كانت يومًا السماء زرقاء، والشمس مختفية، كما وجه الفتى الموشوم بسعفة نخيل في جبهته، والمغطى بـ(جرّاوية)، أي لفّ الشماغ العربي وإظهار العيون فقط، وتُستخدم هذه الطريقة لدى العراقيين عندما تشتد المآسي، أو عند طلب العون أو الثأر للإنسان الذي يستحق المناشدة والعطف.
وهنا جاءت المناشدة بوضع قطعة ثقيلة الوزن مصنوعة من حجر البازلت الأسود، والفتى يحملها بيده خوفًا من أن تُسرق. وهذه القطعة الثمينة، التي تعود للفترة البابلية المتأخرة (أسد بابل)، التفت المرويات في ثقافتنا الشعبية حولها ما بين السخرية وحقائق بشأن هذا الجسد الغريب الذي يتوسط ـ وإلى الآن ـ شمال مدينة بابل العظيمة.
ربما تحولت تلك المرويات إلى قصص مرعبة وأخرى ترتبط بالتحريم على هيئة الجسد الموضوع أسفل الأسد. هذه اللوحة هي من ضمن الأعمال التي قدّمها الفنان الشاب “محمد مصدق” في منتصف شهر أيار (مايو) 2026 في معرضه الفني باسم (من الديوانية) في قاعة جاليري سلام عمر، وبواقع ستة عشر عملًا، جُسدت بواسطة الزيت على القماش.
ركّز الفنان في أعماله على الأجساد البشرية بوصفها إشارات إلى اعتراف بحادثة من الماضي، تلوح خيوطها في أفق غامض. إنه اعتراف بشيء مخفي، إذ تبدو الأجساد فردية تتجه بنظرها إلى الأمام، غير أن معظم ملامحها محجوبة، فلا يظهر منها سوى العيون. ولعل هذا الحجب جاء بقصدية فنية؛ ليغدو شاهدًا متعدد الدلالات على العجز عن التعبير عبر الفم، أو على الرغبة في كتمان ما تعجز اللغة عن البوح به. لماذا يكون الاعتراف عن طريق الفن؟ ولماذا هذا الحجب والتركيز على العين فقط؟
لعل الخجل يُعد من أوليات هذا السؤال؛ إذ يمثل تفسيرًا مقنعًا لتلك الأسئلة البليغة التي تستبطن معاناة منطقة احتمت بالحروب لسنوات طويلة. فقد غدت هذه الحروب شواهد حية على ما تحمله الأجساد في اللوحات من آثار وندوب ودلالات، تبدو واضحة على الرغم من رغبة الجسد في الإخفاء وعدم إظهار الحقائق كاملة. وهكذا يتحول الجسد إلى مساحة مزدوجة؛ فهو يكشف بقدر ما يستر، ويبوح بما يعجز عن كتمانه.
إن هذا الجسد الواحد الظاهر لا يختلف عن كثير من الموضوعات التي تتجلى في هذا العالم؛ فعلى الرغم من تمثله بصور متعددة: الهزيل، والمنطوي، والذكر، والأنثى، والفتى، والطفلة، فإنه يظل إعلانًا دائمًا عن اعترافات متشابكة لعدد من الحكايات التي نُسجت داخل مدينة تعود جدرانها إلى أزمنة تاريخية سحيقة، وتمتلك حضورًا فاعلًا في تاريخ بلاد الرافدين.
تحتضن هذه المدينة، وهي مدينة (نفر) في العراق القديم، بين طبقاتها الخفية معبد الإله العراقي (إنليل)، ودارت أسطورة ولادة إله القمر «ننا» و«ننار» و«سين»، ووقعت أحداث هذه الأسطورة في مدينة (نفر) وفي العالم الأسفل، حيث ذكر في تاريخ هذه المدينة أن الأسطورة تمت على نهرها ورصيفها ومينائها، وكان فيها الإله الشاب (إنليل) والإلهة العذراء (ننليل)، حيث ولد منهما، بعد مضاجعة (إنليل) لها وهي تغتسل بمياه النهر العذب، إله القمر (سين).
كما تنطوي تحت ترابها ألواح القدر التي كانت، وفق الميثولوجيا السومرية، تحدد مصائر الآلهة والبشر على حد سواء. وتتوج هذه المدينة التاريخية بـ(زقورة نيبور)، بوصفها شاهدًا معماريًا وروحيًا على عمق الإرث الحضاري لبلاد الرافدين.
بيّن الفنان مصدق، من طريق أعماله، أن باستطاعة الفن تخليد أفكار الإنسان والتأثير في محيطه الاجتماعي. جاء هذا ضمن مشروع الفنان العراقي (سلام عمر)، الذي احتضن بدوره معظم التجارب العراقية الشابة والناضجة والمرتسمة خيوطها في طريق النجاح. هذا المشروع مختلف في سماء التشكيل العراقي من حيث التقنيات والأفكار والطموح.









0 تعليق