مِن زكى نجيب محمود.. نَتعلّم «٢»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى عام ١٩٤٧ نشر الدكتور زكى نجيب محمود كتابه الأول «جنة العبيط»، يضم الكتاب مجموعة «ثلاثة وعشرين مقالًا» من المقالات والقصص القصيرة التى تتناول قضايا فلسفية واجتماعية بأسلوب مبسط، يغلب عليه الطابع الأدبى الساخر والأسلوب القصصى الرمزى، إذ يعرض الأفكار والفلسفة فى صورة مواقف حياتية.

يقول فيلسوف الأدباء فى مقدمة مقاله الذى يحمل الكتاب عنوانه:

«أما العبيط فهو أنا؛ وأما جَنتى فهى أحلام نسجتُها على مَر الأعوام عريشةً ظليلة، تهُب فيها النسائم عليلة بليلة؛ فإذا ما خطَوت عنها خطوة إلى يمين أو شمال أو أمام أو وراء، ولفحتنى الشمس بوقدتها الكاوية؛ عُدت إلى جَنتى، أنعم فيها بعزلتى، كأنما أنا الصقر الهرِم، تغفو عيناه، فيتوهَّم أن بُغاث الطير تخشاه، ويفتح عينيه، فإذا بُغاث الطير تفرى جناحيه، ويعود فيغفو؛ لينعم فى غفوته بحلاوة غفلته».

فالعبيط هو الشخص الغافل غير الواعى بطبيعة العصر الذى يعيش فيه، ويرفض إعمال العقل أو استخدام المنطق والتفكير فى تدبير أمور حياته، فيعيش فى جنته المتوهمة. 

ومن المقالات اللافتة فى هذا الكتاب مقال «نساء قوامات»، وفيه يدعو الدكتور زكى نجيب محمود أن تتولى النساء زمام الأمور حينًا من الدهر، «فنجعل النساء قوَّامات على الرجال قرنًا كاملًا، لعلهن فى نصفه الأول مُستطيعات أن يُصلِحن ما أفسدت أيدى الرجال مَدى خمسين قرنًا، وأن يضَعن فى نصفه الثانى أساسًا جديدًا لحياة جديدة». 

ويوضح أن المقصود بقوامة النساء أن تكون الكلمة العليا فى الأسرة للمرأة لا للرجل، بحيث يُفاخِر المرء أقرانه بأنه قد تعهَّدته أمه لا أبوه؛ أُريد أن أرى فى مناصب الدولة جميعًا- رفيعها ووضيعها على السواء- نساءً لا رجالًا، فيكون منهن الوزيرات والمُديرات والمأمورات والضُّباط والشرَطيات والقاضيات ونائبات البرلمان، وأن يُحرَم الرجال حق الانتخاب على النحو الذى حُرمته المرأة اليوم؛ أُريد أن يكون الرأى للمرأة فى كل شىء قرنًا كاملًا من الزمان».

وقد بنى هذا الرأى نتيجة الملاحظة الدقيقة، حيث وجد أنه حيثما اختلف الاثنان فى وجهة النظر، كان الرجحان حليف المرأة فى تسع مرات من كل عشر؛ ويشترط الدكتور لمن يريد أن يجرب هذه الملاحظة أن يقارن بين الأكفاء من الرجال والنساء المتساوين فى التعليم والسن والوضع الاقتصادى.. إلخ، وخلص من ملاحظته «أن المرأة فى مصر أحكَم رأيًا من الرجل فى مصر». 

ويفسر هذه الظاهرة بتعليلين:

التعليل الأول هو أن الذكَر فى مصر مُدلَّل لذكورته والأنثى مَهيضة الجناح لأنوثتها؛ وهى ظاهرة قد تكون موجودة فى العالم كله، لكنها تبلغ منتهى تمثيلها فى مصر.

الولد المُدلَّل يشعر منذ اللحظة الأولى لحياته الواعية أن فعله مقبول وقوله مُستطاب، فماذا عليه لو فعل الفضائح وقال الهُراء؟ إنه «ولد» وإنه مُدلَّل وإن مكانته فى القلوب عالية رفيعة؛ فلا رادع له ولا حساب. وبعد أن يشتد عوده يصبح انزلاقه إلى الطغيان سهلًا مُمهَّدًا يسيرًا، فيستبد ويطغى، ولا يعود طلبه رجاءً، بل أمرًا يجب أن يُطاع، «ولن تعود الحدود الضابطة لفعله وقوله هى ما له من حق وما لغيره من حقوق، بل يُصبِح الأمر كله رغبة يُريد إشباعها بأسرع الطُّرق؛ فلا يتأنى دقيقة أو دقيقتين ليُفكِّر هل أسرع الطُّرق لإشباع رغبته مشروع أو غير مشروع، فيه الإنصاف لغيره أو فيه الإجحاف عليهم؟ إنه رجل لا يعرف إلا أن يسلك لغايته أقصر السُّبل، ولتكُن السُّبل المُختارة ما تكون؛ ومن هنا كان الطُّغيان الضارب بأطنابه وكان الفساد».

أما عن الفتاة فيوضح الفيلسوف الكبير أن الفتاة تنشأ على النقيض من ذلك، فهى تدرك منذ اللحظة الأولى لحياتها الواعية أنها «بنت» وأنها بالقياس إلى شقيقها الذكَر لا تُساوِى شيئًا، لذا كان لزامًا عليها أن تُقيم الدليل على أنها إنسان.. فتفكر مرتين قبل أن تنطق، حتى لا يُقال: «أأنثى وتنطق بالهُراء؟ وتتدبر الأمر مرتين قبل أن تعمل، فتنشأ الفتاة إنسانًا أقرب ما يكون إلى الحاكم الذى يضبطه برلمان يُحاسِبه على ما يقول ويفعل؛ فالأسرة المصرية تخلق من الولد طاغية مُستبِدًّا، ومن البنت إنسانًا عاقلًا مُتزِنًا صائب الرأى سديد النظر».

والتعليل الثانى لتفوق المصرية على المصرى هو «أن المرأة أقرب إلى الحُكم بغريزتها من الرجل، والرجل أقرب إلى الحُكم بمَنطِق العقل من المرأة.. أمَا وظروف الحياة فى مصر ليست مما يُعين العقل على التفكير بمَنطِق سليم، إذ تُوشِك ألا تجد فيها شيئًا تَنبنى فيه النتائج الصحيحة على مُقدِّمات صحيحة، أمَا وظروف الحياة المصرية تفعل هذا الصنيع فى مَنطِق الرجل، ولا تُفسِد شيئًا من غريزة المرأة، لأن الغريزة أرسخ فى النفس أساسًا وأعمق جذورًا». 

فالمرأة المصرية التى تعتمد على غريزتها الفطرية تتفوق على الرجل المصرى الذى يعتمد على عقل مختل فاسد. قد تتفق أو تختلف مع فيلسوفنا الكبير فى هذا الرأى، لكن الأصوب أن نفكر دقيقة أو دقيقتين فيما نقرأ إن كان صوابًا آمنًا به، وإن جانبه الصواب نحيناه جانبًا وألزمناه مكانه فى جنة العبيط. 

وللحديث بقية..

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق