أمسكتُ برأسى الزجاجى لأنظفه كعادتى، أعتنى به جيدًا هذه الأيام حتى لا يتلف أو يُخدش، فأين لى بآخر غيره وقد ارتفعت أسعار الرءوس كثيرًا؟. أحسنتُ تلميعه وتثبيته، فانعكست عليه أشعة الشمس ورأيتُ الألوان.
العالم جميل... هكذا أراه حينما أخرج للحياة كل يوم، الجميع من حولى برءوسٍ لامعة ملساء، تَبزُغ الألوان إلى عيونهم بفعل الشمس المتسربة عبر الزجاج.
لفت نظرى فى ذلك اليوم رجلٌ برأسٍ مشروخ. كان عابس الوجه، فلم تعد أشعة الشمس تعكس ألوانها فى عينيه، وتعجبتُ كيف يطيق الحياة على هذا النحو! كان شرخ رأسه يزداد عمقًا واتساعًا يومًا بعد يوم، ومع كل خطوة تتساقط الألوان منه حتى صار باهتًا بلا لون، تمامًا كالحياة فى الأفلام القديمة.
ظننته سيفقد حياته بعد تهشم رأسه، شعرتُ بالشفقة عليه، واندفعتُ نحوه مُسرعة وأنا أتمايل مع ثقل رأسى الزجاجى الملمّع، ولكن ما إن اقتربتُ حتى انفجر رأسه، لم يكن الصوت وحده ما أربكنى، بل شظايا الزجاج المتناثرة فى الهواء، حتى إن قطعة منها أصابت رأسى فخلّفت ثُقبًا صغيرًا فيه.
توقفتُ للحظة، لم يلتفت أحد، كأن شيئًا لم يحدث، أمّا هو.. فقد كان يبتعد، لا يسقط، بل يرتفع عاليًا. تأملته بعدها كيف حلّق بعيدًا فى السماء، كان يَمد ذراعيه فى الفراغ، فيَصعد جسده أكثر فأكثر عن الأرض حتى ذاب فى الهواء، ولكن الغريب فى الأمر أننى سمعتُ صوت ضحكة قوية تصدر عنه. نظرتُ حولى، فإذا الجميع يتحرك الحركة ذاتها، ورءوسهم الزجاجية تنعكس عليها الأشعة نفسها فتَشِع الألوان.
ولكن شيئًا غريبًا حدث!... أحسستُ أن الألوان فى عينى أصبحت أقل حدّة وقوة، ونَسمة غريبة الرائحة تلامس وجهى، دون أن أعرف السبب!
وكدتُ أُجَنُّ حتى تذكرتُ ذلك الثقب، ذاك الذى سَبَّبه انفجارُ رأس الرجل. شَعرتُ بالرعب والغرابة فى آن واحد، ولكن شعورًا آخر بدأ يتسلل إلىَّ.. الفضول.
حاولتُ الاستغاثة بمن حولى، لكنهم لم يكترثوا لأمرى مثلما فعلوا مع الرجل، ظلوا فى حركاتهم الرتيبة ذهابًا وإيابًا، لا يرون شيئًا سوى انعكاس تلك الألوان على أعينهم.
ولكن الأغرب أن ذلك الثقب لم يكن يعكس شيئًا، لا يدخل منه ضوء، ولا تنعكس عليه أشعة. ومازاد من خوفى أننى لاحظتُ اتساعه أكثر مما مضى، مشهدٌ شاهدته من قبل ويتكرر معى ثانية.
صرختُ بكل قوتى، لكن لا أحد يسمع، لا أحد يرى، وشيئًا فشيئًا تلاشت الألوان، ولكن رغم ذلك أحسستُ بشىء لم أشعر به من قبل، بَدَأتْ تلك النَسمة غريبة الرائحة تَقوى مع اتساع الثقب- الذى أصبح شرخًا كبيرًا يهدد رأسى الزجاجى-، وشَعرتُ بأن رئتى تتسعان لأول مرة، لم تُزعجنى الرائحة بل على العكس، كنتُ مسترخية وفى نشوةٍ غير مفهومة.
«لماذا اقتربتُ من الرجل من الأساس؟! أنا السبب فيما وصلتُ إليه جِراء فعلتى، هل سألقى المصير نفسه؟» هاجمتنى التساؤلات، بينما ذلك الشرخ مستمر فى التمدد أكثر، وفجأة.. تحطم الزجاج!
خليطُ من المشاعرِ دَبَّ فى قلبى، ما بين الانهيار، محاولة الاستيعاب، والخوف مما يحدث، مع أُمنية دفينة فى الخلاص.
سَقَط الرأس الزجاجى على الأرض، نظرتُ حولى لأجدنى فى عالمٍ آخر غير ذاك الذى عشتُ بداخله طوال حياتى. رأيتُ هؤلاء البشر تَسْحَبُهم رءوسُهم، بينما أقدَامُهم لا تُلامس الأرض حتى وإن ظنوا ذلك، ولأول مرة أرفعُ بصرى إلى الشمس التى كانت لا تزال هناك، هذه المرة لم تعكس ألوانها، بل كشفتْ بيقينٍ عمَّا يُحيط بى.
كنتُ أكثر خفة وحيوية، ودون إرادةٍ منى، وَجَدتُنى أَمُدُّ يدى كما فَعل الرجلُ سابقًا، أُحرك أقدامى، وكأننى أسبحُ فى السماء، فيطيرُ جسدى عاليًا، ومعه تتحرر روحى للمرة الأولى.


















0 تعليق