في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية المتسارعة، وتزايد الضغوط على الموازنات العامة للدول، أصبح تطوير منظومات الدعم التقليدية أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة الحكومات، خاصة في الدول التي تسعى لتحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية وكفاءة الإنفاق العام. وفي مصر، يتصدر ملف “الدعم النقدي” النقاشات الاقتصادية والاجتماعية باعتباره أحد السيناريوهات المطروحة لتطوير منظومة الحماية الاجتماعية وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بصورة أكثر دقة وعدالة.
وتؤكد مصادر مطلعة بوزارة التموين والتجارة الداخلية أن الدولة المصرية تتعامل مع ملف الدعم باعتباره قضية أمن اجتماعي واقتصادي في المقام الأول، وأن أي تطوير للمنظومة يستهدف الحفاظ على حقوق المواطنين الأولى بالرعاية، مع بناء نظام أكثر كفاءة ومرونة واستدامة يتواكب مع التطورات الاقتصادية والتكنولوجية الحديثة.
تحول عالمي نحو الدعم النقدي
وتشير المصادر إلى أن العديد من دول العالم اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تطبيق نظم الدعم النقدي المباشر أو المشروط، سواء بصورة كاملة أو تدريجية، بعدما أثبتت هذه النظم قدرتها على رفع كفاءة برامج الحماية الاجتماعية وتقليل نسب الهدر والتسرب داخل منظومات الدعم التقليدية.
وأوضحت أن فلسفة الدعم لا ترتبط بشكل تقديمه سواء كان عينيًا أو نقديًا، بقدر ما ترتبط بمدى وصوله الحقيقي والعادل إلى المواطن المستحق، ومدى انعكاسه بصورة مباشرة على تحسين جودة حياة الأسر الأكثر احتياجًا.
حرية الاختيار وتعزيز المنافسة
وترى المصادر أن من أبرز المزايا الاستراتيجية التي يوفرها الدعم النقدي منح المواطن حرية أكبر في إدارة احتياجاته المعيشية وفق أولويات أسرته، بدلًا من الارتباط بأنماط استهلاك محددة أو سلع بعينها، وهو ما يعزز من شعور المواطن بالاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرار المناسب لاحتياجاته الفعلية.
كما يسهم هذا النظام في تنشيط المنافسة بين الأسواق ومنافذ البيع المختلفة، بما ينعكس إيجابيًا على جودة السلع والخدمات والأسعار، نتيجة تنافس مقدمي الخدمة على جذب المستهلك وتحسين مستوى المنتجات المطروحة.
وأكدت المصادر أن التحول إلى الدعم النقدي لا يعني تخلي الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية، بل يمثل تطويرًا لآليات تقديم الدعم بصورة تحقق استفادة أكبر للمواطن وتحافظ في الوقت نفسه على موارد الدولة.
قواعد البيانات.. كلمة السر
وشددت المصادر على أن نجاح أي منظومة حديثة للدعم النقدي يرتبط بشكل أساسي بامتلاك قواعد بيانات دقيقة ومتكاملة، قادرة على تحديد الفئات المستحقة بصورة عادلة، مع وجود آليات مستمرة لتحديث البيانات وفق المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية للأسر.
وأضافت أن الدولة المصرية قطعت شوطًا كبيرًا في ملف التحول الرقمي والربط الإلكتروني بين قواعد البيانات الحكومية، وهو ما يساهم في تعزيز دقة الاستهداف وتقليل فرص حصول غير المستحقين على الدعم.
وأشارت إلى أن تطوير قواعد البيانات يسهم كذلك في إحكام الرقابة على منظومة الدعم، ومواجهة أي محاولات للتلاعب أو الاستفادة غير العادلة، بما يضمن توجيه الموارد المالية بصورة أكثر كفاءة للفئات الأكثر احتياجًا.
الحد من الهدر والتسرب
وترى المصادر أن أحد أهم المكاسب المتوقعة من التحول إلى منظومة الدعم النقدي يتمثل في تقليل حلقات التداول غير الضرورية داخل سلاسل الإمداد والتوزيع، والحد من صور الهدر أو التسرب التي قد تحدث في بعض النظم التقليدية.
كما يساهم الدعم النقدي في تقليص فرص الإتجار بالسلع المدعمة أو تحقيق مكاسب غير مشروعة من خلال فروق الأسعار، خاصة مع تطور وسائل الدفع الإلكتروني والتحول نحو المنظومات الرقمية الذكية التي تسمح بوصول الدعم مباشرة إلى المواطن المستحق.
وأكدت المصادر أن ربط الدعم بالمواطن بصورة مباشرة يعزز مستويات الشفافية والرقابة، ويزيد من انضباط الأسواق، ويحقق منافسة عادلة بين مختلف المنافذ التجارية ومقدمي الخدمات.
تجارب دولية ناجحة
وأوضحت المصادر أن النماذج الدولية أثبتت نجاح نظم الدعم النقدي، سواء المشروط أو غير المشروط، في تعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين مؤشرات التنمية البشرية وخفض معدلات الفقر، خاصة في عدد من دول أمريكا اللاتينية وآسيا وأوروبا.
ولفتت إلى أن بعض الدول ربطت برامج الدعم النقدي بملفات التعليم والرعاية الصحية والتغذية، بما ساهم في تحقيق نتائج إيجابية على مستوى التنمية البشرية والشمول المالي وتحسين مستوى معيشة الأسر المستفيدة.
حوار مجتمعي وتدرج في التنفيذ
وأكدت المصادر أن أي تطوير لمنظومة الدعم في مصر لن يتم بصورة مفاجئة، وإنما من خلال حوار مجتمعي واسع ودراسات فنية واقتصادية متأنية، مع مراعاة التدرج في التطبيق وضمان عدم تأثر الفئات الأولى بالرعاية.
وأضافت أن وزارة التموين والتجارة الداخلية تؤمن بأن المواطن يجب أن يكون محور عملية التطوير، وأن الهدف النهائي لأي منظومة جديدة هو تحقيق مزيد من الكرامة والحرية والقدرة على الاختيار للمواطن، مع الحفاظ الكامل على حقوقه الاجتماعية.
وشددت المصادر على أن الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي تولي ملف الحماية الاجتماعية اهتمامًا بالغًا، وتعمل بصورة مستمرة على تطوير أدوات الدعم بما يحقق التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة الاقتصادية.
ويبقى الهدف الرئيسي، بحسب المصادر، هو بناء منظومة دعم عصرية ومرنة وقادرة على مواكبة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، بما يعزز الأمن الاجتماعي ويحافظ على مقدرات الدولة، ويحقق أفضل مستوى معيشة ممكن للمواطن المصري.














0 تعليق