شريف الأسواني يكتب: جيل الوسط" وصمود الأبطال

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بين ضجيج المال السياسي وسكون الإخلاص الوطني، تقف الحقيقة حائرة تبحث عن وجوهٍ صقلتها شمس الميادين، لا أضواء الاستوديوهات المصطنعة، وجوهٍ تعرف رمل الطرقات وتفاصيل القرى، لا تلك التي تلمع فقط تحت عدسات الكاميرات.

فهذه المرحلة لم تعد تحتمل "الهواة" أو "الممولين" بل يجب أن تستدعي أولئك الذين لم تكن القيادة لديهم يوماً وجاهة اجتماعية، بل التزام، وكانت ضريبةً دفعوها من عصب عمرهم وزهرة شبابهم.
وهنا يبرز السؤال الوجودي هل نترك دفة المستقبل لمن يملك "الثمن" أم لمن دفع "الضريبة"؟

إن ما تشهده الساحة السياسية اليوم ليس مجرد صراع عابر، بل هو اختبار لضمير"الجمهورية الجديدة"فهل نترك الدفة لمن يملك القدرة على شراء المساحات، أم لمن دفع الضريبة من عمره وجهده وانتمائه المخلص لهذا الوطن في أصعب أوقاته؟

من الثورة إلى الدولة حكاية جيلٍ آمن بالبناء

منذ عام 2013، والروح المصرية تخوض ملحمة بناء لا تعرف الكلل. تحولت طاقة الغضب إلى طاقة عمل، وانتقل الشباب من صخب الميادين إلى رصانة المؤسسات، رافعين شعار للبناء"من الثورة إلى الدولة" ومع تولي فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم، فُتحت أبواب الطموح والأمل أمام جيلٍ آمن بأن وقود المرحلة القادمة هو "الكفاءة والخبرة".

وبالفعل لم يكن الأمر مجرد حبر على ورق، بل كان حافزاً أطلق شرارة العمل في العديد من المبادرات الوطنية. ففي عام 2015 أطلقنا "روابط شباب مصر" للتأهيل، وبلغت ذروة العطاء بتدشين مبادرة "أسوان عاصمة الشباب الأفريقي" في عام 2018، والتي كانت جسراً حقيقياً للتواصل مع الأشقاء الأفارقة استعداداً لرئاسة مصر للاتحاد الأفريقي 2019، وصولاً إلى تدشين"اتحاد شباب الجمهورية الجديدة" في عام 2021 .

فخ "تزييف الوعي" واقتناص المشهد

وفي ظل الأحداث المتتالية التي مرت بها الدولة المصرية وفي لحظة "الانشغال الوطني" بالبناء وتثبيت أركان الدولة،

تسللت إلى المشهد ظواهر تدعو للحذر، حيث قفز إلى الواجهة من لا يملكون من أبجديات العمل العام سوى "النفوذ المادي" استغل هؤلاء حالة الهدوء والترقب لينقضوا على المواقع القيادية عبر آلية "التلميع المصطنع"، معتمدين على رصيد البنوك لا رصيد العطاء.

إن خطورة هذا المشهد تكمن في كونه يأتي على أنقاض جيلٍ صبر واحتسب شبابٍ أفنوا أكثر من خمسة عشر عاماً في العمل الوطني والميداني، وكانوا حائط الصد الأول في أعنف المنعطفات التي مرت بها الدولة المصرية الحديثة.

القيادة "عقيدة" وليست "وجاهة"

إن ما نطرحه اليوم ليس دفاعاً عن امتيازات شخصية، بل هو انحياز لتاريخ يحفظ لمصر كرامة شبابها المخلص. فالعمل العام ليس "سلعة" تُباع وتشترى، والقيادة ليست "وجاهة" تُمنح لمن يدفع، بل هي تراكم خبرات عُجنت بطمي القرى ونجوع المحافظات التي حفظت أرضها خطوات رجلينا

لقد أسيء فهم"صمت الأبطال" فاعتبره البعض تراجعاً، وهو ما يفرض علينا اليوم استعادة الوعي بالمسار، والتمييز بوضوح بين من حقق نجاحاً حقيقياً للوطن، ومن اعتبر المنصب "غنيمة" أو "بروازاً" لصورته الشخصية.

إن استعادة التوازن تتطلب تمكيناً حقيقياً لـ "جيل الوسط"،فهذه الدولة تستحق أن يقود دفة شبابها من يمتلكون "العقيدة الوطنية" لا من يمتلكون القدرة على تمويل"ديكور" المشهد. فالتاريخ لا يذكر من اشتروا أماكنهم، بل يخلد من حفظوا للوطن هيبته حينما كان الصمت "عبادة"، والعمل في الظل "بطولة".
شريف الأسواني

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق