أصدرت لجنة الفتوى والإرشاد الخاصة بموسم الحج 1447هـ بيانًا يتعلق بأحكام المبيت بمشعر منى، في ظل ما يشهده الموسم الحالي من كثافة عددية كبيرة ومحدودية في المساحات المخصصة للحجاج، مؤكدة أن الشريعة الإسلامية قائمة على رفع الحرج والتيسير وحفظ النفس البشرية.
وجاء في نص بيان وزارة الشؤون الدينية والأوقاف :
"نظراً لما يشهده موسم الحج هذه السنة من كثافة عددية هائلة، وما تفرضه محدودية المساحة في مشعر منى من ازدحام وتدافع قد يفضي إلى مفاسد محققة، وصوناً لكرامة الحاج وتفادياً لما يُنبه في الطرقات والممرات بما لا يليق بالكرامة الإنسانية، فإن اللجنة تقرر ما يلي:
أولاً: بالنسبة للعجزة والمرضى والمرافقين لهم والقائمين على شؤونهم
أ. يُشرع لأصحاب الأعذار من المرضى، وكبار السن، والنساء الحوامل ومرافقيهم ومن يقوم على خدمتهم، ترك المبيت بمنى طيلة أيام التشريق، والتوجه إلى فنادقهم بمكة المكرمة، ولا يترتب عليهم شيء. وذلك استناداً إلى الأدلة الآتية:
1. إذن النبي ﷺ لعمه العباس بن عبد المطلب بترك المبيت بمنى من أجل "السقاية"، وكذا ترخيصه ﷺ لرعاة الإبل في ذلك، وقياس الأولى يقتضي أن الحفاظ على الأرواح والنفوس البشرية من الزحام والتهلكة أولى وأعظم حرمة من مصلحة السقاية ورعاية الإبل.
2. حفظ النفس البشرية التي هي من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية، وهي الضرورة التي دارت عليها أحكام الشريعة ومنها مناسك الحج.
3. إعمال القواعد الشرعية كقاعدة "المشقة تجلب التيسير"، و"إذا ضاق الأمر اتسع"، و"الضرر يزال"، فحيث وجدت المشقة غير المعتادة أو لحق ضرر بالحجاج، كان التيسير هو حكم الله تعالى في عباده.
4. إعمال قاعدة "يتغير الحكم بتغير الزمان والمكان والأحوال"، والمبيت بمنى هو وسيلة لا غاية لذاته.
5. إن وجوب المبيت بمنى - عند من قال به - مشروط بالاستطاعة، فإذا انعدم المكان أو تعذر الوصول إليه إلا بمشقة كبيرة، سقط التكليف، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ سورة التغابن/16، ولقوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
6. إن هذا الرأي قول جمع من الأئمة الأعلام كالحسن البصري والإمام أبي حنيفة، وقول في مذهب الإمام الشافعي وابن حزم الأندلسي رحمهم الله تعالى، حيث ذهبوا إلى أن المبيت بمنى سنة وليس بواجب، مما يجعل الأمر فيه سعة وفسحة للحاج.
ب. في هذه الحالة وتيسيراً على هذه الفئات، تجوز النيابة في رمي الجمرات، دفعاً للحرج وصوناً للأبدان، ولا يترتب عليهم شيء.
ثانياً: بالنسبة للقادرين:
أما الأصحاء القادرون الذين وجدوا مكاناً يبيتون فيه دون تضييق على الضعفاء، فعليهم المبيت بمنى ويتحقق ذلك بالمكث بمكة جزءاً من الليل (أي أكثر من نصفه)، ويجوز لهم بعدها المغادرة إلى فنادقهم، مع العودة لرمي الجمرات قبل غروب الشمس.
نداء للأخوة والإيثار:
تهيب اللجنة بالشباب والأصحاء من حجاجنا الميامين استحضار خلق "الإيثار"، وتطبيق قاعدة "تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة"، فإن ترككم المكان لضعيف أو مريض أو امرأة هو من أجل القربات في مثل هذه الأيام، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ سورة الحشر.
وختاماً فإن الحج عبادة قوامها الرفق، وجماعها التراحم، فاجعلوا حجكم مظهراً للتآخي والتآزر والمحافظة على السكينة.
تقبل الله حجكم وصالح أعمالكم، والحمد لله رب العالمين."












0 تعليق