الكلاب!

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

السبت 16/مايو/2026 - 11:50 م 5/16/2026 11:50:16 PM

لا علاقة لعنوان المقال بعزيز فى «حافية على جسر من الذهب»، أو طلعت مرجان فى «طائر الليل الحزين» أو القدير الراحل عادل أدهم! فحديثى هو عن الكلاب بشكل مباشر، أو عن الخناقة المصرية الحالية حول ظاهرة كلاب الشوارع. 
«١»
فاجأنا أحد نشطاء الكتابة السياسية على السوشيال ميديا «ع.ح»، والمعروف بمصداقيته واصطفافه فى خندق الدولة المصرية بمقالٍ عما اعتبرَه فتحًا كبيرًا وحلولًا لمشكلة الكلاب الضالة فى شوارع مصر. تحولت المفاجأة لصدمة حين قرأت المقال عدة مرات فوجدته خاليًا من أى حلول بخلاف بند «اختيار أفضل الكلاب وتأهيلها للقيام بأدوار معينة قام بإفراد باقى المقال لسردها»، أما باقى المقال فهو سبٌ بأفظع العبارات موجه لكل من يخالف رأيه وكيل الاتهامات لهم وخلطٌ لأمور لا تختلط، ثم كان الذهول وأنا أتابع ردوده بالغة العنف اللفظى على صاحب أى تعليق مخالف. 
نقطة بدء لازمة. المصريون ليسوا فى حاجة لمن يعلمهم قيم الرفق بالحيوان خاصة من منظمات تنتمى لدول متهمة فى شرف نخبتها وسلوكها السياسى بعدم الرفق ببراءة أطفال، وعدم اكتراث لقيمة الحياة نفسها، وتسبيح إبادة شعوب من أجل نهب مقدراتها. كما أن المصريين لم ينتظروا قدوم المسيحية ولا الإسلام ليتعلموا قيم الرفق بالحيوان. فحضارة مصر الأصيلة العريقة تكتظ بقيم الرحمة بالحيوان والإنسان. سجل الفن المصرى علاقة المصريين بحيواناتهم. القطة باستت والكلب سِت وغيرهما. نشأنا جميعًا فى مناطق لم تخلُ من وجود قطة أو كلب. نهرنا الصغار عن تعذيب الحيوان. فالقصة ليست فى خناقة بين فريقين، أحدهما رحيم والآخر متجبر. توصيف أى موضوع بشكل صحيح هو البداية الحقيقية للتعامل الصائب مع الموضوع. لذلك أذهلنى مقال الناشط السياسى حين حاول تصوير أزمة المصريين حاليًا مع كلاب الشوارع على أنها انتصار من قِبل هؤلاء المصريين لفتاوى دينية بائدة عن حرمة اقتناء الكلاب. هذا الطرح فاسد ومراوغ وباطل. 
«٢»
ما هى الأزمة؟ طبقًا لما نعرفه جميعًا تتلخص الأزمة فى تكاثر كلاب الشوارع فى السنوات الأخيرة بشكل ضخم وغير طبيعى. ترتب على ذلك وطبقًا لبيانات رسمية وجود آلاف الحالات من العقر فى الشوارع وانتشار لعدم أمان للأطفال والكبار، بالإضافة لتغييرات فى سلوك الكلاب. أرجع بعض المتخصصين هذه التغييرات لعدة عوامل، منها كثرة الأعداد وتكوين مجموعات أقرب للقطعان السائبة بما يصاحب ذلك من تغير فى سلوك أى حيوان. ثم طغت على السطح ظاهرة الأفراد الذين يقومون بتجميع فضلات السلخانات فى سيارات وإلقائها فى الشوارع لإطعام القطعان. 
حين كنا صغارًا نشأنا على إعلان الفنان الراحل يونس شلبى «فلاح كفر مطوبس»، وهو يرى أحدهم يلقى من شباك سيارته علبة فى نهر الطريق. يركض خلفه فيرد عليه ملقى القمامة فى عنجهية بالعبارة الشهيرة «دى زبالة يا جاهل!». كانت إعلانات توعوية لمنع إلقاء القمامة فى الشارع. الآن نحن فى مشهد عبثى خالص. سيدات ورجال متعلمون يقومون بمحاولة فرض استحقاق جديد وهو مشروعية إلقاء مخلفات المذابح فى الشوارع، وربما يكونون هم أنفسهم الذين يهاجمون ما يترتب على طقوس الأضاحى من مخلفات فى الشوارع ومداخل العمارات السكنية! ولفت الانتباه أن ذلك دائمًا مصحوب بتصوير لا ندرى لماذا ولمن. يحدث هذا فى مصر، بينما تجرم دولٌ أخرى الفعل ذاته، وبينما يضج نفس المصريين من تلال القمامة! هذا يعنى أن يكون لمواطن الحقُ فى السير بسيارته ثم التوقف أينما شاء وإلقاء مخلفاته فى شارع معين، وربما بصفة دورية لتوطين أعداد كبيرة من الكلاب فى هذا الشارع أو ذاك! 
يصمون آذانهم - وهم يتشدقون بقيم الرحمة - عن حالات اعتداء كلاب على أطفال صغار أو كبار السن، أو حتى عن خلق حالة رعب للبعض من مجرد النزول للشارع ليلًا فى ليالى الصيف. هذا خلل فى التفكير والمشاعر.
«٣»
ما تتعرض له مصر فى السنوات الأخيرة من محاولات لنشر الفوضى فى شوارعها يلقى بتلالٍ من الريبة على المشهد. وجود أعداد ضخمة تخرج عن الحد الآمن من حيوان بعينه فى الشوارع لا يمكنه أن يكون مشهدًا بريئًا رغم يقينى بحسن نوايا كثيرٍ ممن يدافعون عن حق الحياة والطعام للكلاب.
وجود هذه الأعداد يطرح كومة من الهواجس والتساؤلات.. ماذا لو توقف فجأة من عودوا تلك الحيوانات على إطعامهم من مخلفات المذابح؟! 
ما الذى سوف يترتب عليه من تغير فى سلوك هذه القطعان؟ كيف سيحاولون الحصول على ما كان يتم إلقاؤه إليهم؟! 
ماذا عمن يحملون أطعمة وهم يسيرون وسط هذه القطعان؟ وماذا لو فى لحظة معينة اندس بين من يقومون بهذا الإطعام من تم شراؤهم لتنفيذ مخطط بعينه كمزج هذه اللحوم من مخلفات المذابح بعقاقير موجهة لتغيير السلوك الحيوانى ثم نفاجأ على طريقة أفلام العم سام بتوحش هذه الكلاب؟
بل ماذا لو كانت هناك ساعة صفر لا نعلمها يتم فيها استغلال هذه المخلوقات البريئة فى عمليات تفخيخ أو إرهاب بدلًا من المغامرة بأفراد؟! ألم تكن الكلاب هى أداة إشعال الحرائق قديمًا فى القرى؟! ألم يتم استخدام الكلاب بالتفخيخ فى غزو العراق؟! 
ماذا لو كانت الخطة - بعد التسمين هى توجيه حرب فيروسية للمصريين يتم نشرها عن طريق هذه القطعان؟ 
هل هناك مَن فكر فى هذه السيناريوهات وكيفية مواجهتها؟ 
ومن الأساس هل هناك رقابة بيطرية على كل ما تحتويه هذه السيارات التى تتوقف فجأة لتلقى مخلفاتها؟ هل قامت جهات مختصة بفحص ما تم نشره عن البيزنس الأسود الخاص بقضية كلاب الشوارع؟ وليت الأمر يتوقف عند حد البيزنس الأسود، لكننى أتشكك فى المشهد برمته وفيما يمكن أن نفاجأ به يومًا ما. إننى أدق أجراس الخطر فى فترة ندرك جميعًا حقيقة استهداف مصر. 
«٤»
أنا شخصيًا أحب الكلاب والقطط، وككل المصريين قمت بإطعام بعضها حين كان الأمر طبيعيًا، وكان هناك كلب أو اثنان فى كل منطقة يعرفهما كل السكان. لكن ما نتحدث عنه الآن يبدو بشكل قاطع أنه ممنهج للوصول لأهداف لا أعلمها تمامًا، لكن الريبة واضحة. وأنا لا أنادى بإبادات جماعية لتلك المخلوقات، رغم أن مصر قد فعلت شيئًا مشابهًا منذ سنوات قليلة مع مخلوقات حية أخرى هى الخنازير. وقتها لم نسمع صراخًا أو شحتفة كما نسمعها الآن، رغم أن الخنازير أيضًا كائنات حية، ورغم أنها كانت تمثل موردًا اقتصاديًا مهمًا لمصر. 
لم أكتب عن قصة الكلاب سابقًا، لأن القصة كانت وما زالت محيرة، لأننا تركنا كرة الثلج تتصخم حتى وصلت إلى ما نحن فيه الآن. لم أجد فى عقلى حلًا جذريًا واقعيًا ويكون أيضًا رحيمًا. 
لكننى وجدت الأهم. وجدت دستورًا مصريًا يحدد العلاقة بين الحكومة والمواطنين. هذا الدستور يلزم الحكومة بمسئوليتها عن تحقيق الأمان للمواطن المصرى فى الشارع. الحكومة المصرية - بما تملكه من أجهزة ومؤسسات وعلماء متخصصين - مطالبة ومسئولة عن تحقيق غايتين تبدوان متناقضتين. الغاية الأولى هى تحقيق الأمان للمواطنين لأنفسهم وأطفالهم. والغاية الثانية هى تحقيق مبدأ الرحمة. لست متخصصًا لكى أعرف كيف يتم تحقيق ذلك، لكننى أعلم أن الدولة يمكنها فعل ذلك. الدولة مستقلة السيادة والقرار ويمكنها - بحقها السيادى الدستورى - أن تتخذ ما تراه ممكنًا وحتميًا لتحقيق هاتين الغايتين دون الخضوع لابتزاز جهات لا نعلم ما الذى تخططه لمصر تحديدًا. 
لا مجال هنا للسماجة بالرد أن هناك من ظواهر عدم الأمان فى الشوارع ما يجعل قضية الكلاب ثانوية. هذا الطرح تنطعٌ مذموم فى غير موضعه. فنحن نطالب الدولة بكامل مسئولياتها وليس فقط التصدى لقضية ملايين الكلاب الضالة. كما أن القضية لم تعد ثانوية بالرجوع للبيانات الرسمية، ففى محافظة واحدة فى فترة لم تتجاوز عدة أسابيع بلغت حالات العقر أكثر من ثمانية آلاف. على الذين يسخرون من هذه الحالات أن يراجعوا أنفسهم وضمائرهم وأن يسمعوا صراخ طفل واحد يطارده قطيع كلاب وهو ذاهب إلى مدرسته صباحًا. كما أن عليهم مراجعة ما تتخذه الدول المتقدمة حيال أمن مواطنيها إذا ما تعرض عدة مواطنين لحالات مهاجمة من أى حيوانات فى الشوارع. ما الذى يمكن أن تفعله مثلًا إنجلترا أو فرنسا أو حتى أى دولة خليجية؟. ما أقوله سمعته حرفيًا من غربيين وهم فى حالة ذهول مما يرونه من أعداد الكلاب فى الشوارع أو من القاذورات والمخلفات. عفوًا فالشارع فى أى دولة حقيقية هو للمشاة والمركبات، وقد يصدف مرور حيوان أو بضعة حيوانات، لكن أن يتحول الشارع لأماكن توطين وسكن لملايين الكلاب فهذا جنون خالص. ونعم هناك مشكلة كبرى فى مصر تتحمل الحكومة مسئولية تركها حتى وصلت لهذا الحد. 
قانونًا فالملكية الخاصة من حق أصحابها اقتناء الحيوانات، لكن الشارع ملكية عامة للجميع وتحكمه قوانين الدولة، ولا يحق لمجموعة ما أن تفرض رؤيتها بما يهدد أمان وسلامة وحياة الآخرين. لا يحق لأحد أن يمنع اقتناء الحيوانات لمن يريد، لكن الوجه الآخر للعملة أو لهذا الحق هو حق الآخرين فى أن توفر لهم الدولة الأمان. لقد بلغ الأمر مبلغ الجد ولا مجال للخضوع لابتزاز جمعيات أو منظمات تعمل لصالح أجندات غامضة.
«٥»
إننى أُحمّل رئيس الحكومة المسئولية الكاملة لتحقيق الأمان للمصريين فى الشارع وأن يكلف أجهزة حكومته المختصة بالقيام بدورها الدستورى. حالة عقر واحدة كانت تكفى لكى تنهض هذه الأجهزة وتضطلع بمسئولياتها. والآن لدينا أرقام رسمية تستدعى أن يقوم مجلس النواب بتقديم استجواب للحكومة عن دورها السلبى فى هذه القضية حتى تحول الأمر أو كاد إلى فتنة مجتمعية كبرى. أين تفعيل دور أجهزة الرقابة البيطرية على مشهد الشارع؟ أين قوانين ردع إلقاء المخلفات الناقلة للأمراض فى الشوارع؟ ماذا تنتظر حكومة د. مدبولى لحسم هذا الخطر السائب فى شوارع مصر؟! 
 

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق