رأى عدد من الخبراء السياسيين أن مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تمثل خطوة مهمة نحو خفض التوتر بين الجانبين، لكنها لا تعنى نهاية الخلافات، بل تؤسس لمرحلة جديدة من التفاوض حول الملفات الأكثر تعقيدًا، وفى مقدمتها البرنامج النووى الإيرانى، والعقوبات الاقتصادية، والدور الإقليمى لطهران.
ونبه الخبراء، خلال حديثهم مع «الدستور»، إلى أن نجاح الاتفاق سيظل مرهونًا بمدى التزام الطرفين ببنوده، خلال فترة التفاوض الممتدة لـ٦٠ يومًا، مشيرين إلى أن قضايا مثل أمن الملاحة فى مضيق هرمز، والنفوذ الإيرانى فى المنطقة، ستبقى من أبرز الملفات الخلافية التى ستحدد مصير أى تسوية نهائية بين الولايات المتحدة وإيران.
سعيد شاوردى: الملف النووى والعقوبات أبرز التحديات
قال الأكاديمى الإيرانى، سعيد شاوردى، إن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إدارة الخلافات بين البلدين، لكنه لا يعنى بالضرورة إنهاء الملفات الشائكة التى ظلت مصدر توتر بينهما لعقود.
وأوضح «شاوردى» أن أبرز القضايا الخلافية التى ستبقى مطروحة بعد الاتفاق يتمثل فى البرنامج النووى الإيرانى، والعقوبات الاقتصادية، والدور الإقليمى لطهران، إضافة إلى أمن الممرات البحرية الاستراتيجية وفى مقدمتها مضيق هرمز.
وأضاف الأكاديمى الإيرانى: «إيران والقيادة الإيرانية تنظر إلى الاستقرار الداخلى باعتباره عاملًا مهمًا فى تعزيز موقفها التفاوضى، فى وقت ترى فيه أن الضغوط الاقتصادية والسياسية لم تنجح فى تغيير مواقفها الأساسية تجاه عدد من القضايا الخلافية مع الولايات المتحدة».
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المقبلة، رأى «شاوردى» أن السيناريو الأكثر إيجابية يتمثل فى التزام الطرفين ببنود الاتفاق، واستكمال المفاوضات بشأن الملفات العالقة، بما يسهم فى خفض مستوى التوتر، وتحسين فرص الاستقرار الإقليمى.
أما السيناريو الثانى، فيتمثل فى استمرار الخلافات حول آليات تنفيذ الاتفاق أو تفسير بعض بنوده، ما قد يؤدى إلى تباطؤ مسار التفاهمات وظهور أزمات سياسية متكررة دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
بينما السيناريو الأكثر تعقيدًا يتمثل فى تعثر المفاوضات، أو انهيار التفاهمات القائمة، ما قد ينعكس على أمن الممرات البحرية وأسواق الطاقة، ويؤدى إلى تصاعد التوترات الإقليمية والدولية.
ورأى الأكاديمى الإيرانى أن مستقبل الاتفاق سيعتمد بدرجة كبيرة على مدى التزام الطرفين بالتفاهمات التى سيتم التوصل إليها، وقدرتهما على إدارة الملفات الخلافية، وفى مقدمتها البرنامج النووى، والعقوبات الاقتصادية، والقضايا المرتبطة بالأمن الإقليمى.
وختم بالقول: «أى عودة إلى التصعيد بين واشنطن وطهران ستكون لها انعكاسات تتجاوز حدود البلدين، نظرًا لارتباط الملف الإيرانى بمجموعة واسعة من القضايا الإقليمية والدولية، ما يجعل الحفاظ على مسار الحوار والتفاوض خيارًا مهمًا لجميع الأطراف المعنية».
حازم القصورى: انتقال من «المواجهة» إلى «إدارة التنافس» وفق قواعد جديدة
رأى حازم القصورى، الخبير فى الشئون السياسية والأمنية، أن مرحلة ما بعد الاتفاق الأمريكى الإيرانى لن تعنى بالضرورة انتهاء الخلافات بين الجانبين، بل انتقالها من مرحلة المواجهة والضغوط المتبادلة إلى مرحلة إدارة التنافس، ضمن قواعد جديدة تحكمها المصالح الاستراتيجية والتوازنات الإقليمية.
وأضاف الخبير فى الشئون السياسية والأمنية: «مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر حيوى لنقل الطاقة، بل تحول إلى نقطة ارتكاز جيوسياسية تؤثر بشكل مباشر فى الاقتصاد العالمى وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد، ما يجعله أحد الملفات الأساسية فى أى تفاهم طويل الأمد بين واشنطن وطهران».
وواصل: «الولايات المتحدة وإيران تتحركان حاليًا ضمن إطار (إدارة الصراع) أكثر من السعى إلى حسمه، إذ تواصل واشنطن استخدام أدواتها السياسية والاقتصادية لضبط السلوك الإيرانى، بينما تسعى طهران للحفاظ على عناصر قوتها الاستراتيجية، وتثبيت مكانتها كطرف رئيسى لا يمكن تجاوزه فى معادلات الأمن الإقليمى».
وأكمل: «إيران تحاول تعزيز موقعها التفاوضى عبر الاستفادة من موقعها الجغرافى وتأثيرها الإقليمى، فى حين تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق توازن دقيق بين احتواء التصعيد والحفاظ على نفوذها وشراكاتها الاستراتيجية فى منطقة الخليج».
وفيما يتعلق بسيناريوهات ما بعد الاتفاق، توقع «القصورى» أن تشهد المنطقة إعادة تشكيل تدريجية للتوازنات السياسية والأمنية، مع احتمال توسع مسارات الحوار الإقليمى وتراجع فرص المواجهة العسكرية المباشرة، لكنه أكد أن ذلك سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الطرفين على معالجة الملفات الخلافية العالقة.
وتابع الخبير السياسى والأمنى: «نجاح الاتفاق على المدى البعيد يعتمد على قدرة واشنطن وطهران على إدارة خلافاتهما بشأن النفوذ الإقليمى والملف النووى والعقوبات الاقتصادية، فأى تعثر فى هذه الملفات قد يعيد التوترات إلى الواجهة ويهدد مسار التفاهمات القائمة».
واختتم بقوله: «المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة جديدة من التوازنات الإقليمية والدولية فى ظل عالم يتجه نحو تعددية قطبية أكثر تعقيدًا، وتظل الممرات الاستراتيجية، وفى مقدمتها مضيق هرمز، عاملًا حاسمًا فى رسم ملامح النظام الإقليمى والدولى خلال السنوات المقبلة».
خالد شنيكات: دول المنطقة دعمت مسار التهدئة وإسرائيل العقبة الأكبر أمام التنفيذ
أوضح أستاذ العلوم السياسية الدولية الأردنى، الدكتور خالد شنيكات، أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران أُنجز من حيث المبدأ وأُعلن عنه، إلا أن المرحلة المقبلة ستتركز على التفاوض بشأن التفاصيل وآليات التنفيذ، فى ظل امتلاك كل طرف أوراق ضغط يمكن توظيفها لتعزيز مكاسبه.
ورأى «شنيكات» أن الموقفين الأمريكى والإيرانى باتا واضحين إلى حد كبير، مشيرًا إلى أن طهران ما زالت تحتفظ بأوراق مؤثرة، أبرزها قدرتها على التأثير فى أمن الملاحة عبر مضيق هرمز. فيما تواصل واشنطن استخدام أدوات الضغط الاقتصادية، من خلال العقوبات والحصار المالى والأصول الإيرانية المجمدة، إلى جانب التلويح بالخيار العسكرى.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية الدولية: «المجتمع الدولى بأسره لديه مصلحة مباشرة فى استقرار الأوضاع فى مضيق هرمز وعودة حركة الملاحة إلى طبيعتها، نظرًا لما يمثله المضيق من أهمية حيوية للاقتصاد العالمى، ليس فقط فيما يتعلق بتصدير النفط، بل أيضًا بحركة التجارة الدولية وشحنات المواد الخام والأسمدة وسلاسل الإمداد العالمية».
ونبه إلى أن أبرز التحديات التى قد تواجه الاتفاق يتمثل فى الموقف الإسرائيلى، موضحًا أن الحكومة الإسرائيلية والمعارضة تتفقان على رفض التفاهم مع إيران، وتعتبرانه اتفاقًا غير مقبول من الناحية الاستراتيجية.
وأضاف: «إسرائيل قد تحاول الفصل بين الاتفاق الأمريكى الإيرانى والملفات الإقليمية الأخرى، خاصة الجبهة اللبنانية، ما قد يخلق أزمات جديدة، ويهدد تنفيذ بعض الالتزامات الواردة فى الاتفاق، وربما يؤدى إلى تقويضه إذا تصاعدت التوترات الإقليمية».
وفيما يتعلق بسيناريوهات ما بعد الاتفاق، توقع «شنيكات» أن تسعى إيران إلى تعزيز علاقاتها مع دول الجوار، خاصة الدول العربية وتركيا وباكستان، بهدف توسيع دائرة الدعم الإقليمى للتفاهمات الجديدة، وترسيخ الاستقرار فى المنطقة.
وأضاف أن الإشارات الصادرة من بعض دول المنطقة تعكس دعمًا واضحًا لمسار التهدئة، مشيرًا إلى أهمية الدور الذى لعبته دول مثل السعودية وقطر وتركيا فى دعم جهود الوساطة والتفاوض.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فرأى أولوياتها الرئيسية تتمثل فى ضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام حركة التجارة العالمية، إضافة إلى التأكد من تنفيذ الالتزامات المرتبطة بالبرنامج النووى الإيرانى.
ونبه إلى أن الملف النووى لن يُغلق نهائيًا بتوقيع الاتفاق، بل سيظل أحد أبرز الملفات الخلافية بين الطرفين، وسيبقى خاضعًا لمفاوضات ومراجعات مستمرة خلال المرحلة المقبلة، ما يجعل نجاح الاتفاق مرتبطًا بقدرة واشنطن وطهران على إدارة خلافاتهما وتجنب أى تصعيد إقليمى قد يهدد التفاهمات القائمة.













0 تعليق