الحمد لله على النجاة من حادث سير بشع. وكانت من نتائجه كسور بالساق اليمنى وإجراء جراحة تركيب مسامير وشرائح. والحمد لله على أن فى مصر أطباء عظماء تعاملوا بكل مسئولية فى غرفة العمليات بمستشفى زايد التخصصى؛ بقيادة الدكتور المحترم محمد على أستاذ جراحة العظام، له منى كل الشكر والتقدير، وكل التحية والامتنان لفريق الأطباء والممرضين المصاحبين له داخل غرفة العمليات، الذين كانوا خلية نحل لإنقاذى.
تتغير حياة الإنسان أحيانًا فى ثانية واحدة، هذه الثانية ليست مجرد وحدة زمنية، بل الفاصل الزمنى بين البقاء والفناء، وبين الضحكة والدمعة، وبين استمرار القصة أو انغلاق الدفتر إلى الأبد. حين ينجو الإنسان من حادث سير مروّع لا يخرج منه كما دخله، بل يخرج بروح جديدة، ونظرة مغايرة للوجود، ولسان لا يكف عن ترديد عبارة واحدة تختصر كل مشاعر العجز والامتنان وهى: الحمد لله على اللطف والنجاة.
صدمة الواقع وهول المشهد عندما تبدأ الحكاية كالعادة بشكل اعتيادى وطريق مألوف، عند خروجى من نادى الشيخ زايد الرياضى بصحبة ابنتى نفرتارى، وفجأة ينكسر هدوء اللحظة بصوت ارتطامى على الأرض أثناء محاولة إنقاذ الابنة من السقوط على الأرض بسبب سيارة متهورة. فى تلك اللحظة يتوقف الزمن، ويمر شريط العمر أمام العينين فى ومضة، ويدرك المرء مدى ضآلة قوته أمام قدر الله.
إن النجاة من حادث سير ليست مجرد حسن حظ، بل عناية إلهية تدخلت فى اللحظة الحاسمة لتمنع وقوع الكارثة الكبرى. هى يد اللطف التى وضعت فاصلًا بين جسدك وبين الموت المحقق.
الحمد لله عند النجاة، ليس مجرد طقس دينى أو كلمة تقال باللسان، بل اعتراف عميق بالضعف البشرى. نحن نحمد الله لأننا أدركنا فى لحظة الاصطدام أننا لا نملك من أمرنا شيئًا، وأن كل خططنا للمستقبل، ومواعيدنا، وطموحاتنا كانت ستتبخر لولا رحمته.
النجاة تعنى أن الله قد منحك تذكرة عودة للحياة، فرصة لتصحيح الأخطاء، والحمد على اللطف فى القضاء، قد تخرج من الحادث بكسور تعجز عن الحركة أو كدمات، وهنا يكون الحمد لأن الضرر كان أخف مما كان يمكن أن يكون. الحمد لله على أن المصيبة وقفت عند هذا الحد ولم تتجاوزها إلى ما هو أصعب.
الناجون من الحوادث يحملون فى صدورهم حِكمًا لا يدركها مَن يعيش فى أمان دائم. ومن أهم هذه الدروس: إدراك قيمة الوقت، حيث ندرك أن الموت لا يستأذن، وأنه أقرب إلينا من حبل الوريد. هذا الوعى يدفعنا لاستثمار كل لحظة فيما ينفع. ويكسر الحادث كبرياء الإنسان الذى يظن أنه مسيطر تمامًا على حياته. فجأة يصبح كل شىء بلا قيمة أمام سلامة الروح.
وبعد الحادث تصبح المشاكل اليومية الصغيرة، كالخلافات التافهة أو ضغوط العمل، مضحكة وبسيطة، والأولوية تصبح للصحة وللسكينة النفسية.
ولا تقتصر النجاة على الشخص الناجى وحده، بل تمتد لتشمل دائرة المحبين. إن دموع الفرح فى عيون الأبناء وقلق الأصدقاء كلها تعيد تعريف مفهوم الارتباط الإنسانى، ويكتشف المرء أنه ليس وحيدًا، وأن حياته غالية عند الآخرين بقدر غلاوتها عنده. أما من الناحية النفسية، فقد يمر الناجى بمرحلة ما بعد الصدمة، وهى مرحلة تتطلب صبرًا وتقبلًا، لكن الإيمان واليقين بأن الله هو الحافظ يمنحان السكينة التى يحتاجها القلب ليتجاوز رعب الذكرى.
وإذا كنت أنا ممن كتب الله لهم عمرًا جديدًا بعد حادث أليم، فقد تيقنت أننى لم أبقَ هنا عبثًا، وبالتالى هناك رسالة لم أؤدها بعد، وهناك رسالة لا بد من استكمالها فى الحياة.
اللهم لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، حمدًا يوافى نعمك ويكافئ مزيدك. شكرًا لك يا رب على سترك الذى أحاط بى، وعلى لطفك الذى لم يتركنى. وشكرًا من أعماق قلبى لكل الذين أحاطونى بكرم حبهم وتعاطفهم من الأهل، وعلى رأسهم السيدة العظيمة زوجتى سامية فاروق، وكل الأهل والأصدقاء الأعزاء. وأعتذر للقراء الأعزاء الذين غبت عنهم لبضعة أيام.













0 تعليق