أكد الدكتور محمد الحناوي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، أن تصاعد عمليات المقاومة الوطنية ضد القوات البريطانية في منطقة القناة لعب دورًا مهمًا في دفع بريطانيا إلى إعادة حساباتها والعودة إلى طاولة المفاوضات مع مصر، وصولًا إلى توقيع اتفاقية الجلاء عام 1954.
وقال الحناوي، خلال فيلم «الجلاء» الذي عرضته القناة الوثائقية، إن جمال عبد الناصر نجح في استنزاف الوجود البريطاني داخل منطقة القناة، مشيرًا إلى أن القوات البريطانية أصبحت تشعر بأنها محاصرة داخل بيئة معادية، وهو ما انعكس حتى على المناقشات داخل البرلمان البريطاني، حيث تحدث عدد من النواب عن الخسائر التي تتعرض لها القوات البريطانية وصعوبة الأوضاع التي تواجهها في مصر.
من جانبه، أكد السفير ناجي غابة، مدير إدارة التوثيق والمحفوظات بوزارة الخارجية، أن مرحلة جديدة من المفاوضات بدأت في يناير 1954 بعد قرار بريطانيا استئناف المحادثات مع الجانب المصري، موضحًا أن المفاوضات دخلت مراحلها النهائية وصولًا إلى التوقيع على اتفاقية الجلاء في 19 أكتوبر 1954.
وأضاف أن الاتفاقية مثلت تتويجًا لسنوات من الكفاح السياسي والشعبي، وأن مراسم التوقيع جرت بصورة منظمة واختُتمت بإقرار الاتفاق الذي مهد لخروج القوات البريطانية من مصر.
وأشار الدكتور محمد الحناوي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، إلى أن إحدى أبرز اللقطات الرمزية في يوم التوقيع تمثلت في وجود صورة الزعيم أحمد عرابي معلقة على جدار البهو الفرعوني الذي مر عبره الوفد البريطاني، مؤكدًا أن الصورة لم تكن مجرد تفصيلة بروتوكولية، بل حملت رسالة سياسية واضحة من القيادة المصرية إلى بريطانيا.
وأوضح أن “عبد الناصر” أراد من خلال هذه الصورة التأكيد أن نضال المصريين ضد الاحتلال لم يبدأ مع ثورة يوليو، وإنما هو امتداد لمسيرة وطنية طويلة بدأت منذ ثورة أحمد عرابي واستمرت عبر أجيال متعاقبة حتى تحقق هدف الجلاء.
وأضاف أن الرسالة كانت واضحة ومفادها أن الرجل الذي حاولت بريطانيا هزيمته في الماضي ظل رمزًا للمقاومة الوطنية، وأن الشعب المصري واصل طريقه حتى امتلك دولة قادرة على التفاوض من موقع القوة وفرض انسحاب القوات البريطانية من أراضيه.
وأكد “الحناوي” أن صورة عرابي في يوم توقيع الاتفاقية جسدت ارتباط ثورة يوليو بجذور الحركة الوطنية المصرية، ورسخت فكرة أن الجلاء لم يكن انتصارًا لجيل بعينه، بل ثمرة نضال ممتد شاركت فيه أجيال متعاقبة من أبناء الوطن حتى تحقق الاستقلال الكامل.

















0 تعليق