: "الوفاة حدثت منذ ساعات قليلة، واستخدم القاتل أداة زراعية حادة"، بقي المساعد صامتًا فيما واصل المُحقق حديثه: "أنظر جيدًا... لو كانت بلطة لتهشمت الفقرات، ولو كانت فأسًا لترك أثرًا أعرض وأعمق... أما هذا القطع، فهو منحني، ونظيف نسبيًا، وكأنه تم ذبحه بضربة واحدة"، توقف للحظة ثم أردف بثقة قائلًا: "أداة القتل علي الأرجح منجل... منجلًا زراعيًا يرافق الفلاحين!!".

 

لم يقدم المساعد أي تعليق، واكتفى بمراقبة فريق المعمل الجنائي، بينما ظهرت علامات الضيق علي وجه المُحقق لصمت مساعده، فأشعل الغليون مرة اخرى وأخذ ينفث الدخان بتفكير عميق متأمل، حتى توقفت يده فجأة عندما لاحظ شيئًا صغيرًا بالقرب من حافة الجثة لم يلاحظه أحد غيره، ابتسم بهدوء وقال بصوت منخفض بالكاد يُسمع: "هذا ما كنت أبحث عنه!!".

 

استدار المُحقق نحو مساعده وأمره بجمع جميع الفلاحين وكل من يعمل في تلك الاراضي المحيطة بأرض القتيل، ثم عاد لينظر إلي الجثة يطالع هذا الشيء الصغير، مما أضفى بريقًا على عينيه، ثم أعطى تعليماته بصوت حازم قائلًا: "ليحضر كل واحد منهم منجله، لكن تأكد من أن يتحرك كل مزارع برفقة شرطي لضمان عدم تغيير المناجل"، تعجب المساعد من هذه الاوامر، ولكنه اعتاد على عدم إبداء الرأي، واكتفى بأداء التحية العسكرية وبدأ في تنفيذ الاوامر.

 

في أقل من نصف ساعة، اصطف عشرات الفلاحين في صف طويل وألقوا بمناجلهم على الأرض أمامهم، ساد بينهم صمت طويل وكأن الوقت قد توقف، اقترب المُحقق مرة أخرى من الجثة وبدأ ينفث دخان الغليون في حلقات كثيفه حولها، ولم يكن يفعل ذلك عبثًا، بل كان ينتظر شيئًا ما سيحدث، مرت دقيقة تلو الأخرى حتى ظهرت أول ذبابة زرقاء وتبعتها أخريات لترتفع فجأة في الهواء وكأنها تتبع رائحة مألوفة.

 

رفع المُحقق راسه وتابع حركة الذباب الأزرق بنظره فقط، إذ تحلق الذباب فوق المناجل واحدًا تلو الآخر، حتى توقف فوق منجل صدئ كان أمام فلاح بدين وعريض الكتفين، لم تتوقف هناك ذبابة واحدة، بل تجمع بعدها العديد من الذباب الأزرق حول طرف المنجل، وكأن سرًا غامضًا يجذبها إليه.

 

تقدم المُحقق بخطوات هادئة نحو منجل الفلاح الممتلئ الجسم، أخرج من جيبه عدسة مكبرة وبدأ بفحص النصل بعنايه، رغم نظافة المنجل الملفتة، إلا أن التجويفات القريبة من المقبض كانت تحتوي على خيوط دقيقة من الدم الجاف ممزوجة بمكونات وأنسجة بشرية لا تُري بالعين المجردة، اعتلت وجه المُحقق ابتسامة قبل أن ينهض بهدوء ويطلق زفيرًا من غيلونه، ثم استدار فجأة نحو الرجل الممتلئ صارخًا: "إنه القاتل... أمسكو به!".

 

سرعان ما اندفع رجال الشرطة، وأحاطوا بالفلاح البدين من جميع الاتجاهات شاهرين أسلحتهم، وأمسكوا بذراعيه قبل أن يحاول الفرار، تراجع الرجل خطوتين إلي الخلف، وقد شحب وجهه، وجحظت عيناه، بينما ارتجفت ركبتيه من الخوف، وقبل أن يتمكن أحد أفراد الشرطة من وضع القيود الحديدية في يديه، انهار الرجل صارخًا: "سأعترف بكل شيء، لم أكن أنوي قتله، كان خلافًا عاديًا، فتشاجرنا كعادتنا، ولكن فجأة وجدت المنجل يشق عنقه... لم أقصد قتله".

 

عم الصمت بعد اعتراف الفلاح البدين، ولم يبق مسموعًا سوى بكاء زوجتي القتيل والقاتل، وصوت القيود الحديدة وهي تُغلق حول المعصم والقم وكأنها ضربات على الحجر، بينما وقف المساعد مصدومًا وتساءل بصوت منخفض: "سيدي، كيف عرفت أنه القاتل؟ هل أخبرتك الذبابة الزرقاء؟"، ابتسم المُحقق وهو يُخرج الغليون من فمه قائلًا بينما ينظر إلى المنجل: "الذبابة لا تعرف القاتل... إنها تشتم رائحة الجثث!".

 

رفع المُحقق المنجل وأشار إلى بعض أجزائه قائلًا بثقة: "انظر هنا... لقد غسل الرجل منجله بعناية، لكن آثار الدماء وبقايا الجسد لم تختفِ كما تري، خاصة إذا تسللت إلى شقوق المعدن، رائحتها تبقى والذبابة الزرقاء تشعر بها قبل أن تراها أعين البشر"، صمت للحظة وأعاد الغليون إلى فمه ثم أضاف بفخر: "أما أنا، فكل ما فعلته، أنني قرأت ما أخبرتني به الجثة، ثم أنصتُّ إلي ما همست به الذبابة الزرقاء".

 

خلاصة تلك القصة

 

قبل سبعة قرون، في إحدى القرى التقليدية جنوب الصين، وقعت حادثة تُشبه إلي حد ما تلك القصة التي كتبتها، ورغم عدم تطابق التفاصيل تمامًا، إلا أنها تحمل المضمون نفسه، ففي القرن الثالث عشر الميلادي، قص القاضي الصيني المعروف "ٍونغ سي" في كتابه الشهير "غسل الظلم"، حكاية جريمة تم الكشف عنها بواسطة الحشرات، وظهرت الشكوك عندما تجمعت بعض الذبابات حول منجل أحد القرويين، دل علي أنه كان الأداة المستخدمة في الجريمة، رغم أنه تم تنظيفه بشكل جيد، وقد جسد هذا الحدث بداية النظر إلى الحشرات كـ"شهود صامتين"، ومن هنا بدأ تاريخ علم الحشرات الجنائي، لذلك لا تتعجب عندما تسمع أحدهم يردد تلك المقولة الشعبية: "هخلي الدبان الأزرق مايعرفلكش طريق جره".

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق