في كل مرة يعود فيها ملف العفو العام إلى الواجهة، يعود معه السؤال نفسه حول قدرة الدولة اللبنانية على إنصاف المظلومين وتصحيح الثغرات القضائية من دون الانزلاق نحو تسويات سياسية تمسّ هيبة القانون والمؤسسات. فالإشكالية لم تعد في مبدأ العفو وحده، ولا في ضرورة مراجعة ملفات موقوفين طالت محاكماتهم، وإنما في محاولة جمع قضايا شديدة التباين في سلّة واحدة، بما يهدد بتحويل العفو من مساحة تصحيح إلى مدخل لخلط الملفات وتسوية الحسابات.
عمليًا، لا يقتصر الملف على بعد إنساني أو قضائي، على أهميتهما. فخلف العفو العام تتقاطع حسابات طائفية ومناطقية وانتخابية، وتدخل على خطه كتل سياسية تسعى إلى تحقيق مكاسب لجمهورها. في المقابل، تخشى قوى أخرى أن يتحوّل القانون إلى باب خلفي لإسقاط أحكام أو ملاحقات في قضايا لا يمكن التعامل معها بخفة. عند هذه النقطة، يتحوّل العفو من أداة إنصاف إلى اختبار لقدرة الدولة على الفصل بين الظلم الذي يجب رفعه، والجريمة التي لا يجوز تبييضها.
ومن هنا، تبدو المعركة الحالية أبعد من مجرد نص قانوني يُناقش في أروقة البرلمان. إنها معركة على "معنى الدولة" ذاتها، وعلى قدرتها على الاعتراف بأخطاء نظامها القضائي من دون أن تقع في خطأ أكبر. فهل تذهب السلطة نحو مقايضة سياسية تُرضي الجميع على الورق وتعمّق الشعور باللاعدالة، أم تنجح في إنتاج مراجعة حقيقية تنصف الموقوفين الذين يستحقون فعلًا إعادة النظر في ملفاتهم، من دون المساس بحقوق الضحايا أو كرامة المؤسسات؟
ضرورة الإنصاف لا تعني العفو المفتوح
لا يمكن إنكار وجود ملفات داخل السجون اللبنانية تستوجب مراجعة فورية. فهناك موقوفون قضوا سنوات في انتظار حكم لم يصدر، وآخرون تحوّلوا إلى أرقام منسية في ظل بطء القضاء واكتظاظ الزنازين. في ظل هذا الواقع، يصبح البحث عن مخرج قانوني ضرورة أخلاقية وقضائية لرفع الظلم عن فئة دفعت أثمانًا باهظة نتيجة قصور الأداء المؤسساتي، بعدما تحوّلت مدة التوقيف نفسها إلى عقوبة مسبقة.
لكن هذه المظالم لا تبرر، بأي حال من الأحوال، منح صك براءة واسع وغير منضبط يمحو الفوارق القانونية والجرائم الجسيمة. فالإنصاف الحقيقي يتطلب تمييزًا دقيقًا بين من يحتاج حلًّا قانونيًّا عادلًا بسبب تعثّر الإجراءات، وبين من ارتكب جرائم مسّت أمن الدولة وأرواح العسكريين والمدنيين. فمساواة هؤلاء بأولئك لا تُعد إنصافًا، وتبدو أقرب إلى طعنة في جوهر العدالة ذاتها.
وإذا كانت الدولة مطالبة بتصحيح الخلل حيث وقع، فهي مطالبة أيضًا بعدم خلق خلل أكبر عبر قانون يختصر العدالة بتسوية سياسية عامة. من هنا، تبدو الصيغة المطلوبة دقيقة وحساسة في آن واحد، إذ يفترض أن تكون محكومة باستثناءات واضحة لا تحتمل التأويل، وبمعايير قضائية صارمة لا سياسية. أما الخلط بين القضايا، فهو ما يفرغ العفو من قيمته الإنسانية، ويحوله إلى أزمة جديدة تُضاف إلى سجل الأزمات القديمة التي لم تجد طريقها إلى الحلّ.
هيبة الدولة والخط الفاصل بين السياسة والقضاء
لعلّ أخطر ما في النقاش الدائر حاليًا هو أن الدولة تبدو مرة جديدة أمام امتحان قدرتها على رسم خطوط حمراء ثابتة لا تقبل المساومة، خصوصًا في القضايا التي تمسّ كرامة المؤسسة العسكرية. فهناك فارق شاسع بين معالجة أوضاع موقوفين لم تثبت بحقهم جرائم خطيرة، وبين إدخال قتلة العسكريين أو المتورطين بملفات إرهابية أو جرائم كبرى في أي تسوية. المسألة هنا أخلاقية بامتياز، وترتبط بالحد الأدنى من احترام الدولة لمن سقطوا في خدمتها، وللمؤسسات التي تطلب من عناصرها كل يوم أن يحموا الأمن تحت سقف القانون.
أي عفو لا يراعي هذه الحساسية سيصطدم حتمًا بسؤال أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا: كيف للدولة أن تطلب من عسكري أن يحمي أمنها إذا كانت مستعدة لإسقاط المحاسبة عمن استهدفه في لحظة تسوية عابرة؟ لذلك، فإن حماية هيبة الدولة لا تعني تجاهل المظالم، وإنما تعني امتلاك شجاعة التصحيح من دون التنازل عن العدالة، والقدرة على العفو حيث يجوز، من دون تحويله إلى رسالة ضعف أو مكافأة للجريمة.
قد تكون المشكلة الأساسية في ذلك أن لبنان غالبًا ما يتعامل مع القوانين الحساسة بمنطق الصفقات لا بمنطق المؤسسات، الأمر الذي يغيّب النقاش الجدي حول إصلاح القضاء وتسريع المحاكمات. لهذا، قد يكون النقاش الحالي فرصة لاختبار مختلف. فبدل أن يتحوّل العفو إلى "بازار سياسي" بين الكتل، يمكن أن يتحوّل إلى مدخل لمراجعة أوسع: من يقرر الاستثناءات؟ ما هي المعايير؟ كيف تُحمى حقوق الضحايا؟ وكيف يُمنع استخدام العفو في الاستحقاقات السياسية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي ما يحدد ما إذا كان القانون سينتج عدالة حقيقية أو سيضيف جرحًا جديدًا إلى الذاكرة الجماعية. فاللبنانيون لا يحتاجون إلى قانون ينتصر لفئة على أخرى وفق منطق الغالب والمغلوب، ولا إلى عفو عام يُقدَّم كهدية سياسية. ما يحتاحونه عمليًا هو مقاربة توازن بين إنصاف المظلوم وعدم إسقاط الجريمة، لأن هيبة الدولة لا تُبنى بالقسوة وحدها، ولا بالتسامح غير المشروط. فبين المظلوم والقاتل مساحة واسعة يفترض أن يملأها القانون، لا الصفقات.
Advertisement
عمليًا، لا يقتصر الملف على بعد إنساني أو قضائي، على أهميتهما. فخلف العفو العام تتقاطع حسابات طائفية ومناطقية وانتخابية، وتدخل على خطه كتل سياسية تسعى إلى تحقيق مكاسب لجمهورها. في المقابل، تخشى قوى أخرى أن يتحوّل القانون إلى باب خلفي لإسقاط أحكام أو ملاحقات في قضايا لا يمكن التعامل معها بخفة. عند هذه النقطة، يتحوّل العفو من أداة إنصاف إلى اختبار لقدرة الدولة على الفصل بين الظلم الذي يجب رفعه، والجريمة التي لا يجوز تبييضها.
ومن هنا، تبدو المعركة الحالية أبعد من مجرد نص قانوني يُناقش في أروقة البرلمان. إنها معركة على "معنى الدولة" ذاتها، وعلى قدرتها على الاعتراف بأخطاء نظامها القضائي من دون أن تقع في خطأ أكبر. فهل تذهب السلطة نحو مقايضة سياسية تُرضي الجميع على الورق وتعمّق الشعور باللاعدالة، أم تنجح في إنتاج مراجعة حقيقية تنصف الموقوفين الذين يستحقون فعلًا إعادة النظر في ملفاتهم، من دون المساس بحقوق الضحايا أو كرامة المؤسسات؟
ضرورة الإنصاف لا تعني العفو المفتوح
لا يمكن إنكار وجود ملفات داخل السجون اللبنانية تستوجب مراجعة فورية. فهناك موقوفون قضوا سنوات في انتظار حكم لم يصدر، وآخرون تحوّلوا إلى أرقام منسية في ظل بطء القضاء واكتظاظ الزنازين. في ظل هذا الواقع، يصبح البحث عن مخرج قانوني ضرورة أخلاقية وقضائية لرفع الظلم عن فئة دفعت أثمانًا باهظة نتيجة قصور الأداء المؤسساتي، بعدما تحوّلت مدة التوقيف نفسها إلى عقوبة مسبقة.
لكن هذه المظالم لا تبرر، بأي حال من الأحوال، منح صك براءة واسع وغير منضبط يمحو الفوارق القانونية والجرائم الجسيمة. فالإنصاف الحقيقي يتطلب تمييزًا دقيقًا بين من يحتاج حلًّا قانونيًّا عادلًا بسبب تعثّر الإجراءات، وبين من ارتكب جرائم مسّت أمن الدولة وأرواح العسكريين والمدنيين. فمساواة هؤلاء بأولئك لا تُعد إنصافًا، وتبدو أقرب إلى طعنة في جوهر العدالة ذاتها.
وإذا كانت الدولة مطالبة بتصحيح الخلل حيث وقع، فهي مطالبة أيضًا بعدم خلق خلل أكبر عبر قانون يختصر العدالة بتسوية سياسية عامة. من هنا، تبدو الصيغة المطلوبة دقيقة وحساسة في آن واحد، إذ يفترض أن تكون محكومة باستثناءات واضحة لا تحتمل التأويل، وبمعايير قضائية صارمة لا سياسية. أما الخلط بين القضايا، فهو ما يفرغ العفو من قيمته الإنسانية، ويحوله إلى أزمة جديدة تُضاف إلى سجل الأزمات القديمة التي لم تجد طريقها إلى الحلّ.
هيبة الدولة والخط الفاصل بين السياسة والقضاء
لعلّ أخطر ما في النقاش الدائر حاليًا هو أن الدولة تبدو مرة جديدة أمام امتحان قدرتها على رسم خطوط حمراء ثابتة لا تقبل المساومة، خصوصًا في القضايا التي تمسّ كرامة المؤسسة العسكرية. فهناك فارق شاسع بين معالجة أوضاع موقوفين لم تثبت بحقهم جرائم خطيرة، وبين إدخال قتلة العسكريين أو المتورطين بملفات إرهابية أو جرائم كبرى في أي تسوية. المسألة هنا أخلاقية بامتياز، وترتبط بالحد الأدنى من احترام الدولة لمن سقطوا في خدمتها، وللمؤسسات التي تطلب من عناصرها كل يوم أن يحموا الأمن تحت سقف القانون.
أي عفو لا يراعي هذه الحساسية سيصطدم حتمًا بسؤال أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا: كيف للدولة أن تطلب من عسكري أن يحمي أمنها إذا كانت مستعدة لإسقاط المحاسبة عمن استهدفه في لحظة تسوية عابرة؟ لذلك، فإن حماية هيبة الدولة لا تعني تجاهل المظالم، وإنما تعني امتلاك شجاعة التصحيح من دون التنازل عن العدالة، والقدرة على العفو حيث يجوز، من دون تحويله إلى رسالة ضعف أو مكافأة للجريمة.
قد تكون المشكلة الأساسية في ذلك أن لبنان غالبًا ما يتعامل مع القوانين الحساسة بمنطق الصفقات لا بمنطق المؤسسات، الأمر الذي يغيّب النقاش الجدي حول إصلاح القضاء وتسريع المحاكمات. لهذا، قد يكون النقاش الحالي فرصة لاختبار مختلف. فبدل أن يتحوّل العفو إلى "بازار سياسي" بين الكتل، يمكن أن يتحوّل إلى مدخل لمراجعة أوسع: من يقرر الاستثناءات؟ ما هي المعايير؟ كيف تُحمى حقوق الضحايا؟ وكيف يُمنع استخدام العفو في الاستحقاقات السياسية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي ما يحدد ما إذا كان القانون سينتج عدالة حقيقية أو سيضيف جرحًا جديدًا إلى الذاكرة الجماعية. فاللبنانيون لا يحتاجون إلى قانون ينتصر لفئة على أخرى وفق منطق الغالب والمغلوب، ولا إلى عفو عام يُقدَّم كهدية سياسية. ما يحتاحونه عمليًا هو مقاربة توازن بين إنصاف المظلوم وعدم إسقاط الجريمة، لأن هيبة الدولة لا تُبنى بالقسوة وحدها، ولا بالتسامح غير المشروط. فبين المظلوم والقاتل مساحة واسعة يفترض أن يملأها القانون، لا الصفقات.













0 تعليق