في وقت أصبحت فيه الحياة اليومية مرتبطة لساعات طويلة أمام المكاتب والشاشات، حذر خبراء الصحة من أن “الجلوس لفترات طويلة” لم يعد مجرد عادة مرهقة، بل تحول إلى خطر صحي حقيقي يرتبط بأمراض خطيرة قد تبدأ بآلام الظهر وتنتهي بأمراض القلب والسرطان وحتى الوفاة المبكرة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة The Washington Post، ربطت دراسات طبية متعددة بين الجلوس المفرط وبين ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض مزمنة خطيرة، إلى جانب زيادة احتمالات الوفاة المبكرة، خاصة لدى الأشخاص الذين يقضون أكثر من 8 إلى 10 ساعات يوميًا في وضعية الجلوس.
“الجلوس القاتل”.. خطر يتفاقم بصمت
ومن هذا السياق، أكد الباحثون أن أضرار الجلوس الطويل ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر خطورة في السنوات الأخيرة مع الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا والعمل المكتبي وقضاء ساعات طويلة أمام الهواتف وأجهزة الكمبيوتر.
وقال Keith Diaz، الأستاذ المشارك في الطب السلوكي بمركز كولومبيا الطبي، إن المشكلة لا تتعلق فقط بقلة الحركة، بل بتأثير الخمول المستمر على وظائف الجسم الحيوية.
وأوضح أن الجسم أثناء الجلوس الطويل يدخل في حالة من “التباطؤ البيولوجي”، حيث تتراجع كفاءة العضلات والدورة الدموية وحرق السكر والدهون، ما يفتح الباب تدريجيًا أمام العديد من الأمراض المزمنة.
السرطان وأمراض القلب.. قائمة مخاطر مرعبة
كما أشارت الدراسات إلى أن الجلوس المستمر يرتبط بزيادة خطر الإصابة بعدد من الأمراض الخطيرة، أبرزها:
السرطان.
أمراض القلب والشرايين.
السكري من النوع الثاني.
هشاشة العظام.
الاكتئاب.
ضعف الإدراك والتركيز.
السكتات الدماغية.
آلام الظهر والرقبة المزمنة.
ويرى الباحثون أن الجلوس الطويل يؤثر على الجسم بالكامل، وليس فقط على العضلات أو العمود الفقري كما كان يُعتقد سابقًا.
دراسة صادمة.. الجلوس أكثر من 11 ساعة يرفع خطر الوفاة
هذا وقد كشفت دراسة نُشرت في فبراير 2024 بمجلة جمعية القلب الأمريكية، وشملت نحو 6 آلاف امرأة مسنة، عن نتائج صادمة بشأن مخاطر الجلوس الطويل.
وأظهرت الدراسة أن النساء اللاتي يجلسن أكثر من 11 ساعة يوميًا ارتفعت لديهن احتمالات الوفاة لأي سبب بنسبة 57% خلال فترة متابعة استمرت 10 سنوات، كما زادت احتمالات الوفاة بسبب أمراض القلب بنسبة 78% مقارنة بمن يجلسن أقل من 9 ساعات يوميًا.
كما تبين أن الجلوس لفترات متواصلة دون حركة أو فواصل قصيرة كان العامل الأخطر على الإطلاق.
ماذا يحدث داخل الجسم أثناء الجلوس الطويل؟
العضلات تتوقف عن أداء دورها الحيوي
بحسب Steve Nguyen، فإن العضلات أثناء الجلوس الطويل تصبح شبه خاملة، ما يقلل قدرتها على امتصاص الجلوكوز وتنظيم عمليات الأيض.
ويؤدي ذلك إلى:
ارتفاع مستويات السكر في الدم.
اضطراب حرق الدهون.
زيادة الدهون الثلاثية.
بطء الدورة الدموية.
زيادة احتمالات الإصابة بالسكري وأمراض القلب.
وأضاف الباحثون أن العضلات تحتاج إلى انقباض وحركة مستمرة للحفاظ على توازن الجسم الداخلي، وهو ما يختفي تمامًا أثناء الخمول الطويل.
الأوعية الدموية تتأثر بشكل خطير
وأوضح الباحثون أن وضعية الجلوس لفترات طويلة تؤثر أيضًا على تدفق الدم، إذ يشبه انحناء الساقين أثناء الجلوس “التواء خرطوم المياه”، ما يعيق حركة الدم بشكل طبيعي.
ومع مرور الوقت قد يؤدي ذلك إلى:
تصلب الأوعية الدموية.
ضعف الدورة الدموية.
زيادة خطر الجلطات.
ارتفاع احتمالات السكتات الدماغية.
لماذا يسبب الجلوس آلام الظهر والرقبة؟
يرتبط الجلوس الطويل أيضًا بضعف العضلات المسؤولة عن دعم الجسم، ما يجعل الشخص أكثر ميلًا للانحناء والترهل أثناء الجلوس.
ويؤدي ذلك تدريجيًا إلى:
اختلالات عضلية.
ضغط على الفقرات.
آلام الرقبة.
آلام أسفل الظهر.
ضعف القوام العام للجسم.
هل الجلوس هو “التدخين الجديد”؟
ومن جانبهم ، حذر بعض الباحثين من تشبيه الجلوس الطويل بالتدخين بسبب آثاره الصحية الممتدة، لكن الدراسات أوضحت أن التدخين لا يزال أكثر خطورة.
فبحسب الإحصاءات:
يموت نحو 190 شخصًا من كل 100 ألف سنويًا بسبب مضاعفات مرتبطة بالجلوس الطويل.
بينما يتسبب التدخين في وفاة نحو 2000 شخص من كل 100 ألف سنويًا.
ورغم الفارق الكبير، يؤكد الخبراء أن الجلوس الطويل يظل خطرًا صحيًا حقيقيًا يتزايد مع نمط الحياة الحديث.
كيف تحمي نفسك؟.. خطوات بسيطة تقلل الخطر
الحركة المنتظمة أهم من الجلوس الطويل
ينصح الخبراء بالبحث عن أي فرصة للحركة خلال اليوم، حتى لو كانت بسيطة، مثل:
المشي أثناء المكالمات.
صعود السلالم بدل المصعد.
الوقوف كل فترة قصيرة.
الحركة خلال فترات الراحة.
الرياضة وحدها لا تكفي
أكد الباحثون أن ممارسة الرياضة مفيدة للغاية، لكنها لا تمحو بالكامل آثار الجلوس الطويل إذا استمر الخمول بقية اليوم.
وأظهرت دراسة أُجريت عام 2019 أن استبدال 30 دقيقة فقط من الجلوس بنشاط خفيف يوميًا خفض خطر الوفاة بنسبة 17%.
غيّر وضعيتك باستمرار
كما ينصح الخبراء باستخدام المكاتب القابلة للتعديل التي تسمح بالتبديل بين الجلوس والوقوف أثناء العمل، لما لها من فوائد في:
تقليل آلام الظهر والرقبة.
تحسين التركيز والإنتاجية.
تنشيط الدورة الدموية.
قاعدة الـ5 دقائق الذهبية
كشفت دراسة حديثة عام 2023 أن أخذ استراحة حركة لمدة 5 دقائق كل 30 دقيقة من الجلوس يساعد بشكل واضح على:
تحسين ضغط الدم.
تنظيم مستويات السكر.
تنشيط الدورة الدموية.
تقليل آثار الخمول على الجسم.
وفي ظل نمط الحياة الحديث، يبدو أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في قلة الرياضة، بل في عدد الساعات الطويلة التي نقضيها بلا حركة… بينما يواصل الجسم دفع الثمن بصمت.
















0 تعليق