شهادة مختار نوح الأخيرة عن جماعة الإخوان !

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الخميس 07/مايو/2026 - 12:24 م 5/7/2026 12:24:37 PM


كان محاطًا بالعشرات من زملائه المحامين، بينهم الصديق والمؤيد، وبينهم المعارض والناصري واليساري، وفي الدائرة نفسها وقف من يحبه ومن يكره جماعة الإخوان، وسط هذا المشهد  كان مختار نوح أمين صندوق نقابة المحامين يقف بثقة يتلقى طلبات زملائه، يوقع لهذا، ويؤشر على تلك، ويرفض أخرى.
هكذا رأيته للمرة الأولى وجهًا لوجه عام 1995، قبل العمل بالصحافة وكنت بصحبة  الراحل المحامي الناصري فؤاد دريزة، ابن مدينة الزرقا بمحافظة دمياط، والذي كان يعاني وقتها من التهاب الكبد الفيروسي، ويسعى لزيادة قيمة العلاج الذي تتحمله النقابة، يومها وافق مختار نوح سريعًا على الطلببرغم ان دريزة كان ناصريا لتكتشف من اللحظة الأولى أنك أمام الشخصية الاذكى والأقوى والأكثر تأثيرا داخل مجلس نقابة المحامين، الذي كان يرأسه النقيب التاريخي الأستاذ أحمد الخواجة، بينما يتولى منصب الأمين العام أحمد سيف الإسلام حسن البنا، نجل مؤسس الجماعة.
تمكن مختار نوح من فرض حضوره داخل النقابة بقوة شخصيته وقدرته على التأثير في أغلب أعضاء المجلس، الذي كانت تهيمن عليه جماعة الإخوان، وقد كان أحد أبرز العقول التي خططت لسيطرة الجماعة على النقابات المهنية، وهي الخطة التي حققت نجاحًا واسعًا آنذاك، وقبلها استطاع أن يصبح أصغر نائب في مجلس الشعب، عبر قوائم الإخوان أيضا.
وقتها قلت لنفسي يا بخت جماعة الإخوان بهذا الكادر،  فقد امتلك الرجل كاريزما واضحة، وحضورا، وقدرة على الحركة والتنظيم تفوقت على أحزاب وقوى سياسية عديدة أتيحت لها الفرصة لفعل الكثير لكنها عجزت عن تحقيق أي تأثير حقيقي.

لكن رغم ذلك، ظل هناك سؤال يفرض نفسه: كيف يمكن لعقل يمتلك كل هذه القدرة على التفكير والإبداع أن يبقى أسيرًا لتنظيم  الاخوان بعقليته واطماعة ؟
فيما بعد زال هذا الاستغراب، حين انسحب مختار نوح من الجماعة، وغير مساره الفكري والحركي بالكامل، كان ذلك التحول طبيعيا بالنسبة لشخص يفكر ويعيد النظر فيما عاشه، خاصة بعد تجربة قصيرة أو طويلة داخل تنظيم يقوم على السمع والطاعة وإلغاء العقل النقدي، وهو المسار نفسه الذي سلكه المفكر والمحامي الكبير ثروت الخرباوي، الذي خرج من الجماعة بعد أن اكتشف حقيقتها من الداخل، ليصبح واحدا من أبرز من كشفوا أسرارها وخفايا بنيتها الفكرية والتنظيمية.
كنت دائما أؤمن أن من يملك عقلا قادرا على التفكير والإبداع، لا يمكنه أن يسلم مستقبله في الدنيا والآخرة لرضا جماعة، أو أن يضع قناعاته رهينة لتنظيم يحتكر الحقيقة لنفسه.
ومع السنوات تحول مختار نوح إلى واحد من أبرز الباحثين في تاريخ الجماعة والحركات الإسلامية المسلحة، وقدم للمكتبة العربية وللتاريخ عموما عملا مهما هو " موسوعة العنف في الحركات الإسلامية المسلحة.. 50 عامًا من الدم " التي ألقت الضوء على جانب خطير من تاريخ التنظيمات الاسلامية المسلحة، عبر توثيق العمليات الإرهابية التي اتخذت من العنف وسيلة للتغيير، وكشفت الروابط الفكرية والتنظيمية التي ظلت تجمع تلك الحركات بجماعة الإخوان.

ولعل أفضل ما يفسر أسباب خروجه من الجماعة، ما كتبه بنفسه على صفحته الشخصية قبل رحيله بيومين، حين قال إن الإخوان " ظلوا يتناقصون في حياته حتى بدأوا في التلاشي "   خاصة بعد أحداث رابعة، مستعيدا موقفا دار بينه وبين أحد أصدقائه من الجماعة، تحدث فيه عن " رؤيا " زعم أصحابها أن الرسول صلى الله عليه وسلم حضرها ورفض أن يؤمهم في الصلاة في وجود الرئيس محمد مرسي الذي قام إمامة الصلاة بديلا عن رسول الله  ، ليرى مختار نوح في ذلك دلالة على حجم الانفصال بين الجماعة والدين الصحيح والعقل السليم ايضا، وان رفض رسول الله الصلاة معهم هو دليل على على عكس ما روجت له الجماعة بأنها رؤيا ربانية لتأيد مرسي.
هكذا كان يفكر مختار نوح، بعقل ناقد يراجع ويقارن ويعيد الحسابات، لا بعقل يسلم نفسه بالكامل للجماعة، لذلك لم يكن ممكنا أن يبقى طويلا داخل تنظيم يقوم على الطاعة أكثر مما يقوم على التفكير، رحم الله مختار نوح.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق