طرح البيان الأخير الصادر عن النيابة العامة، بشأن حظر تسجيل ونشر وقائع الجلسات القضائية دون تصريح، تساؤلات مهمة حول مفهوم «علانية الجلسات»، وحدوده القانونية، خاصة فى ظل تصاعد دور وسائل التواصل فى نقل تفاصيل القضايا بشكل لحظى، واهتمام الرأى العام بمتابعة قضايا كان لها صدى واسع.
ويُعد مبدأ علانية الجلسات إحدى الركائز الأساسية للعدالة، وهو يضمن شفافية المحاكمات، ويعزز ثقة المجتمع فى القضاء، من خلال إتاحة فرصة للجمهور ووسائل الإعلام لمتابعة سير القضايا داخل قاعات المحاكم.
وبين الحق فى المعرفة، وهيبة المحكمة، تبدو ثمة معركة قانونية حول علانية الجلسات، فمتى يُسمح بالحضور، ومتى يُمنع التوثيق أو البث، وما ضوابط هذا البث حال تمت الموافقة عليه؟
وأبدى أستاذ القانون الجنائى د.محمد شعبان تحفظه على منع التسجيل فى الجلسات لأهداف تعليمية، بعيدًا تمامًا عن النشر على منصات ومواقع التواصل، حيث أكد أنه يحتاج فى بعض القضايا المهمة المليئة بالتفاصيل إلى أن يقوم بتسجيل مرافعته أمام هيئة المحكمة حتى تكون مرجعًا له ولزملائه من المحامين للتعلم والاستفادة منها.
وقال شعبان إن صدور المادة ١٨٦ مكرر من قانون العقوبات المصرى، المضافة بالقانون رقم ٧١ لسنة ٢٠٢١ كان له ملابسات ومبررات مثل عدم السماح بتسجيل ونشر أو بث بعض قضايا الإرهاب لما بها من تفاصيل قد تمس أمن الدولة، ونصت المادة على عقوبات مشددة تتعلق بتصوير أو تسجيل أو نشر جلسات المحاكمات دون تصريح.
أضاف أن المادة تنص على أنه: «مع عدم الإخلال بأى عقوبة أشد يُعاقب بغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على ثلاثمائة ألف جنيه كل من صور أو سجل كلمات أو مقاطع أو بث أو نشر أو عرض بأى طريق من طرق العلانية لوقائع جلسة محاكمة مخصصة لنظر دعوى جنائية بغير تصريح من المحكمة المختصة»، ويُحكم بمصادرة الأجهزة المستخدمة فى الجريمة أو محو محتواها، وفى حالة العود تُضاعف الغرامة.
وتابع شعبان أنه لا يجب استغلال القانون لمعاقبة المواطنين دون أسباب قوية خاصة أن الأصل فى الأشياء الإباحة وعلة التجريم غير واضحة فى تلك المادة، مضيفًا: «شاهدنا فى الفترة الأخيرة بعض صفحات التواصل تنشر وقائع جلسات محاكمة ومرافعات لممثلى النيابة خارج الإطار الرسمى لصفحة النيابة العامة، ومن المؤكد أن المحكمة سمحت لهم بالتصوير والبث والنشر، وبالتالى من حق المحامين التصريح لهم بذلك، كنوع من تبادل الخبرات بين جموع المحامين، مع التأكيد التام على وضع بعض القيود فى حالة التسجيل والتصوير، مثل عدم ذكر أسماء المتهمين أو أطراف القضية من شهود وضحايا، ويقتصر الأمر على فن المرافعة من دفوع قانونية، وقد فعل ذلك العديد من كبار المحامين، ونشروها كفيديوهات تعليمية للمحامين المبتدئين، خاصة أن بعض الجلسات تنعقد فى غرفة المداولة ولا يسمح للمحامين بمتابعتها أو التعلم منها».
وواصل:«الغرض من علانية الجلسات أن يكفل لكل متهم أن يحاكم بالشكل الطبيعى أمام قضاة طبيعيين ويسمح للجمهور بحضور المحاكمة سواء أطراف الدعوى أو المحامين أو جمهورًا غير مميز، وتؤدى تلك العلانية إلى شعور القاضى بأنه مراقب أثناء عمله، وأن تكون نفسه متزنة لا تميل يمينًا أو يسارًا».
وقال شعبان إن تلك المادة تعد تقليصًا للمباح بشكل ينافى علة التجريم، حيث إن الغرض من تجريم سلوك ما منع الاعتداء على مصلحة أولى بالرعاية فيهددها أو يصيبها بالضرر، مثل الشخص الذى ينقل وقائع مخالفة لما شهدته جلسة المحاكمة فقد يثير فتنة وينشر الكذب والشائعات، إذن فما الضرر الواقع من نقل الجلسة بحذافيرها دون زيادة أو فبركة؟.. لذلك نطلب السماح بتسجيل الجلسات والمرافعات كمرجع تعليمى، كما تسجل النيابة العامة مرافعتها.














0 تعليق