لم تمضِ سوى أسابيع قليلة على انتخابات مجلس إدارة اتحاد الكتاب التي جرت في 10 أبريل 2026، حتى عادت الأزمات لتطل برأسها من جديد، وهذه المرة تهدد المقر التاريخي للاتحاد بشارع حسن صبري في الزمالك.
المقر التاريخي بالزمالك جزء من الذاكرة الثقافية المصرية وليس مجرد عقار
وفي هذا الصدد تحدث السيناريست عماد النشار في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، مشيرًا إلي رمزية المقر التاريخي للاتحاد: "في شارع حسن صبري بالزمالك، يقف مقر اتحاد كتّاب مصر شاهدًا على عقود من تاريخ الثقافة المصرية. بين جدرانه مرّت أسماء بحجم نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس، وتحولت قاعاته إلى مساحة للحوار والإبداع والدفاع عن حرية الكلمة.
لذلك فإن الحديث عن احتمال فقدان هذا المقر ليس مجرد خلاف على عقار أو أزمة إيجارية عابرة، بل قضية تمس واحدة من أهم المؤسسات الثقافية في مصر، وتمس جزءًا من الذاكرة الوطنية نفسها.
الأزمة لم تهبط فجأة من السماء ولم تكن مفاجأة لأحد
واستدرك: لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو كيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة؟، الحقيقة أن الأزمة لم تهبط فجأة من السماء ولم تكن مفاجأة لأحد، فمنذ سنوات طويلة كان واضحًا أن المقر التاريخي يواجه تحديًا قانونيًا حقيقيًا، خصوصًا مع مناقشة التشريعات المنظمة لعلاقة الدولة بالجهات المستأجرة، وصولًا إلى القانون رقم 10 لسنة 2022 الذي حدد مهلة تنتهي في مارس 2027 لإخلاء المقر.
أي أن الاتحاد امتلك سنوات كاملة للتحرك والتخطيط والتفاوض والبحث عن حلول بديلة تحفظ المؤسسة ومكانتها، ومع ذلك، لم يشهد أعضاء الجمعية العمومية خطة معلنة للدفاع عن المقر، أو تحركًا مؤسسيًا واسعًا مع الجهات المعنية بالدولة، أو حتى تصورًا متكاملًا لمستقبل الاتحاد بعد انتهاء المهلة.
الاتحاد امتلك حوالي 7سنوات للتحرك قبل انتهاء مهلة الإخلاء في مارس 2027 دون خطة واضحة
ولفت “النشار” إلي أنه تتجه أصابع المسؤولية السياسية والإدارية هنا إلى مجلس الإدارة الحالي برئاسة علاء عبدالهادي، الذي كان يملك الوقت الكافي للتعامل مع الملف قبل أن يتحول إلى أزمة وجودية تهدد مقر الاتحاد نفسه، فخلال سبع سنوات تقريبًا، لم تظهر نتائج ملموسة تؤكد نجاح جهود الحفاظ على المقر أو تأمين بديل يليق بمكانة اتحاد يمثل أدباء مصر.
وتابع أن الأكثر إثارة للجدل أن الاتحاد وجد نفسه منشغلًا بمشروع شراء أرض في منطقة السيدة زينب، بدلًا من التركيز على حلول أكثر استقرارًا وأقل تكلفة، ووفقًا لما أُعلن، فإن الأرض محل الدراسة تبلغ مساحتها نحو 700 متر مربع، وتقع في نطاق يشهد عمليات تطوير عمراني واسعة، ما أثار تساؤلات مشروعة حول جدوى المشروع ومستقبله.
كما أثار تشكيل اللجنة التي تولت تقييم الأرض اعتراضات واسعة بين أعضاء الجمعية العمومية، في ظل اتهامات بتجاوز الاختصاصات القانونية لمجلس الإدارة، فضلًا عن غياب التوافق المؤسسي الكامل بشأن مشروع قد تتجاوز تكلفته عشرات الملايين من الجنيهات.
القضية مجرد أزمة مقر بل تحولت إلى أزمة إدارة وأولويات ومسؤولية
واستطرد، هنا تبرز المفارقة المؤلمة؛ ففي الوقت الذي يعاني فيه كثير من الأدباء من أزمات تتعلق بالعلاج والمعاشات والخدمات الأساسية، يُطرح مشروع يحتاج إلى موارد مالية ضخمة قد تستنزف ما تبقى من إمكانات الاتحاد، من دون ضمانات كافية لنجاحه أو استمراره.
وأضاف ولعل ما يزيد من حدة الانتقادات أن هناك سوابق تثبت أن الحلول البديلة كانت ممكنة، ففي عهد الكاتب محمد سلماوي نجح الاتحاد في الحصول على مقر داخل قلعة صلاح الدين بحق انتفاع دون تحميل الأعضاء أعباء مالية، كما طُرحت آنذاك فرصة للحصول على مقر متميز على النيل بدعم من حاكم الشارقة، قبل أن تتعثر لأسباب معروفة، كما أن العديد من النقابات والهيئات المهنية استطاعت عبر التواصل المباشر مع مؤسسات الدولة الحصول على أراضٍ ومقار مناسبة دون المغامرة بأموال أعضائها.
من هنا لم تعد القضية مجرد أزمة مقر بل تحولت إلى أزمة إدارة وأولويات ومسؤولية، فحين تتراجع حماية المؤسسة أمام مشروعات محل جدل، وحين تغيب الرؤية الواضحة لسنوات طويلة، يصبح من حق أعضاء الجمعية العمومية أن يتساءلوا: من يتحمل مسؤولية وصول الاتحاد إلى هذا المنعطف الخطير؟
وواصل: وتزداد هذه التساؤلات مع الجدل الدائر حول شرعية استمرار القيادة الحالية، والخلافات المتعلقة باللوائح والإجراءات الانتخابية، وهي أمور يرى كثيرون أنها ساهمت في تعميق الأزمة بدلًا من احتوائها.
النشار يدعو لإعادة انتخاب رئيس الاتحاد وعقد جمعية عمومية طارئة لإلغاء لائحة 2025
وأشار إلى أن الطريق الأقصر والأكثر احترامًا لإرادة الجمعية العمومية ولمصالح أعضاء اتحاد الكتّاب يمر عبر ثلاث خطوات متتالية لا غنى عن أيٍّ منها.
أولها، أن تبادر أغلبية أعضاء مجلس الإدارة إلى إعادة انتخاب رئيس الاتحاد من بين صفوفهم، باعتبارها الصلاحية القانونية الأصيلة للمجلس، فالشرعية لا تُمنح بطول البقاء في المنصب، وإنما تُكتسب بصحة الاختيار وتجدد الثقة.
وثانيها، الدعوة إلى جمعية عمومية طارئة لإلغاء لائحة يوليو 2025 المطعون على مشروعيتها، وما أثارته من اعتراضات واسعة بشأن توافقها مع القانون وضمانات الشفافية وحقوق الأعضاء، إذ لا يمكن بناء مؤسسة مستقرة على قواعد محل نزاع وخلاف.
وثالثها، أن تنطلق القيادة الجديدة فور تشكيلها نحو الحل الحقيقي للأزمة، بالتوجه إلى مؤسسات الدولة للمطالبة بالإبقاء على المقر التاريخي للاتحاد أو توفير مقر حكومي يليق بتاريخ الكتّاب المصريين ورمزية مؤسستهم، بدلًا من استنزاف أموال الأعضاء في مشروعات شراء أراضٍ وإنشاءات باهظة التكلفة، بينما يقترب موعد الإخلاء وتضيق مساحة الوقت المتاحة لإنقاذ الموقف.















0 تعليق