أكلُ حقوقِ الناسِ.. ظلماتٌ فى الدنيا وخزىٌ فى الآخرة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الأربعاء 24/يونيو/2026 - 01:54 م 6/24/2026 1:54:14 PM

الحمد لله الذى أقام السماوات والأرض بالعدل، وجعل الإنصافَ أساسَ العمران، وحذَّر من الظلم تحذيرًا شديدًا، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ المبعوث رحمةً للعالمين، القائل: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». صدق الله العظيم 
فما من داءٍ أفسد المجتمعات، وأورث الأحقاد، وقطع الأرحام، وأذهب البركات، مثل داء التهاون فى حقوق الناس وأكل أموالهم بالباطل. وإن المتأمل فى أحوال الأمم يرى أن كثيرًا من صور الفساد والخصومات والقطيعة إنما نشأت من جرأة النفوس على حقوق العباد، إذ يهون عند بعض الناس أن يظلم أخاه، أو يستولى على مال غيره، أو يحرم مستحقًا حقَّه، ناسيًا أن الله تعالى لا يغفل ولا ينسى، وأن حقوق العباد مبنية على المشاحة والاستيفاء.
لقد شدد القرآن الكريم فى التحذير من أكل الأموال بالباطل فقال سبحانه: «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ» (البقرة: 188).
وقال جل شأنه: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا» (النساء: 10).
أى وعيدٍ أشد من أن يتحول المال الحرام فى حقيقته إلى نارٍ تتأجج فى البطون قبل أن تتأجج فى الآخرة؟
ومن أبشع صور أكل الحقوق ما يقع فى بعض المجتمعات من حرمان المرأة من ميراثها الذى فرضه الله لها فى كتابه، فتُسلب حقوقها باسم العادات، أو تحت ذرائع واهية من قبيل المحافظة على الأرض أو المال أو العائلة. وكأن هؤلاء قد جعلوا أعرافهم فوق حكم الله، مع أن الله تعالى تولى بنفسه قسمة المواريث ولم يتركها لأهواء البشر، فقال سبحانه: «لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا» (النساء: 7).
فهو نصيبٌ مفروض، لا مِنَّةَ فيه لأحد، ولا يملك أحدٌ إسقاطه أو الانتقاص منه.
ومن صور الظلم كذلك الاستيلاء على أموال اليتامى والمساكين والضعفاء، فإن اليتيم لا يملك قوةً يدافع بها عن حقه، ولا سندًا يحمى ماله، فجعل الله تعالى الدفاع عنه عبادةً، والاعتداء عليه من أكبر الكبائر. وكذلك المساكين والفقراء الذين جعل الله لهم حقًا معلومًا فى أموال الأغنياء، فقال سبحانه:
«وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» (الذاريات: 19).
ومن أعظم الجرائم أن يتعاون الناس على الظلم بشهادة الزور، فيقف شاهدٌ باع ضميره بدنيا زائلة ليمنح الظالم غطاءً كاذبًا، فيضيع حق صاحب الحق ويُمنح الباطل ثوب الشرعية. وقد عدَّ النبى، صلى الله عليه وآله وسلم، شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكرر التحذير منها حتى قال الصحابة: ليته سكت من شدة ما رأوا من غضبه وتحذيره.
ومن صور أكل الحقوق التى تتسع آثارها وتعمُّ أضرارها: الاستيلاء على المال العام، فإن المال العام ليس مالًا مجهول المالك، بل هو حق الأمة كلها، وحق الفقير قبل الغنى، وحق الأجيال القادمة قبل الحاضرة. ومن يختلسه أو يعبث به أو يستغله لمنفعته الخاصة فإنما يسرق حقوق الملايين من الناس.
وقد قال الله تعالى: «وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (آل عمران: 161).
فسيأتى يوم القيامة حاملًا ما أخذه ظلمًا على ظهره، يفتضح أمام الخلائق جميعًا.
وقد جاءت السنة النبوية مؤكدةً عظم شأن حقوق الناس، فقال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم،: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ».
وقال أيضًا: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
أما أهل البيت عليهم السلام فقد أولوا العدل والحقوق أعظم العناية، فقال أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام:
«والله لو أُعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصى الله فى نملةٍ أسلبها جلب شعيرة ما فعلت».
وقال عليه السلام: «الظلمُ زَلَلُ القَدَم، وسَلَبُ النِّعَم، وهلاكُ الأمم».
وقال الإمام محمد الباقر عليه السلام: «الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يدعه الله؛ فأما الظلم الذى لا يدعه الله فالمداينة بين العباد».
وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «مَن ظلم مظلمة أُخذ بها فى نفسه أو فى ماله أو فى ولده».
وقال أيضًا: «من ظلم الناس كان الله خصمه دون عباده».
وإذا كان الله هو الخصم، فأنى للظالم النجاة؟
وما أصدق الشعراء حين صوروا عاقبة الظلم فقال أبو العتاهية:
أمَا وَاللَّهِ إِنَّ الظُّلْمَ شُؤمٌ
          وَمَا زَالَ المُسِىءُ هُوَ الظَّلُومُ
إِلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِى
            وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الخُصُومُ
وقال آخر:
لا تظلمنَّ إذا ما كنت مقتدرًا
            فالظلمُ ترجعُ عقباهُ إلى الندمِ
تنامُ عيناكَ والمظلومُ منتبهٌ
          يدعو عليكَ وعينُ اللهِ لم تنمِ
إن الظالم قد يظن أنه ربح مالًا أو أرضًا أو منصبًا، لكنه فى الحقيقة جمع على نفسه أوزارًا ثقيلة، وخسر راحة القلب وبركة الرزق ومحبة الناس، وقد يعجل الله له العقوبة فى الدنيا قبل الآخرة؛ فتضيق عليه معيشته، وتتفكك أسرته، ويذهب عنه الأمن والطمأنينة، ثم يقف بين يدى الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
فلنتقِ الله فى حقوق العباد، ولنعلم أن الدين ليس صلاةً وصيامًا فحسب، بل هو عدلٌ وأمانةٌ وإنصاف. ومن كان فى ذمته حقٌّ لأحد فليبادر إلى رده قبل أن يأتى يوم تُقتص فيه الحقوق بالحسنات والسيئات، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، ولا يبقى إلا العدل الإلهى الذى لا يضيع عنده حق، صغيرًا كان أم كبيرًا.
نسأل الله أن يطهر أيدينا من الحرام، وقلوبنا من الظلم، وأن يجعلنا من أهل العدل والإنصاف، وأن يرد الحقوق إلى أهلها، إنه سميع مجيب.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق