Advertisement
وفي انتظار أن تبدأ المفاوضات حول التفاصيل، حيث تسكن “الشياطين”، فإن قراءة موضوعية في حساب الربح والخسارة تُظهر أن الحرب المتقطعة التي يُفترض أن تنهيها هذه المفاوضات لا تزال عرضة للخطر.
وفي التفاصيل، فإن الوثيقة تضمنت أربعة عشر بنداً، تشمل وقف الحرب، ورفع الحصار، وسحب القوات الأميركية، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتعليق العقوبات. غير أن الاتفاق، بطبيعة كل تسوية تفاوضية، لم يكن انتصاراً مطلقاً لأيٍّ من الطرفين، بل تقاطعاً دقيقاً بين مكاسب موضعية وتنازلات مؤجلة إلى إشعار آخر.
أولاً: ما ربحته الولايات المتحدة
يُمثّل الملف النووي الرهان الاستراتيجي الأكبر لواشنطن، وقد خرجت منه بمكسب إعلاني واضح. أكدت المذكرة أن إيران لن تمتلك أو تصنع أسلحة نووية، فيما ستُحلّ مسألة مخزون اليورانيوم المخصّب عبر آلية متفق عليها بين الطرفين. وقد وصف مسؤول أميركي رفيع هذا التعهد الإيراني بأنه “انتصار كبير”، وإن ظلّت آليات التحقق رهينةً للمفاوضات التفصيلية المرتقبة.
أما على صعيد الملاحة الدولية، فقد التزمت إيران بالسماح بعودة حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب في غضون شهر. وهذا الإنجاز يتجاوز المصلحة الأميركية وحدها، ليرضي الحلفاء الأوروبيين وشركاء الخليج على حدّ سواء.
فضلاً عن ذلك، كسبت واشنطن ما يمكن تسميته “فرصة الستين يوماً”، إذ يلتزم الطرفان بالتفاوض والتوصل إلى اتفاق نهائي في غضون ستين يوماً كحدّ أقصى، قابلة للتمديد. هذه الفترة تمنح الإدارة الأميركية هامشاً لتوسيع نطاق الاتفاق ليشمل ملفات الصواريخ والوكلاء الإقليميين، وهي الملفات التي غابت تماماً عن النص الحالي، وثمة من يقول إن هذا الغياب كان متعمداً لتلافي خلافات كان يمكن أن تطيح بالاتفاق ككل.
ثانياً: ما خسرته الولايات المتحدة
في المقابل، دفعت واشنطن ثمناً لا يُستهان به، إذ تعهدت بسحب قواتها من محيط الجمهورية الإسلامية الإيرانية في غضون ثلاثين يوماً من تاريخ الاتفاق النهائي، ورفعت تدريجياً حصارها البحري ليكتمل خلال الفترة نفسها من التوقيع. وهذا الانسحاب يُفرغ جزءاً من ورقة الضغط العسكري التي طالما استندت إليها واشنطن في مفاوضاتها مع طهران.
أما الفاتورة الاقتصادية فهي أثقل، إذ تعهدت واشنطن بإعفاء النفط الإيراني والخدمات المصرفية المرتبطة به من العقوبات، فضلاً عن الإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة. وتحدثت التقارير عن مبلغ يصل إلى اثني عشر مليار دولار. والأخطر من ذلك أن المذكرة لا تتضمن أي بند يخصّ منظومة الصواريخ الإيرانية، وهو ما يُعدّه كثير من المنتقدين ثغرة استراتيجية جوهرية. ولم يُخفِ أكثر من عضو في الكونغرس مشاعرهم الرافضة للاتفاق، كما لم توفّر وسائل إعلام أميركية الرئيس ترامب من النقد اللاذع، الذي تزداد خطورته مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية.
ثالثاً: ما ربحته إيران
لا يختلف اثنان على أن طهران خرجت من هذه المذكرة برصيد سياسي يفوق ما حصلت عليه مادياً. فقد نجحت في انتزاع تعهد أميركي صريح بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية واحترام سيادة الجمهورية الإسلامية، وهو توصيف يمنحها شرعية دولية وازنة.
كما حافظت إيران على برنامجها النووي دون تفكيك، إذ اتفق الطرفان على الحفاظ على الوضع الراهن حتى التوصل إلى اتفاق نهائي، بينما لن تفرض الولايات المتحدة أي عقوبات جديدة، ولن تنشر قوات إضافية في المنطقة.
والأهم اقتصادياً أن إيران استعادت نَفَسها المالي: رفع حصار بحري خانق، وتصدير حر للنفط، وتدفق أصول مجمدة — وكلها مكاسب فورية لا تنتظر اتفاقاً نهائياً. كما تضمنت المذكرة تقديم خطط لإعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار، وإن بقيت هذه الأرقام في إطار التعهدات الإطارية البعيدة عن التنفيذ الفعلي، خصوصاً أن الرئيس ترامب جزم بأن طهران لن تحصل على دولار واحد إذا لم تنفذ الاتفاقات التي سيتم التوصل إليها.
رابعاً: ما خسرته إيران
بيد أن طهران لم تخرج من المفاوضات بيضاء الثوب، فقد قبلت، ولأول مرة، بنص مكتوب وموقّع، التعهد بخفض نسبة تخصيب اليورانيوم خلال مدة لا تتجاوز ستين يوماً، مما يُلزمها بجدول زمني يضيّق هامش المناورة أمام أي تصعيد مستقبلي.
كما أن فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية يُسقط إحدى أقوى أوراق الضغط التي تمتلكها في وجه الاقتصاد العالمي.
وقد نصّت المذكرة على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية، بما في ذلك الساحة اللبنانية، وهو بند يُقيّد قدرة طهران على استخدام أذرعها الإقليمية، وإن ظلّت آليات المراقبة غير مضمونة. والواضح أن القيادة الإيرانية استعملت الورقة اللبنانية حتى آخر لحظة، بدليل امتناعها عن حضور المفاوضات في جنيف ما لم يتوقف إطلاق النار بشكل شامل في لبنان، ما جعلها العرّاب الفعلي لوقف النار، وظهرت — كما هو الواقع أصلاً — الدولة الحامية للطائفة الشيعية في لبنان، من دون أن يشاركها أحد، وهو ما سينعكس لاحقاً سلباً على ملف المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن.
في الخلاصة، فإن مذكرة التفاهم هي، في جوهرها، اتفاقية هدنة لا سلام. أميركا ربحت نزع فتيل التصعيد النووي إعلانياً وإعادة فتح الممرات البحرية، لكنها تنازلت عن ورقة الضغط العسكري وأطلقت يد إيران اقتصادياً قبل حسم الملفات الكبرى. وإيران ربحت الاعتراف بسيادتها ورفع الخناق الاقتصادي والحفاظ على بنيتها النووية، لكنها قيّدت أذرعها الإقليمية وقبلت بمفاوضات نووية تفصيلية لم تكن لتقبل بها لولا وطأة الحرب.
في أي حال، فإن الستين يوماً المقبلة ستُحدّد من ربح فعلاً ومن دفع فاتورة التسوية!
غداً: لبنان وإسرائيل في مذكرة التفاهم









0 تعليق