التقرير الذي ترجمهُ "لبنان24" وجد أنَّ مفهوم الردع الإيراني يشهد تحولاً جذرياً، إذ لم تعد طهران تعتمد على وكلائها الإقليميين، وفي مقدمتهم "حزب الله"، باعتبارهم الركيزة الأساسية لحماية مصالحها، بل باتت تراهن بصورة أكبر على قدرتها على تهديد أسواق الطاقة العالمية وشركاء واشنطن في الخليج.
وبحسب التقرير، فإن مذكرة التفاهم تمنح إيران تخفيفاً مالياً كبيراً على المدى القصير، مع إمكانية تحقيق مكاسب أكبر مستقبلاً، من دون أن تضطر إلى تقديم تنازلات فورية بشأن برنامجها النووي أو الصاروخي، مشيراً إلى أنَّ المطلوب من طهران يقتصر على ضمان استمرار الملاحة عبر مضيق هرمز، رغم أنها تعمل في الوقت نفسه على إيجاد آلية لفرض رسوم عبور تحت مسميات أخرى.
ورأى التقرير أن الوكلاء لا يزالون يشكلون أداة مهمة بالنسبة لإيران، إلا أنهم لم يعودوا يشكلون جوهر استراتيجية الردع الإيرانية، وأضاف: "إن طهران توصلت إلى قناعة بأن التهديد بإرباك أسواق الطاقة العالمية واستهداف حلفاء الولايات المتحدة أكثر قدرة على ممارسة الضغط على واشنطن من الصواريخ التي يطلقها حزب الله أو الهجمات التي تنفذها الفصائل المسلحة. وبذلك، أصبح حزب الله وحماس والحوثيون جزءاً من منظومة ضغط أوسع، بعدما كانوا يمثلون خط الدفاع الرئيسي عن إيران، حتى إن طهران باتت اليوم هي التي تسعى إلى إنقاذهم، وليس العكس".
وأوضح التقرير أنه قبل هجوم "حماس" على إسرائيل في 7 تشرين الأول 2023 والحروب التي تلته، كانت إيران تعتمد على وكلائها لردع خصومها، وأضاف: "في حال تعرضها لهجوم أميركي أو إسرائيلي، كان بإمكان حزب الله، الذي امتلك آنذاك أكثر من 100 ألف صاروخ ومقاتلين ذوي خبرة اكتسبوها خلال الحرب السورية، استهداف مختلف أنحاء إسرائيل وتهديدها بعمليات توغل عبر الحدود. كذلك، كان من الممكن أن تنضم حماس وفصائل مدعومة من إيران في الأراضي الفلسطينية والعراق واليمن إلى أي مواجهة، إلى جانب البرنامج الصاروخي الإيراني، لتشكيل منظومة الرد الإيرانية".
وذكر التقرير أن "هذه الفصائل منحت إيران أيضاً وسيلة منخفضة الكلفة لإسقاط نفوذها خارج حدودها، إذ تمكنت طهران خلال تسعينيات القرن الماضي من عرقلة مفاوضات السلام الفلسطينية - الإسرائيلية عبر دعم حركة الجهاد الإسلامي وحماس، وهو ما ساهم في صعود بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية للمرة الأولى عام 1996، كما وفرت تلك الجماعات لإيران نفوذاً في عدد من الدول الإسلامية رغم ضعف جيشها التقليدي واقتصادها".
وأشار التقرير إلى أن إيران استخدمت وكلاءها، ولا سيما "حزب الله"، في تنفيذ هجمات استهدفت الولايات المتحدة وحلفاءها الإقليميين، معتبراً أن كل هذه المعادلة تغيرت بعد أحداث السابع من تشرين الأول 2023، موضحاً أن "حماس" لا تزال الفاعل الفلسطيني الأقوى في غزة، لكنها أصبحت ضعيفة عسكرياً بعد مقتل جزء كبير من قيادتها ومقاتليها وتدمير معظم ترسانتها الصاروخية.
وأوضح أنَّ إسرائيل قتلت أو جرحت خلال حملة عام 2024 آلافاً من مقاتلي "حزب الله" عبر الغارات الجوية وعمليات سرية، من بينها تفجير أجهزة النداء الخاصة بعناصر الحزب، كما اغتالت أمينه العام السّابق حسن نصر الله وعدداً كبيراً من القيادات العسكرية والسياسية وخلفائهم.
ووفق تقديرات التقرير، انخفضت ترسانة الحزب الصاروخية من نحو 150 ألف صاروخ إلى 25 ألفاً أو أقل.
وأشار التقرير إلى أنه عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة هجومهما على إيران عام 2026، وأعلنتا أن هدفهما هو تغيير النظام، وهو ما وصفه التقرير بأنه تهديد وجودي حقيقي، رد "حزب الله" بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على إسرائيل، لكنه لم يشن هجوماً واسعاً، كما بقي تأثيره محدوداً.
واعتبر التقرير أن هذا السلوك عكس رغبة الحزب في إظهار التضامن مع إيران أكثر من السعي إلى توسيع الحرب، إذ لم يستخدم معظم ترسانته الصاروخية المتبقية، ولم يحاول تنفيذ عمليات تسلل داخل إسرائيل أو تعبئة كامل قدراته العسكرية، فيما اكتفى الحوثيون في اليمن بإطلاق عدد محدود من الصواريخ.
وأضاف التقرير أن سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد عام 2024، ووصول حكومة يقودها أحمد الشرع، شكل ضربة كبيرة لإيران ووكلائها، لأن دمشق كانت تمثل حلقة أساسية في دعم "حزب الله" والضغط على إسرائيل، في حين يتخذ الشرع موقفاً معادياً لكل من إيران و"حزب الله" بسبب دعم طهران للنظام السابق.
ورغم ذلك، أكد التقرير أن هذه الفصائل ستبقى ناشطة، مشيراً إلى أن الحوثيين ما زالوا يمثلون أداة مهمة لإيران، وأن "حزب الله" سيحاول إعادة بناء قوته، كما اتهمت الولايات المتحدة "كتائب حزب الله" العراقية بالتخطيط لهجمات داخل الولايات المتحدة وأوروبا.
إلا أن المجلة خلصت إلى أن الوكلاء لم ينجحوا في ردع الولايات المتحدة وإسرائيل، بل تحولوا، بحسب التقرير، إلى أحد الأسباب التي دفعت إسرائيل لاستهداف إيران مباشرة، إذ بدأ المسؤولون الإسرائيليون بعد هجوم 7 تشرين الأول بتحميل طهران مسؤولية الهجوم بسبب تمويلها وتسليحها وتدريبها لهذه الفصائل، حتى لو لم تكن قد وافقت على تنفيذ العملية نفسها. وبذلك، تغيرت الحسابات الإسرائيلية، وأصبح استهداف إيران خياراً مطروحاً طالما أن الوكلاء يهاجمون إسرائيل أصلاً.
وأشار التقرير إلى أن إيران قد تضطر أيضاً إلى تخصيص موارد مالية وعسكرية محدودة لإعادة بناء قدرات "حزب الله"، لافتاً إلى أنها ساعدت الحزب بعد هزيمته في عام 2024 على إعادة هيكلة بنيته العسكرية.
ورأى التقرير أن المخاوف من استخدام جزء من الأموال الناتجة عن تخفيف العقوبات لدعم "حزب الله" تبقى مبررة، لكنها في المقابل تمثل استنزافاً لموارد تحتاجها إيران بشدة.
وأكد التقرير أن إيران أصبحت أقل اعتماداً على وكلائها لأنها أثبتت قدرتها على تهديد إغلاق مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة، وأثار قلق الجمهوريين من انعكاس ذلك على أسعار الوقود. كذلك، فإن الرسوم التي تسعى إيران إلى فرضها والتخفيف المالي الناتج عن الاتفاق يسهمان، بحسب التقرير، في تقليص تأثير الضغوط الاقتصادية الأميركية.
وأوضح التقرير أن إيران تستطيع أيضاً استهداف حلفاء واشنطن في الخليج، مشيراً إلى أنها خلال الحرب الأخيرة هاجمت منشآت للطاقة وفنادق ومطارات وقواعد عسكرية أميركية، الأمر الذي دفع بعض دول الخليج إلى دفع أموال لإيران لضمان مرور سفنها من دون التعرض لها، بينما تمارس دول أخرى ضغوطاً على واشنطن خشية تعرضها لهجمات جديدة إذا اندلعت الحرب مجدداً.
وختم التقرير بالقول إن طهران باتت تعتقد أنها أصبحت قوية بما يكفي للدفاع عن "حزب الله"، وليس العكس، مشيراً إلى أنها تهدد بوقف مشاركتها في محادثات السلام إذا لم توقف إسرائيل عملياتها ضد الحزب في لبنان، مع اعتقاد القيادة الإيرانية بأن الولايات المتحدة ستقدم تنازلات، رغم استعدادها للمخاطرة بخسارة اتفاق يمنحها مكاسب مالية كبيرة.
ورأت المجلة أن وكلاء إيران تحولوا اليوم من مصدر قوة إلى عبء جزئي عليها، إذ إن حتى أكثرهم قدرة، مثل "حزب الله"، يحتاج إلى دعم إيراني مستمر من دون أن يوفر لإيران مستوى الحماية الذي كان يؤمنه سابقاً.
وخلصت إلى أن هذه الجماعات ستواصل تهديد إسرائيل والولايات المتحدة وشركائهما، لكنها لم تعد تفرض مستوى الردع نفسه، في مفارقة ترى المجلة أنها تعكس واقع الشرق الأوسط بعد السابع من تشرين الأول 2023، حيث لا يزال "محور المقاومة" قائماً، لكنه أصبح أقل قدرة على أداء المهمة التي أنشئ من أجلها أساساً، وهي حماية إيران نفسها.














0 تعليق