رؤوس على الرماح: صراع الدم والنفوذ يقود لمأساة كربلاء وقتل حفيد رسول الله

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في العام الحادي والستون بعد الهجرة، كانت سماء كربلاء مكفهرة غضبا وسخطا على “آل الطلقاء” بعد أن نحرو عنق سيد شهداء الجنة الحسين بن علي، طالب الحق الذي زاد عنه بحياته ولم يرض الخنوع أو الخضوع بل قاوم حتى آخر قطرة من دمه.

بداية النهاية في سقيفة بني ساعدة
فلنعد إلى الوراء قليلا على طريقة الـ"فلاش باك" ووجهاء مكة والمدينة وأصحاب النبي، مجتمعين في سقيفة بني ساعدة لبحث أمر المسلمين إثر خبر وفاة النبي ــ ولم يكن قد دفن بعد ــ ذلك الاجتماع الذي اقتنص خلاله القرشيين أمر الخلافة، عندما بسط عمرو بن الخطاب يده لأبي بكر الصديق يبايعه دونا عن سعد بن عبادة سيد الأنصار والخزرج ممن ناصروا وآووا المسلمين في هجرتهم للمدنية وقتما اشتد قمع أهل قريش ومكة عليهم، فكانت الهجرة للمدينة، لتجري كثير من المياه لنصل لمشهد سقيفة بني ساعدة التي خلفت ما خلفت من آثار في النفوس والضمائر.

ويبايع المسلمين أبي بكر وبعد وفاته يجيئ عمرو بن الخطاب خليفة ثان راشد وعقب اغتياله تذهب الخلافة لعثمان بن عفان واغتيل بدوره عندما حوصر في بيته، لكن هذه المرة إثر سياساته التي حابي خلالها آله وبطانته من جانب، ومن جانب آخر إثر تحريض زوج الرسول عائشة عليه، التي كانت تصيح “أقتلوا نعثلا فقد كفر”، وبحسب الدكتور طه حسين في كتابه “الفتنة الكبري ”عثمان": “فقد بلغ نظام الطبقات غايته، فوجدت طبقة الأرستقراطية العلياذات المولد والثراء الضخم والسلطان الواسع، ووجدت طبقة البائسين الذين يعملون في الأرض ويقومون علي مرافق هؤلاء السادة، ويخلص ”طه" إلى "الفتنة إذن إنما كانت عربية، نشأت من تزاحم الأغنياء علي الغني والسلطان، ومن حسد العامة العربية لهؤلاء الأغنياء، ولم يكد نظام عثمان هذا يذاع ويسرع الأغنياء إلي الانتفاع به، حتي ظهر الشر، وظهر في الكوفة قبل أن يظهر في أي مصر آخر".

وتنطلق الفتنة بشكل صريح ــ وإن كانت شراراتها الأولى قد اندلعت من سقيفة بني ساعدة ــ وتقع القلاقل بعد ساعات من تولي علي بن أبي طالب ــ والد الحسين ــ خلافة المسلمين، وتسفر الأغراض والمطامح ــ المتنكرة في قميص عثمان صارخة بالأخذ بثأره من محمد بن أبي بكر دما بدم ــ عن وجهها ويقع بين أبي طالب بين شقي رحي، بين صرخات المطالبة بالثأر وبين العفو عن ابن خليفة المسلمين وصاحب الرسول، لكن هذه الصرخات التي أججها معاوية بن أبي سفيان القابع في الشام كانت لأغرض أخري لم يكن من بينها دماء عثمان.

على أن أبرز أسباب الفتنة التي ظهرت في أولى أيام خلافته بحسب د. طه حسين “الفتنة الكبري.. علي وبنوه”: “وأقبل علي بعد مقتل عثمان، فلم يوسع للناس في العطاء، ولم يمنحهم النوافل من المال ولم ييسر لهم أمورهم، وإنما استأنف فيهم سيرةَ عمر من حيث انقطعت، ومضى بهم في طريقه من حيث وقف”.

ويعود الانقسام والفرقة بين صفوف المسلمين مرة أخرى، إثر واقعة التحكيم الشهيرة والخدعة التي تعرض لها علي بن أبي طالب، ويتحزب الصف الواحد إلى أحزاب شتى أبرزها الشيعة والخوارج ودارت الحرب الأهلية بين المسلمين في مواقع ووقائع شتي، سالت فيها الدماء المسلمين بسيوف مسلمين مثلهم، كانت ذروتها باغتيال آخر الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب وهو يؤم صلاة الفجر، بسيف مسموم بيد عبد الرحمن بن ملجم، أحد الخوارج الذين خرجوا على حكمه.

لعنة الدماء تحاصر الأبناء
بين مؤيد ومعارض يبايع المسلمين الحسن بن علي بن أبي طالب، ولا يلبث شهرين في ولايته حتى يحرضه أتباع والده على استكمال الحرب مع معاوية، التي تنتهي ــ مؤقتا ــ بالتفاوض بين الفريقين، وهو ما يفسره طه حسين بـ"ولم يكن قعود الحسن عن الحرب جبنًا أو فرقًا، وإنما كان كراهية لسفك الدماء من جهة، وشكًّا في أصحابه من جهة أخرى، وقد تبين له بعد مسيره وما كان من أمره مع الناس حين بلغ المدائن أنه لم يكن مخطئًا، ولا سيما بعد أن عرف وفود الأشراف من أهل العراق على معاوية، وأن الذين لم يفدوا عليه قد كتبوا إليه"، ورغم السلم بين الحسن ومعاوية إلا أن الأخير كان يضمر به شرا، فتنازل الحسن له عن البيعة، إلا معاوية استمال زوج الحسن "جعدة بن الأشعث" برشوتها أن يزوجها ابنه يزيد بن معاوية شريطة أن تضع السم للحسن وهو ما كان.

عقب الصلح بين الحسن ومعاوية، عاد الأخوين الحسن والحسين من الكوفة إلى المدينة، ومع تولي يزيد بن أبي معاوية حكم المسلمين بالتوريث وتحول الخلافة إلى ملك عضود، رفض الحسين بيعة يزيد رغم حفاظه على الصلح مع والده معاوية، ويكتب أهل الكوفة إلي الحسين يبايعونه ويطلبون مقدمه إليهم في الكوفة، فيرسل إليه بابن عمه “مسلم بن عقيل”، في ذلك الوقت كانت الكوفة في ولاية “عبيد الله ابن زياد” ويعرف في التاريخ الإسلامي بـ"زياد ابن أبيه"، لما تواتر من أخبار عن أنه ابن غير شرعي لم يعترف به معاوية، ووعده بأن يعترف بنسبه إليه إذ ما خلصه من الحسين بن علي.  

ما أن وطأت أقدام مسلم بن عقيل أبواب الكوفة حتى أوقع به عبيد الله ابن زياد وقتله، بعد أن تخلى عنه أهل الكوفة ممن سبق وراسلوا الحسين داعينه للقدوم، مما يضطر معه الحسين للخروج بأهله وصحبه جميعا إلى الكوفة ومنها إلى كربلاء.

ويذكر طه حسين: “وقد مضى مع الحسين نفر من بني أبيه ومن بني أخيه الحسن، واثنان من بني عبد الله بن جعفر، ونفر من بني عمه عقيل، ورجال آخرون حرصوا على أن ينصروه، ولما رأت الأعراب قدومه إلى العراق منابذًا ليزيد طمعوا في صحبته وانتظروا منها الخير، فتبعه منهم خلق كثير”.

ودارت رحي القتال بين الحسين وآله من جانب وجيش يزيد بن معاوية، يصف طه حسين مشهد المذبحة التي ارتكبها آل الطلقاء في آل بيت النبي: “نظر المسلمون فإذا قوم منهم، عليهم هذا القرشي عمر بن سعد بن أبي وقاص، يقتلون أبناء فاطمة بنت رسول الله، ويقتلون أبناء علي، ويقتلون ابني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الطيار شهيد مؤتة ثم يحزون رءوسهم ثم يسلبونهم، ويسلبون الحسين حتى يتركوه متجردًا بالعراء، ويصنعون بهم ما لا يصنع المسلمون بالمسلمين، ثم يسبون النساء كما يُسبَى الرقيق، وفيهم زينب بنت فاطمة بنت رسول الله، ثم يأتون بهم ابن زياد فلا يكاد يرفق بهم إلا حياءً واستخزاء حين قال له علي بن الحسين، وقد كان صبيًّا، وهمَّ ابن زياد بقتله، فقال له إن كانت بينك وبين هؤلاء النساء قرابة فأرسل معهن إلى الشام رجلًا تقيًّا رفيقًا، هنالك ذكر عبيد الله أن أباه يُدعَى لأبي سفيان، فاستحيا ولم يقتل الصبي، وإنما أرسله مع سائر أهل الحسين إلى يزيد، وقُدِّم رءوس القتلى بين أيديهم وفيها رأس الحسين”.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق