حين تتحول الأقاويل لسلاح اجتماعي.. فكري أباظة يكشف آفة الشائعات في المجتمع

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كتب الكاتب الصحفي والمحامي فكري أباظة في مجلة «المصور» عام 1926 مقالا اجتماعيا تناول فيه ظاهرة «فن الأقاويل» وانتشار الشائعات بين الناس، منتقدا تأثيرها على العلاقات الإنسانية، ومسلطا الضوء على من يصنعون الكلام ومن يصدقونه دون تحقيق.

فن الأقاويل في مصر بين نقل الحقيقة وصناعة الشائعة

يقول فكري أباظة: «فن الأقاويل» في مصر فن ثابت الدعائم، وطيد الأركان، ذائع الانتشار في كل مكان، والفنانون في هذا الفن نوعان: نوع ينقل الأقوال صحيحة بلا تحريف، فما هو إلا واشي صادق مغرم بالتفريق بين الناس، ذهنه يأبى أن يحمل في داخله خبرا أو حديثا، فلا يستقر الكلام في نفسه هنيهة حتى يبادر بنقله إلى ذوي الشأن.

وهذا النوع لا اعتراض لي عليه، فالداء داء عضال، يخفف من لوعته أنه صادق لا يكذب، وإن كانت العملية في ذاتها لا شرف فيها ولا فضيلة، ولهذا فليس هذا النوع من «الفنانين» موضوع حديثي اليوم.

إنما أريد أن أتكلم عن النوع الثاني الخطير، أولئك المغرمين بالأقاويل الذين ينقلونها بعد أن يضيفوا إليها شيئا من «التحابيش» و«الرتوش»، أو يبتكرونها ابتكارا من عالم الخيال، ثم تلذ لهم بعد ذلك رؤية الضحايا وهم يتساقطون: أصدقاء تقاطعوا بعد الصداقة، وأوفياء رثت فيما بينهم حبال المودة.

ويضيف “أباظة”: والغريب في أمر هؤلاء أنهم لا يقدرون النتائج، وما هي إلا شهوة جنونية تقوم على أغراض مختلفة، فتارة يريدون بطريقتهم هذه أن يقدموا دليلا على «الإخلاص» لمن ينقلون إليه الكلام المبتكر أو المحرف، وطورا يقصدون إلى التفرقة بين طرفين متحابين انتقاما منهما، وحينا لا يريدون هذا ولا ذاك، وإنما هو مرض... والسلام.

دعنا منهم، فهم لا يستحقون العناية، فمن أخذ على عاتقه القيام بهذه المهمة الحقيرة لا يزيد على أنه «حقير» لا قيمة له، وإن شئت فسم هذه المهمة «جاسوسية» عفنة ملوثة لها مقابل، فهي من تلك «الصفقات الساقطة» التي قد يستعان بها على الرزق والمعيشة، مهلا الله لمحترفيها الأحوال.

إنما الذين يستحقون العناية حقا هم أولئك الضحايا الذين تنقل إليهم الأقاويل فيأخذونها قضية مسلمة، ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث والتدقيق، فيكونون اعتقادهم ظلما، ويقاطعون أصدقاءهم ومعارفهم ظلما، ثم يعلنون الحرب ظلما.

ويتابع: أليس هو نوع من «الجبن» ذلك الذي يمارسه أولئك المصدقون للأقاويل؟ فلا يواجهون «المتهمين»، ولا يستجوبونهم عن التهم الملصقة بهم، بل يسمعون في الظلام ويصدقون في الظلام، ويرتبون النتائج في الظلام.

إنه حقا نوع من الجبن، وقد يبلغ بعد حين درجة «النذالة» الوضيعة، إذا أخفوا ما في القلوب وتظاهروا لأصدقائهم ومعارفهم السابقين بوجوه كاذبة خادعة، في الوقت الذي يدسون لهم في الظلام ومن وراء الظهور.

وعلاج هؤلاء جميعا هو «الاحتقار»، لولا أنه يصعب على كل مطلع على أحوال قطرنا الاجتماعية أن تروج في أوساطه هذه الأساليب، فتحدث أسوأ الآثار بغير سبب وعلى غير أساس.

لقد سببت لي مقالات «المصور» التي أنشرها منذ عام في مختلف الموضوعات الاجتماعية عناء كبيرا، تشرفت بالتعرف إلى عائلات عديدة، كنت وشكرا لها محل تقديرها وحسن ظنها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق