بين حق المعرفة وهيبة القضاء.. معركة قانونية حول بث جلسات المحاكم

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

- قضاة يكشفون لـ«الدستور»: متى يـُسمح أو يُمنع التوثيق والنشر؟

- «العلانية» الواردة فى الدستور تعنى الحضور وليس النشر الرقمى

- يتعامل البعض مع العلانية باعتبارها تصريحًا مفتوحًا للنشر والتصوير

- ضوابط الجلسات تحمى أطراف الدعوى وتمنع تأثير وضغط «الترند»

طرح البيان الأخير الصادر عن النيابة العامة بشأن حظر تسجيل ونشر وقائع الجلسات القضائية دون تصريح، تساؤلات مهمة حول مفهوم «علانية الجلسات»، وحدوده القانونية، خاصة فى ظل تصاعد دور وسائل التواصل الاجتماعى فى نقل تفاصيل القضايا بشكل لحظى، واهتمام الرأى العام بمتابعة قضايا كان لها صدى واسع. 

ويُعد مبدأ علانية الجلسات إحدى الركائز الأساسية للعدالة، وهو يضمن شفافية المحاكمات، ويعزز ثقة المجتمع فى القضاء، من خلال إتاحة فرصة للجمهور ووسائل الإعلام لمتابعة سير القضايا داخل قاعات المحاكم.

وبين الحق فى المعرفة، وهيبة المحكمة، تبدو ثمة معركة قانونية حول علانية الجلسات، فمتى يُسمح بالحضور، ومتى يُمنع التوثيق أو البث، وما ضوابط هذا البث حال تمت الموافقة عليه؟

 

الحضور مُتاح.. والتصوير والبث بإذن مسبق من المحكمة لحماية أطراف الدعوى

كرس الدستور مبدأ علانية الجلسات بنص واضح يؤكد أن المحاكمات علنية، باعتبار أن العلانية تمثل ضمانة مهمة ضد أى تعسف، وتتيح رقابة مجتمعية على إجراءات التقاضى.

لكن هذه العلانية، رغم أهميتها، ليست مطلقة أو بلا قيود، والقانون يُفرِق بشكل واضح بين حق الحضور من جهة، وحق النشر أو التسجيل من جهة أخرى، فحضور الجلسة متاح فى الأصل، إلا أن تصويرها أو تسجيلها أو بثها عبر وسائل الإعلام أو المنصات الرقمية يخضع لإذن مسبق من المحكمة المختصة، وذلك فى إطار الحفاظ على هيبة القضاء، ومنع أى تأثير خارجى على مجريات المحاكمة.

ويعد الخلط بين المفهومين السبب الرئيسى فى كثير من التجاوزات التى تشهدها الساحة مؤخرًا، إذ يتعامل البعض مع علانية الجلسات باعتبارها تصريحًا مفتوحًا للنشر أو التصوير، وهو ما يخالف صريح القانون.

والمحكمة وحدها هى الجهة المختصة بتقدير ما إذا كان التصوير أو النشر مسموحًا به من عدمه، وفقًا لظروف كل قضية وطبيعتها.

وتبرز أهمية هذه الضوابط فى حماية أطراف الدعوى، سواء كانوا متهمين أو شهودًا أو مجنى عليهم، من التعرض للضغط أو التشهير أو التأثير على شهاداتهم.

كما تهدف إلى ضمان أن تصدر الأحكام القضائية فى بيئة هادئة ومحايدة، بعيدًا عن ضغوط الرأى العام، أو حملات «الترند» على مواقع التواصل الاجتماعى.

وفى بعض الحالات، قد تُقرر المحكمة عقد الجلسات بشكل سرى، وهو استثناء على مبدأ «العلانية»، لكنه يظل مشروعًا ومبررًا فى ظروف محددة.

ومن أبرز هذه الحالات القضايا المتعلقة بالأحداث «القُصَّر»، أو الجرائم ذات الطابع الأسرى، أو الأخلاقى، أو القضايا التى تمس الأمن القومى، أو النظام العام. فى هذه الحالات، يُحظر الحضور أو النشر بشكل كامل، حفاظًا على المصلحة العامة وخصوصية الأطراف.

أما فيما يتعلق بالعقوبات، فقد وضع قانون العقوبات إطارًا قانونيًا واضحًا للتعامل مع هذه المخالفات، إذ يعاقب كل من يقوم بـ«نشر أو تسجيل وقائع جلسة قضائية بالمخالفة لقرارات المحكمة»، بعقوبات قد تصل إلى الحبس أو الغرامة أو كلتيهما. وتشتد العقوبة فى حال ترتب على هذا النشر الإضرار بسير العدالة، أو التأثير على الشهود، أو انتهاك خصوصية المتقاضين. ويرى خبراء أن بيان النيابة العامة جاء فى توقيت مهم، فى ظل الانتشار الواسع لاستخدام الهواتف المحمولة داخل قاعات المحاكم، وسهولة نقل المحتوى بشكل مباشر عبر الإنترنت، وهو ما خلق واقعًا جديدًا يتطلب إعادة التشديد على الضوابط القانونية، خاصة أن بعض الوقائع التى يتم تداولها قد تكون مجتزأة أو غير دقيقة، ما قد يؤدى إلى تضليل الرأى العام.

ويحمل البيان رسالة واضحة مفادها أن علانية الجلسات لا تعنى إباحة كل ما يدور داخلها للنشر والتداول، وأن احترام القانون يقتضى الالتزام بالإجراءات المنظمة لذلك، فالعدالة لا تقتصر فقط على إصدار الأحكام، بل تشمل أيضًا ضمان أن تتم المحاكمات فى إطار يحفظ كرامة جميع الأطراف ويصون حقوقهم.

محمد شعبان: يمكن تسجيلها لأغراض تعليمية

أبدى المستشار محمد شعبان الدكتور فى القانون الجنائى، والمحامى، تحفظه على منع التسجيل فى الجلسات لأهداف تعليمية، بعيدًا تمامًا عن النشر على منصات ومواقع التواصل الاجتماعى، حيث أكد أنه يحتاج فى بعض القضايا المهمة المليئة بالتفاصيل إلى أن يقوم بتسجيل مرافعته أمام هيئة المحكمة حتى تكون مرجعًا له ولزملائه من المحامين للتعلم والاستفادة منها. 

وقال «شعبان»، إن صدور المادة ١٨٦ مكرر من قانون العقوبات المصرى، المضافة بالقانون رقم ٧١ لسنة ٢٠٢١، كان له ملابسات ومبررات مثل عدم السماح بتسجيل ونشر أو بث بعض قضايا الإرهاب لما بها من تفاصيل قد تمس أمن الدولة، ونصت المادة على عقوبات مشددة تتعلق بتصوير أو تسجيل أو نشر جلسات المحاكمات دون تصريح، وأضاف أن المادة تنص على أنه: «مع عدم الإخلال بأى عقوبة أشد يُعاقب بغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على ثلاثمائة ألف جنيه كل من صور أو سجل كلمات أو مقاطع أو بث أو نشر أو عرض بأى طريق من طرق العلانية لوقائع جلسة محاكمة مخصصة لنظر دعوى جنائية بغير تصريح من المحكمة المختصة»، ويُحكم بمصادرة الأجهزة المستخدمة فى الجريمة أو محو محتواها، وفى حالة العود تُضاعف الغرامة. 

وأضاف «شعبان» أنه لا يجب استغلال القانون لمعاقبة المواطنين دون أسباب قوية خاصة أن الأصل فى الأشياء الإباحة وعلة التجريم غير واضحة فى تلك المادة، مضيفًا: «شاهدنا فى الفترة الأخيرة بعض صفحات التواصل الاجتماعى تنشر وقائع جلسات محاكمة ومرافعات لممثلى النيابة خارج الإطار الرسمى لصفحة النيابة العامة، ومن المؤكد أن المحكمة سمحت لهم بالتصوير والبث والنشر، وبالتالى من حق المحامين التصريح لهم بذلك، كنوع من تبادل الخبرات بين جموع المحامين، مع التأكيد التام على وضع بعض القيود فى حالة التسجيل والتصوير، مثل عدم ذكر أسماء المتهمين أو أطراف القضية من شهود وضحايا، ويقتصر الأمر على فن المرافعة من دفوع قانونية، وقد فعل ذلك العديد من كبار المحامين، ونشروها كفيديوهات تعليمية للمحامين المبتدئين، خاصة أن بعض الجلسات تنعقد فى غرفة المداولة ولا يسمح للمحامين بمتابعتها أو التعلم منها».

وواصل: «الغرض من علانية الجلسات أن يكفل لكل متهم أن يحاكم بالشكل الطبيعى أمام قضاة طبيعيين ويسمح للجمهور بحضور المحاكمة سواء أطراف الدعوى أو المحامين أو جمهورًا غير مميز، وتؤدى تلك العلانية إلى شعور القاضى بأنه مراقب أثناء عمله، وأن تكون نفسه متزنة لا تميل يمينًا أو يسارًا». 

وقال «شعبان»، إن تلك المادة تعد تقليصًا للمباح بشكل ينافى علة التجريم، حيث إن الغرض من تجريم سلوك ما منع الاعتداء على مصلحة أولى بالرعاية فيهددها أو يصيبها بالضرر، مثل الشخص الذى ينقل وقائع مخالفة لما شهدته جلسة المحاكمة فقد يثير فتنة وينشر الكذب والشائعات، إذن فما الضرر الواقع من نقل الجلسة بحذافيرها دون زيادة أو فبركة؟.. لذلك نطلب السماح بتسجيل الجلسات والمرافعات كمرجع تعليمى، كما تسجل النيابة العامة مرافعتها.

عبدالله المهدى: عقوبات مشددة للمخالف تتضمن الغرامة والمصادرة

أكد المستشار عبدالله المهدى، قاضٍ سابق ومحام بالنقض حاليًا، أن العلانية حق دستورى يضمن حضور الجمهور لمتابعة إجراءات المحاكمة، لضمان رقابة المجتمع على القضاء، وتحقيق مبدأ الشفافية، طبقًا للمادة ١٨٧ من الدستور، والتى تنص على أن جلسات المحاكم علنية، إلا إذا قررت المحكمة جعلها سرية مراعاة للنظام العام، أو الآداب، وفى جميع الأحوال يكون النطق بالحكم فى جلسة علنية.

وأضاف «المهدى» أن الأصل فى تسجيل ونشر وقائع الجلسة هو المنع، والاستثناء هو الإذن، فلا يجوز التسجيل أو النشر إلا بعد الحصول على موافقة صريحة وكتابية من رئيس الدائرة المختصة بنظر الدعوى.

وأوضح أن هذا ما جاء فى المادة ٢٦٨ من قانون الإجراءات الجنائية، التى تنص على أنه يجب أن تكون الجلسة علنية، ومع ذلك فللمحكمة أن تأمر بنظر الدعوى كلها أو بعضها فى جلسة سرية، أو تمنع فئات معينة من الحضور مراعاة للنظام العام أو الآداب، وهو ما يستنتج منه أن إدارة الجلسة وتوثيقها هو حق حصرى للمحكمة أو من تأذن له. 

وعن عقوبة تسجيل ونشر تفاصيل الجلسة دون موافقة صريحة، قال المحامى بالنقض إن المشرع شدد العقوبة مؤخرًا لتشمل الغرامة والمصادرة لكل من يصور أو يبث الجلسات الجنائية دون إذن، وذلك وفقًا لنص المادة ١٨٦ مكرر من قانون العقوبات، المضافة بالقانون رقم ١٤١ لسنة ٢٠٢١، وذكرتها النيابة العامة فى بيانها الأخير.

وتنص هذه المادة على أن يُعاقب بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه، كل من صور أو سجل أو بث أو نشر بأى طريق من طرق العلانية وقائع جلسة محاكمة مخصصة لنظر دعوى جنائية، دون تصريح من رئيس المحكمة المختصة بعد أخذ رأى النيابة العامة. ويُحكم بمصادرة الأجهزة أو غيرها مما يكون قد استُخدم فى الجريمة، أو ما نتج عنها، أو محوه أو إعدامه بحسب الأحوال.

وعن حق أى شخص فى تصوير جلسات المحاكمة، وبثها على مواقع التواصل الاجتماعى، قال المستشار عبدالله المهدى إن ذلك لا يجوز نهائيًا، ويشكل هذا الفعل جريمة قانونية حتى لو كانت الجلسة علنية، فالعلانية تعنى الحضور وليس البث والنشر الرقمى، طبقًا للمادة سالفة الذكر من قانون العقوبات، والتى جرمت البث والنشر بأى طريق من طرق العلانية، وتشمل منصات التواصل الاجتماعى، دون تصريح.

حسنى الضبع: للمحكمة حق «السرية» مراعاة للنظام العام والآداب

قال المستشار حسنى الضبع، الرئيس السابق لمحكمة جنايات القاهرة، إن الأصل فى القانون علانية الجلسات، وفقًا للمادة ١٨٧ من الدستور، التى تنص على أن جلسات المحاكم علانية إلا إذا قررت المحكمة جعلها سرية مراعاة للنظام العام أو الآداب العامة. وفى جميع الأحوال يكون النطق بالحكم فى جلسة علانية.

وأضاف «الضبع»: «للمحكمة الحرية الكاملة، دون معقب عليها، أن تأمر بسرية الجلسات إلا على أطراف القضية. وقد تستدعى بعض القضايا إصدار قرار بحظر النشر من المحكمة أو النيابة لأمور تراها هى وحدها، وحفاظًا على حقوق أطراف الدعوى كاملة. ويجب الالتزام بذلك القرار من جميع الجهات المعنية».

جمال الجبلاوى: منع النشر يحمى المتهم من التشهير قبل صدور حكم بات

قال المستشار جمال الجبلاوى، رئيس محكمة سابق والمحامى بالنقض، إن تصوير البعض للجلسات خلسة مخالفة قانونية، والضابط الوحيد هو صدور قرار من رئيس الجلسة يسمح بالتصوير، وغالبًا ما يكون لوسائل إعلام رسمية وبشروط محددة والنص القانونى المؤيد لذلك هو المادة ٢٤٣ من قانون الإجراءات الجنائية، التى تنص على: «ضبط الجلسة وإدارتها منوطان برئيسها»، وبناءً عليه، يملك الرئيس منع إدخال الهواتف أو الكاميرات للقاعة أصلًا.

وأضاف أن للمحكمة قدسية تهدف لحماية هيبة القضاء، ونشر الفيديوهات دون إذن يُعد إخلالًا بهذه القدسية، وقد يندرج تحت جرائم التأثير فى العدالة، حيث تنص المادة ١٨٤ من قانون العقوبات على أنه: «يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أهان أو سب بإحدى الطرق (النشر والعلانية) مجلس النواب أو غيره من الهيئات النظامية أو المحاكم».

واختتم الجبلاوى حديثه قائلًا، إن منع تصوير ونشر الجلسات لا يخل بسير الدعوى أو تحقيق العدالة، بل هو ضمانة لتحقيقها، لضمان عدم تأثر الشهود بالإعلام، وحماية خصوصية الخصوم، ومنع المحاكمات الشعبية التى قد تضغط على وجدان القاضى، كما ورد فى نص المادة (٩٦) من الدستور على أن «المتهم برىء حتى تثبت إدانته فى محاكمة قانونية عادلة»، ومنع النشر يحمى «قرينة البراءة» للمتهم من التشهير الإعلامى قبل صدور حكم بات. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق