الأربعاء 24/يونيو/2026 - 02:03 م 6/24/2026 2:03:55 PM
بعد توليه منصبه، للمرة الثانية، أوائل العام الماضي، روّج رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، دون تردد، لرؤية تقوم على مبدأ «القوة هي الحق» لإعادة تشكيل النظام الدولي حول منطقة نفوذ أمريكية.. وهي رؤية لا تختلف كثيرًا عن رؤية روسيا أو الصين.. وبدا المستقبل وكأنه مُصاغٌ وفقًا لمقولة شهيرة للمؤرخ اليوناني القديم ثوسيديدس، «الأقوياء يفعلون ما يشاؤون، والضعفاء يعانون كما يجب عليهم».. لكن اليوم، على ما يبدو الآن، أن الضعفاء ليسوا بالضعف الذي اعتقده الكثيرون؛ فالأقوياء أيضًا لا يستطيعون فعل ما يحلو لهم.. وهنا، يقول الأكاديمي السنغافوري، بيلاري كاوسيكان، الذي شغل منصب سفير سنغافورة لدى الأمم المتحدة، إن عبارة ثوسيديدس، التي لطالما كانت من بديهيات ما يُسمى بالمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، ما هي إلا تعبير عن استسلام ساذج، وليست دليلًا على واقع العالم الأكثر تعقيدًا، «لو كانت هذه العبارة صحيحة، لابتُلعت دول صغيرة مثل سنغافورة من قبل جيرانها منذ زمن بعيد».
لم تعد الحروب الحديثة تُحسم بالتفوق العسكري التقليدي وحده، كما لم تعد القوى الكبرى قادرة على فرض إرادتها بسهولة كما كان يُعتقد لعقود.. فمع تصاعد دور التكنولوجيا العسكرية منخفضة الكلفة، من المسيّرات إلى الصواريخ الدقيقة، برزت تحديات جديدة حدّت من قدرة الجيوش الأقوى في العالم على تحقيق انتصارات حاسمة أو إسقاط الأنظمة بالقوة.. وقد كشفت تداعيات الحرب مع إيران، إلى جانب الحرب في أوكرانيا وصراعات أخرى، عن واقع دولي جديد، أعاد رسم حدود القوة العسكرية، وأظهر أن الدول المتوسطة والأطراف الأضعف باتت تمتلك أدوات قادرة على استنزاف وإرباك القوى العظمى، ومنعها من تحقيق أهدافها الاستراتيجية بسهولة.
في صحيفة «وول ستريت جورنال» نشر الصحفي ياروسلاف تروفيموف، مقالًا قال فيه، إن تطور التكنولوجيا التي تُساوي بين الدول القوية والضعيفة جعل حروب الغزو التقليدية صعبة، وربما غير ممكنة بعد الآن، كما أنها كشفت أن القوى العظمى لا تملك القوة التي كانت تظنها.. وعلى الرغم من إنفاق الجيش الأمريكي جزءًا كبيرًا من ذخائره بعيدة المدى، وقتله عددًا كبيرًا من القيادة الإيرانية، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق نصر استراتيجي على قوة متوسطة كإيران، ولا تزال طهران تُغلق وتفتح مضيق هرمز بإرادتها، ولا يزال نظامها الثيوقراطي مُحكمًا، ويحتفظ بقدرته على إطلاق الصواريخ على إسرائيل ودول الخليج.. وكذلك لم تنهَر أوكرانيا، رغم قطع ترامب المساعدات الأمريكية قبل أكثر من عام، وضغطه دبلوماسيًا على كييف للتنازل عن منطقة دونيتسك الشرقية، كجزء من اتفاقه مع روسيا في قمة ألاسكا في أغسطس.. ورغم ذلك، تمكنت أوكرانيا من قلب موازين الحرب ضد روسيا، مُسيطرة على خط المواجهة وموجهة ضربات متزايدة الألم إلى قلب الأراضي الروسية.
هذه التطورات أظهرت، كيف ساهمت التطورات التكنولوجية، كالمسيّرات والصواريخ الدقيقة الأرخص ثمنًا، في تقريب موازين القوى، بين الدول الصغيرة والقوى العظمى التي تنفق مئات المليارات من الدولارات على جيوشها.. ومع أن الصراعات الدائرة في أنحاء العالم تختلف في جوانب عديدة؛ إلا أن كل هذه الحروب تحمل درسًا واحدًا، كما صرّح وزير الدفاع الإيطالي، جيدو كروسيتو، «إن نوع الحرب الذي اعتدنا عليه، ونوع الحرب التي كانت روسيا تُخطط لها في أوكرانيا ـ غزو واحتلال دولة ـ لم يعد واردًا».. فإن غزو دولة عندما يكون مواطنوها مستعدين للقتال أمر مستحيل، حتى في ظل التفاوت في القوة، كما كان الحال بين روسيا وأوكرانيا، أو حتى بين الولايات المتحدة وإيران.. الأمر صعب، حتى على إسرائيل، التي لم تُحقق نجاحًا يُذكر ضد حماس في مدينة واحدة تقريبًا.
وأقرَّ الجنرال أونو إيشيلشيم، رئيس أركان الدفاع الهولندي، بأن تغيير الأنظمة ـ وهو هدف روسيا في أوكرانيا، وهدف أمريكا في إيران مبدئيًا على الأقل ـ لم يعد ممكنًا تحقيقه بالقوة العسكرية وحدها في العالم المعاصر.. وقال ميرشايمر، «يكاد يكون من المستحيل غزو مثل هذه الدول بكل الإمكانيات المتاحة، سواء أكانت الولايات المتحدة ضد إيران أو روسيا ضد أوكرانيا.. وإذا لم يتحقق النجاح خلال الأسبوعين الأولين، فسينتهي الأمر إلى طريق مسدود يصعب اختراقه.. إذا أردت تحقيق شيء ما، فعليك تحقيقه بسرعة فائقة».. ويقول، إن حدود قدرات القوى العظمى ليست بجديدة.. فقد مُنيت كل من واشنطن وموسكو بهزائم في حروب خارجية سابقة.. واضطرت أمريكا للانسحاب من فيتنام، وهُزمت كلتاهما في أفغانستان في نهاية المطاف.. أما سجل الولايات المتحدة في احتلال العراق فهو مختلط في أحسن الأحوال.. مع ذلك، في تلك الحالات، اضطرت القوى العظمى للتخلي عن الحرب، بسبب حركات المقاومة المطولة والمؤلمة التي أعقبت انتصارات عسكرية تقليدية، والتي أدت في نهاية المطاف إلى تراجع الدعم الشعبي للحرب.
الوضع تغير الآن، فقد عجزت الدبابات الروسية عن الوصول إلى كييف لأكثر من سنتين من الحرب، وتوقفت التقدمات الروسية في ساحة المعركة بشكل شبه كامل، بل إن الولايات المتحدة لم تُقدم حتى على عمليات برية في إيران، لعلمها التام بحجم الخسائر الأمريكية التي ستتكبدها.. ومع ثورة حرب المسيّرات التي أشعلها الصراع بين روسيا وأوكرانيا، وقدرة إيران على تطوير ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية الدقيقة وبعيدة المدى، تضاءلت جزئيًا الميزة الهائلة للجيش الأمريكي، في القوة الجوية والاستخبارات والاستطلاع.. وقد جعل هذا من المستحيل، تصور هجوم عسكري تقليدي مدرع على طهران، على غرار الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.. أما الإطاحة السريعة بالرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، في يناير ـ والتي بدت آنذاك وكأنها نذير لما سيأتي، مُشعلة شهية ترامب لجرينلاند وإيران ـ فتبدو الآن استثناءً نادرًا، لا نذيرًا لممارسة القوة الأمريكية مستقبلًا.
*
ينظر المحللون، بشكل متزايد، إلى الحروب المتعثرة في أوكرانيا وإيران، كأمثلة على كيفية إخفاق القوى الكبرى في تقدير خصومها، والاستهانة بالمقاومة المحلية، والوقوع في فخ صراعات مُكلفة دون مسار واضح للنصر.. ووفقًا لتحليل «نيويورك تايمز»، فإنه على الرغم من الاختلافات الشاسعة في الجغرافيا والتاريخ والسياق السياسي، يشترك كلا الصراعين في سمة واحدة: دخلت القوى العسكرية الأقوى في مواجهات، مُتوقعة نتائج سريعة، لكنها واجهت بدلًا من ذلك مقاومة شرسة، أدت إلى إطالة أمد القتال وتعقيد الحلول الدبلوماسية.. مع تعثر المفاوضات في اكتساب زخم، تواجه كل من روسيا والولايات المتحدة تساؤلات متزايدة، حول إمكانية تحقيق أهدافهما الأصلية.
اتخذ القادة الأوكرانيون والإيرانيون مؤخرًا خطابًا أكثر تحدّيًا، رافضين فكرة أن التفوق العسكري وحده كفيل بتحديد النتائج السياسية.. وفي رسالة مفتوحة إلى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أكد الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أن موسكو فشلت في توقع حجم المقاومة الأوكرانية عقب بدء الغزو الشامل.. وبالمثل، أشار مسئولون إيرانيون إلى عزمهم على مواصلة الضغط رغم التحديات العسكرية والاقتصادية.. وعقب تبادل الصواريخ بين إسرائيل وإيران، أكد كبار القادة الإيرانيين مجددًا، أن موقفهم لن يتغير دون بذل جهود جادة لإعادة بناء الثقة.
تعكس هذه الردود، الواقع الأوسع لنزاعين طويلين لم يحقق أي من الطرفين فيهما اختراقًا حاسمًا.. وواجهت جهود التفاوض على تسويات في كلا النزاعين عقبات كبيرة، ولا تزال المحادثات المتعلقة بأوكرانيا متوقفة بسبب قضايا الحدود والضمانات الأمنية.. وبينما استمرت عمليات تبادل الأسرى، كان التقدم الدبلوماسي الأوسع محدودًا.. وتبدو المفاوضات المتعلقة بإيران أكثر نشاطًا، حيث ناقش المسئولون إطارًا من شأنه تخفيف حدة التوترات الفورية.. مع ذلك، لا تزال العديد من القضايا الأكثر تعقيدًا عالقة، بما في ذلك البرنامج النووي الإيراني، ورفع العقوبات، والأصول المجمدة، والترتيبات الأمنية طويلة الأمد.. ويحذر المحللون، من أن أي اتفاق مبدئي سيُشكل على الأرجح أساسًا للمناقشات المستقبلية، وليس تسوية شاملة.
ويشير المحللون إلى أخطاء استراتيجية جوهرية.. إذ وفقًا لعدد من خبراء السياسة الخارجية، يكشف كلا الصراعين كيف يمكن للدول القوية أن تُسيء فهم المجتمعات التي تسعى للضغط عليها أو التأثير فيها.. فيونا هيل، المسئولة السابقة في مجلس الأمن القومي الأمريكي، ترى أن كلًا من موسكو وواشنطن تعاملتا مع صراعيهما بافتراضات متجذرة في رؤى مركزية للغاية للسلطة السياسية.. ووفقًا لهذا التقييم، اعتقد القادة أن إضعاف السلطات المركزية أو استهدافها سيؤدي سريعًا إلى انهيار سياسي.. لكن على العكس، أثبتت المؤسسات المحلية والهوية الوطنية والصمود الشعبي، أنها أقوى مما كان متوقعًا.. كانت روسيا تتوقع نصرًا سريعًا وتحولًا سياسيًا في كييف.. وبالمثل، يرى النقاد أن واشنطن قللت من شأن قدرة إيران على الرد عبر الشبكات الإقليمية، والاضطرابات الاقتصادية، والردود الاستراتيجية.. لم يسر أي من السيناريوهين كما كان متوقعًا.
كما أبرزت الحروب محدودية القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية المُعقدة.. ألحقت الحملة العسكرية الروسية أضرارًا جسيمة بأوكرانيا، ومع ذلك لم تحقق موسكو العديد من أهدافها الأصلية.. بعد مرور أكثر من أربع سنوات على تصاعد الغزو، لا تزال روسيا تواجه مقاومة في المناطق المتنازع عليها.. في غضون ذلك، تكيفت أوكرانيا، من خلال الابتكار التكنولوجي، لا سيما في مجال حرب الطائرات المسيرة، مما ساعد على موازنة بعض المزايا العسكرية الروسية.. وفي الشرق الأوسط، نفذت الولايات المتحدة وحلفاؤها عمليات عسكرية واسعة النطاق، لكنهم تجنبوا نشر قوات برية كبيرة داخل إيران.. ورغم أن الضغط العسكري أثر على اقتصاد إيران وموقعها الاستراتيجي، إلا أنه لم يُسفر عن النتائج السياسية التي كان يتصورها صناع القرار في البداية.. الخبراء يؤكدون، بشكل متزايد، أن القوة الجوية والضربات العسكرية وحدها، غير كافية لضمان نجاح استراتيجي طويل الأمد.
ويُعدّ انعدام الثقة بين الأطراف المتنازعة، تحديًا رئيسيًا في كلتا الحربين المتعثرتين.. لا يزال المفاوضون الروس والأوكرانيون منقسمين حول السيطرة على الأراضي والترتيبات الأمنية المستقبلية.. في الوقت نفسه، أعرب مسئولون إيرانيون، مرارًا وتكرارًا، عن مخاوفهم من تغيير المواقف الأمريكية خلال المفاوضات.. ويُشير خبراء دبلوماسيون إلى أن الاتفاقات الناجحة تتطلب ثقةً في الوفاء بالالتزامات على المدى الطويل.. فالتغييرات المتكررة في المواقف التفاوضية، قد تُضعف فرص التوصل إلى تسويات مستدامة.. نتيجةً لذلك، حتى عند ظهور اتفاقيات وقف إطلاق النار أو أطر عمل أولية، يبقى هناك تشكيك كبير بشأن التنفيذ طويل الأمد.
وعلى الرغم من أن المحللين يُجرون مقارنات بين الحربين، إلا أن اختلافات جوهرية لا تزال قائمة.. ولم تُشكّل أوكرانيا تهديدًا عسكريًا مباشرًا لروسيا قبل الغزو، بينما حافظت إيران على عقود من المواجهة مع الولايات المتحدة، من خلال صراعات إقليمية وشبكات بالوكالة ونزاعات حول برنامجها النووي.. وتحتل روسيا أجزاءً كبيرة من الأراضي الأوكرانية، بينما لم تسعَ الولايات المتحدة إلى السيطرة على الأراضي الإيرانية.. ومع ذلك، يُبيّن كلا الصراعين، كيف يُمكن للقوى العظمى أن تنخرط في مواجهات طويلة الأمد، عندما تتجاوز الأهداف العسكرية ما يُمكن تحقيقه بالوسائل المتاحة.
ويؤثر طول أمد هذه الحروب المُستعصية على تصورات القوة العالمية.. يرى المحللون أن عجز روسيا عن تحقيق نصر حاسم في أوكرانيا قد أضعف صورتها كقوة عسكرية مهيمنة.. بالمثل، أثارت التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها المتعلقة بإيران، نقاشًا حول حدود النفوذ الأمريكي.. قد تُسرّع هذه التطورات التحولات نحو نظام دولي أكثر لا مركزية، تمارس فيه القوى الإقليمية نفوذًا أكبر، وتواجه فيه القوى الكبرى قيودًا متزايدة على العمل الأحادي.. قد لا تكون النتيجة نصرًا واضحًا لأي طرف، بل إعادة تعريف لكيفية ممارسة القوة في بيئة جيوسياسية تزداد تعقيدًا.
*
أبرزت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، إلى جانب الحرب الأوكرانيّة ـ الروسية، معادلة كلفة الدفاع مقابل الهجوم.. وهنا، قد يمكن الركون في هذه المقاربة إلى مبدأ «السيف والدرع»، إذ يُشكّل السلاح الأقل كلفة مقابل السلاح المرتفع الكلفة معضلة استراتيجية كبيرة.. فالسلاح الأقل كلفة يضع عدة أعباء على الفريق الأقوى، التي يتمثّل أهمّها في: أوّلًا، أن تتحوّل الحرب العسكريّة إلى حرب استنزاف اقتصادي خطيرة جدًا فيما لو طالت الحرب.. ثانيًا، وبسبب اعتماد مبدأ «الإغراق» Overwhelming للمنظومات الدفاعيّة، مثلًا بواسطة العديد من المسيّرات، يستنزف هذا التكتيك الكثير من الدفاعات الجوية التي تستلزم الكثير من الوقت للتعويض والتصنيع.. فعلى سبيل المثال، يستلزم تصنيع صاروخ «باتريوت» واحد مدة لا تقل عن اثنا عشر شهرًا.. في المقابل، وحسب بعض المصادر المفتوحة، لا يستلزم تصنيع مسيّرة «شاهد-136» أكثر من عدة أيام أو أسابيع.
لكن الخطير في هذه المعادلة، هو أن «الكثرة» Mass في الاستعمال «الكثير من المسيّرات في الوقت نفسه ـ ما يُعرف بأسلوب السرب»، أصبحت هي بحد ذاتها معادلة ذكيّة.. في هذا الإطار، قد يمكن العودة إلى الحرب الأوكرانية بوصفها مثالًا حيًا لخصائص حروب القرن الحادي والعشرين، التي أثبتت أن مبدأ «الحرب القصيرة، والنظيفة، والذكيّة، والسريعة» والتي استعد لها الغرب، كان فعلًا عبارة عن وهم.. ففي الحرب الأوكرانيّة، ظهرت ثلاثة أنواع من الحروب هي: حرب الخنادق الدفاعية على غرار الحرب العالمية الأولى، وحرب المناورة على غرار الحرب العالمية الثانية، والحرب الحديثة التكنولوجية، حيث استُعمل فيها الذكاء الاصطناعي.. لكن الجدير ذكره في الحرب الأوكرانية هو كثافة استهلاك الذخيرة، خصوصًا قذائف المدفعية من عيار «155 ملم».. في بدايات الحرب الأوكرانية، كان معدّل استهلاك المدفعيّة الأوكرانية من هذه الذخيرة يتراوح بين ستة آلاف وثمانية آلاف قذيفة.. في المقابل، كان معدّل استهلاك القوات الروسية من الذخيرة نفسها يتراوح بين عشرين وستين ألف قذيفة يوميًا.. ولوضع الأمور في نطاقها بهدف المقارنة، كانت أمريكا قبل الحرب تنتج شهريًا، أربعة عشر ألفًا وأربعمائة قذيفة مدفعية فقط.
وأخيرًا، أظهرت الحرب الأوكرانية، كما الحرب مع إيران، أن الولايات المتحدة لا تملك القاعدة الصناعية العسكرية القادرة على تأمين ذخائر الحرب، حتى ضد عدو يُصنّف على أنه قوة كبرى إقليمية، مثل إيران.. فكيف لو قرّرت واشنطن خوض حربين إقليميتين، مع السعي إلى ردع الصين في الوقت نفسه؟.. معضلة الدفاع تكمن في حتمية نجاحه المُطلق وبنسبة 100%، وهذا أمر مستحيل.. في المقابل، لا يستلزم الصاروخ الهجومي سوى إحداثيات الهدف.. كذلك الأمر، منظومة الدفاع معقّدة جدًا، تستلزم منظومة مُكلفة، من الإنذار المُبكر والرصد، إلى تفعيل الدفاعات الجوية وعلى عدّة مستويات Layers.. لكن يكفي أن يكون هناك خطأ، بشري، أو تقني، أو «خوارزمي» كي تكون الخسارة كبيرة.
وعمومًا، قد يمكن القول إن الحرب مع إيران، قد أظهرت محدودية القوّة العسكرية الأمريكية.. فالولايات المتحدة استعملت كل، وأفضل، ما تملك من قوى عسكرية، وبحرية، وجوية، وفضائية وسيبرانية «دون الوصول إلى استعمال السلاح النووي».. ولا شك أن المنافسين يراقبون كيف تقاتل واشنطن وماذا تستعمل، وما الدروس المستقاة من حروبها، وكيف يمكن رسم الاستراتيجيات ضد قواتها، خصوصًا البحرية منها، لأن الخبراء العسكريين يعتقدون أن أي حرب أمريكية ـ صينيّة ستكون بحرية وبامتياز.. وهنا، قد يمكن طرح الأسئلة الآتية: كيف ستُصنّع أمريكا الأسلحة دون استيراد مواد «المعادن النادرة» التي تسيطر الصين على 90% من احتياطيها العالمي؟.. وكيف سيكون شكل الحرب البحرية الأمريكية ـ الصينية، علمًا أن الصين خاضت آخر حروبها عام 1979، عندما تواجهت مع فيتنام في قتال لم يدم سوى ثلاثة أسابيع وستة أيام؟.
ولتقريب الصورة إلى الأذهان، تعالوا نقرأ، كيف وصف طيار المقاتلة F-15 الأمريكية، الذي سقطت طائرته فوق إيران في أبريل الماضي، وأنقذته القوات الخاصة.. إذ يروي مشهدًا مروعًا قبل أن يقفز من طائرته: طائرات إيرانية متعددة تحوم في الجو، وتتحرك كطائرة واحدة، في تشكيل يشبه قنديل البحر.. كشف الطيار عن تفاصيل الحادثة، التي لم يسبق نشرها، لمسئولي الاستخبارات خلال جلسة استجواب بعد الحادث. وأثارت هذه التفاصيل على الفور عاصفة من الجدل داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكي، والتي لم يتم التوصل إلى حل لها حتى الآن.. إذا كان الطيار قد رأى بالفعل ما وصفه ـ تشكيل يتحرك في انسجام تام ـ فسيكون ذلك تقدمًا مثيرًا للقلق في قدرات الطائرات الإيرانية بدون طيار.
قال أحد المصادر المطلعة على رواية الطيار لشبكة CNN، «كانت هناك عدة طائرات بدون طيار متصلة ببعضها البعض وتتحرك كوحدة واحدة، حيث كانت الطائرات الأصغر حجمًا أسفل الطائرات الأكبر حجمًا كالأرجل.. شيء غريب حقًا».. وقال مصدر آخر، إن الطيار وصف مشاهدته «حقل ألغام من الطائرات بدون طيار» في الجو.. وبينما لا يزال التحقيق جاريًا في السبب الدقيق لإسقاط الطائرة، أشارت التقارير الأولية، إلى أنه من المحتمل أن يكون تشكيل الطائرات بدون طيار، قد مكّن إيران بطريقة ما من إسقاط الطائرة الأمريكية، بطاقمها المكون من شخصين، طيار وضابط أنظمة أسلحة.. وهي المقاتلة المرة الأولى التي يتم فيها إسقاط طائرة أمريكية فوق إيران خلال الصراع.
*
■■ وبعد..
كان التفوق العسكري للقوات المسلحة الأمريكية مرتبطًا لعقود من الزمن، بالتزامها بالحفاظ على ما يعرف باسم «النظام القائم على القواعد»، بالتعاون مع حلفائها.. وقد سمح هذا بنقل أهم السلع الاقتصادية ـ كالنفط ـ إلى جميع أنحاء العالم.. واستفادت من هذا النظام العالمي الولايات المتحدة التي أنشأته.. ولكن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يُشكِّك مرارًا وتكرارًا في هذا النظام بالذات.. وبحسب تصريحاته، فإن جميع الدول الأخرى «تستغل» الولايات المتحدة الأمريكية دون أن تقدِّم الكثير في المقابل.. ولذلك فقد دعا حلفاء الولايات المتحدة أيضًا إلى إنفاق المزيد من المال على الدفاع.. هنا، يقول المؤرخ تيموثي سنايدر، أن السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب «انتحارٌ للقوة العظمى».. والولايات المتحدة الأمريكية، بقيادة ترامب، «فككت تدريجيًا النظام الذي بنته واشنطن مع حلفائها لتأمين قوتها وازدهارها.. وقد أدت حرب إيران إلى تعزيز هذا الاتجاه، نحو تقويض النظام القائم على القواعد وإهانة حلفاء الولايات المتحدة.. وهذه الخطوات تقود نحو نظام عالمي جديدة، يتسم بزيادة العنف وعدم الاستقرار».
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين















0 تعليق