هل بدأ انهيار نظام الحزبين في بريطانيا مع صعود اليمين الشعبوي واليسار الجديد؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كشفت نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في المملكة المتحدة عن تحولات سياسية عميقة تعيد تشكيل المشهد الحزبي البريطاني، وتضع حكومة رئيس الوزراء العمالي كير ستارمر أمام أول اختبار شعبي حقيقي منذ وصولها إلى السلطة عام 2024.

وبحسب ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن هذه النتائج لم تكن مجرد تراجع انتخابي لحزب العمال، بل تعكس مؤشرات متزايدة على تفكك النظام التقليدي القائم على هيمنة حزبَي العمال والمحافظين، في مقابل صعود قوى سياسية جديدة تعيد تعريف قواعد اللعبة السياسية في بريطانيا.

صعود فاراج وحزب الإصلاح

اللافت في هذه الانتخابات كان استمرار صعود نايجل فاراج وحزب الإصلاح البريطاني، الذي تمكن من التقدم في معاقل تاريخية لحزب العمال في شمال إنجلترا، وحقق اختراقًا رمزيًا عبر الفوز بأول دائرة له في لندن على حساب المحافظين، إضافة إلى حلوله في المركز الثاني في الانتخابات البرلمانية الويلزية.

ورغم حصول الحزب على نسبة تصويت وطنية بلغت 27%، متقدمًا على منافسيه التقليديين، إلا أن هذه النسبة تظل أقل من 32% التي سجلها في الانتخابات المحلية لعام 2025، ما يفتح باب التساؤلات حول ما إذا كان هذا المد الشعبوي في تصاعد مستمر أم أنه يقترب من ذروته.

ومع ذلك، لم يعد حزب الإصلاح مجرد ظاهرة احتجاجية عابرة، بل أصبح لاعبًا رئيسيًا يعيد تشكيل التوازنات الانتخابية، مستفيدًا من تصاعد الخطاب الشعبوي وتنامي حالة الغضب الشعبي تجاه النخب السياسية التقليدية.

تفكك الثنائية الحزبية وصعود التعددية السياسية

تشير النتائج إلى دخول بريطانيا مرحلة سياسية جديدة تتراجع فيها الهيمنة التاريخية للعمال والمحافظين لصالح مشهد أكثر تشظيًا وتعددًا.

فإلى جانب صعود حزب الإصلاح، حقق حزب الخضر والحزب الديمقراطي الليبرالي مكاسب ملحوظة، بينما حافظ الحزب الوطني الاسكتلندي على حضوره في اسكتلندا، وواصل حزب بلايد سيمرو تعزيز موقعه في ويلز.

هذا التعدد الحزبي المتزايد يصطدم مباشرة بالنظام الانتخابي البريطاني القائم على قاعدة "الفائز الأول"، الذي يمنح الفوز لمن يحصل على أعلى الأصوات دون تمثيل نسبي، ما يثير مجددًا الجدل حول الحاجة إلى إصلاح انتخابي شامل يعكس التعدد الحقيقي في أصوات الناخبين.

كير ستارمر تحت الضغط

وجد رئيس الوزراء كير ستارمر نفسه في قلب العاصفة السياسية، إذ كشفت النتائج عن تراجع واضح في شعبيته، وأثارت تساؤلات داخل حزب العمال حول قدرته على قيادة الحزب نحو انتخابات 2029.

ورغم تأكيده عدم نية الاستقالة، فإن الأزمة الحالية لا تتمثل في انقلاب داخلي مباشر، بقدر ما تعكس تآكلًا تدريجيًا في الثقة داخل القاعدة البرلمانية للحزب.

ورغم تداول أسماء مثل آندي بورنهام، أنجيلا راينر، وويس ستريتينغ كبدائل محتملة، فإن أي تحرك فعلي لتغيير القيادة لا يزال محدودًا، ما يعكس تعقيد المشهد الداخلي أكثر من كونه مؤشرًا على الاستقرار.

الخضر يغيرون قواعد اللعبة من اليسار

في المقابل، برز حزب الخضر بقيادة زاك بولانسكي كقوة سياسية صاعدة، أعادت تعريف الخطاب اليساري من خلال طرح سياسات اقتصادية جذرية، تشمل فرض ضرائب على الثروات الكبرى، وتحديد سقوف للإيجارات، وتأميم قطاعات المياه والخدمات الأساسية.

وقد لاقت هذه الطروحات صدى واسعًا لدى الناخبين الشباب وسكان المدن الكبرى، الباحثين عن بديل أكثر راديكالية من خطاب حزب العمال التقليدي.

وترجم هذا الزخم إلى نتائج ملموسة، أبرزها الفوز ببلدية هاكني في شمال لندن، وإنهاء هيمنة العمال المستمرة منذ 24 عامًا، إضافة إلى تحقيق مكاسب في لويشام جنوب العاصمة، والحصول على أكثر من 250 مقعدًا في المجالس المحلية، ومقعدين في البرلمان الويلزي.

بريطانيا أمام لحظة سياسية مفصلية

في المحصلة، لا تبدو نتائج هذه الانتخابات مجرد تغيرات محلية أو خسائر ظرفية، بل تعكس بداية مرحلة سياسية جديدة في بريطانيا تتسم بسيولة حزبية غير مسبوقة، وتراجع نموذج الثنائية التقليدية.

ومع تصاعد اليمين الشعبوي من جهة، وعودة اليسار الراديكالي من جهة أخرى، يبدو أن الخريطة السياسية البريطانية تتجه نحو إعادة تشكل شاملة، قد تعيد تعريف موازين القوة لعقود قادمة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق