القلب… ذلك العضو الصغير في حجمه، العظيم في أثره، لا يعرف سلطة ولا منصبًا، ولا يميز بين إنسان عادي وقائد يحمل مصير أمة، لكنه في حالات المسئولين والقادة يتحمل ما لا تتحمله القلوب العادية، ضغوطًا متراكمة، قرارات مصيرية، صراعات لا تهدأ، وعزلة نفسية حقيقية رغم الزحام، ومن هنا، لم تعد أمراض القلب لدى القادة مجرد شأن طبي، بل أصبحت ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية وسياسية.
وتذكر الأبحاث والدراسات أنه قرابة 26% من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية عانوا من أمراض القلب والأوعية الدموية، حيث ساهم الإجهاد الشديد والتدخين في تفاقم الأزمات الصحية، وتاريخيًا، كانت حالة قلب الرؤساء تُخفى كسر من أسرار الحرب، حتى أدت أزمة الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور بأزمة قلبية عام 1955م إلى مزيد من الشفافية العامة.
كان نبأ إصابة أيزنهاور بنوبة قلبية بمثابة صدمة للأمريكيين، والتي بدأت يوم الجمعة 23 سبتمبر، بينما كان يلعب الجولف، وفي البداية، عزا شعوره بالانزعاج إلى تناوله شطيرة الهامبرجر على الغداء، وظن أن ما يشعر به من صعوبة التنفس هو نتيجة وجبة الغذاء الدسمة، ثم عاد إلى المنزل الذي كان يقيم فيه، واستمر يعاني مما ظنه عسر هضم متقطع، ثم استيقظ حوالي الساعة الثانية صباحًا مصابًا بألم حاد في الصدر، فاتصلت زوجته بطبيب أيزنهاور الخاص، الذي وصل حوالي الساعة الثالثة صباحًا، وتكررت لاحقًا روايات متعددة عن الرعاية الأولية التي تلقاها أيزنهاور ومدى ملائمتها للحالة الطارئة، ولكن بدا واضحًا أن الطبيب عالج الرئيس بحقن متعددة من المورفين نظرًا لشدة الألم، على أمل أن يكون التشخيص عسر هضم، ثم غلبه النعاس، ولم يُجرَ له تخطيط كهربية القلب إلا بعد استيقاظه في الساعة الواحدة ظهرًا من يوم السبت، وكشف تخطيط كهربية القلب عن احتشاء واسع في عضلة القلب الأمامية.
وتقرر إدخال أيزنهاور إلى المستشفى، حيث سار بمساعدة إلى سيارته، التي سلكت طريقًا ملتويًا (لتجنب الصحافة) إلى مركز فيتزيمونز الطبي العسكري تحت خيمة الأكسجين، وبدأ أيزنهاور بتلقي الأدوية القليلة المتاحة آنذاك لمرضى احتشاء عضلة القلب مثل المورفين (لتسكين الألم)، والبابافيرين (مضاد للتشنج يُستخدم لتوسيع الشرايين التاجية)، والأتروبين (يُستخدم للوقاية من اضطرابات نظم القلب)، بالإضافة إلى الهيبارين والوارفارين للحد من تجلط الدم، وجميعها أدوية بدائية في علاج جلطات القلب إذا ما قورنت بالعقاقير والإجراءات التداخلية الحالية.
ربما تأخر طبيب أيزنهاور في تشخيص إصابته بنوبة قلبية، لكن فريقه الطبي أدرك فورًا ضرورة مشاركة المعلومات مع الشعب، ففي نهاية المطاف، لم يكن أيزنهاور رئيسًا فحسب، بل كان أيضًا مرشحًا لإعادة انتخابه، وكان السؤال المطروح هو ما إذا كان سيتمكن من الترشح للانتخابات عام ١٩٥٦أم لن يتمكن من ذلك؟
عُقد أول مؤتمر صحفي من أصل ١١ مؤتمرًا في يوم السبت الساعة ٢:٣٠ ظهرًا، بالتزامن مع نقل أيزنهاور إلى المستشفى، وكان رد الفعل على نبأ إصابة أيزنهاور بنوبة قلبية هو الذعر، وكان التعطش للمزيد من المعلومات شديدًا، وكان احتشاء عضلة القلب أكثر رعبًا للأمريكيين، فقد أصبح مرض القلب السبب الرئيسي للوفاة في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تدخين السجائر، وتراجع "المنافسة" من الأمراض المعدية والحروب.
وقد بلغت نسبة الوفيات في الولايات المتحدة في ذلك الوقت بين مرضى احتشاء عضلة القلب الذين وصلوا إلى المستشفى ما بين 30 و40%²، نظرًا لقلة الخيارات العلاجية المتاحة آنذاك، والتي كانت تقتصر على الراحة في الفراش، ولم يُفتتح أول قسم للعناية الجرجة التاجية إلا في عام 1962م، ولم يُوصف الإنعاش القلبي الرئوي وتقويم نظم القلب بالتيار المباشر لعلاج اضطرابات النظم المقاومة للعلاج إلا في عام 1960م.
وتقويم نظم القلب بالتيار المباشر هو إجراء طبي آمن وفعال (بنسبة نجاح تصل إلى 80% في المحاولة الأولى)، يستخدم فيه صدمة كهربائية مضبوطة عبر الصدر لإعادة ضبط إيقاع القلب غير المنتظم، خاصة في حالات الرجفان الأذيني أو الرفرفة الأذينية، حيث يستهدف الإجراء إنهاء اضطراب النظم فورًا، فيستعيد القلب نظمه الطبيعي، ويتم غالبًا تحت التخدير.
ونجد أيضا أنه من بين رؤساء أمريكا الذين تأثر قلبهم، فرانكلين روزفلت، والذي تولى الرئاسة وهو يعاني من ارتفاع حاد في ضغط الدم وفشل القلب الاحتقاني، وتوفي بسكتة دماغية عن عمر يناهز 63 عامًا، ثم ليندون جونسون، والذي أصيب بثلاث نوبات قلبية خطيرة، وتوفي عن عمر يناهز 63 عامًا بعد فترة وجيزة من تركه منصبه.
أما بيل كلينتون، الرئيس الأمريكي الأسبق، فهو صاحب بتاريخ طويل من أمراض القلب والأوعية الدموية، فقد عانى من مشاكل صحية خطيرة لأكثر من عقدين، بما في ذلك خضوعه لعملية جراحية في القلب وعدة مرات من دخول المستشفى، ومنذ مغادرته البيت الأبيض، مر كلينتون بعدد من المشاكل الصحية، ففي عام 2004م - بعد ثلاث سنوات فقط من مغادرته البيت الأبيض- خضع كلينتون لعملية جراحية في القلب (تحويل مسار شرايين القلب) بعد أن عانى من آلام في الصدر وضيق في التنفس.
كما قال الأطباء آنذاك إنه عانى من انسداد بنسبة 100% تقريبا في بعض شرايينه أثناء خضوعه لعملية جراحية، ونجا بأعجوبة من نوبة قلبية خطيرة، ولاحقًا، وتحديدًا في عام 2005م، عاد إلى المستشفى لإجراء جراحة بسبب انهيار جزئي في الرئة، وفي عام 2010 تم تركيب زوج من الدعامات له في شريان تاجي.
ومؤخرا في عام 2025م، ظهر بيل كلينتون في مطار هامبتونز في نيويورك وهو يحمل جهاز صدمات قلبية، ما أثار مخاوف متجددة بشأن حالته الصحية، نظرًا لتاريخه الطويل مع مشاكل القلب، او هذا لجهاز المحمول مصمم لتوفير صدمات كهربائية طارئة للقلب ومراقبة المرضى المعرضين لخطر عالٍ من السكتة القلبية
أما جورج بوش الأب، فقد تلقى علاجًا للرجفان الأذيني أثناء توليه منصبه.
وفي طب القلب والأوعية الدموية، لم يعد هناك شك في أن الضغط النفسي المزمن يُعد من أخطر العوامل المؤثرة على صحة القلب. فالتوتر المستمر يؤدي إلى ارتفاع هرمونات مثل الكورتيزول والأدرينالين، ما يرفع ضغط الدم، ويزيد من معدل ضربات القلب، ويُحدث خللًا في بطانة الشرايين، ومع الوقت تتراكم الترسبات ويزداد خطر التجلطات واضطرابات النظم القلبية، وهذه العملية قد تكون صامتة لسنوات، لكنها تنفجر في لحظة حاسمة، خاصة لدى من يعيشون في حالة استنفار دائم… كما هو حال القادة والمسئولين الكبار.
والقائد لا يعيش حياة طبيعية، فهو لا ينام حين يريد، ولا يرتاح حين يحتاج، ولا يثق بسهولة، ولا يُفصح عن ضعفه. يعيش في حالة “طوارئ نفسية” مستمرة، حتى في لحظات السكون الظاهري، وكل قرار يتخذه قد يغير مصير ملايين، وكل خطأ حتى لو كان محدودًا، قد يُضخم إلى أزمة وطنية، وهذه الحالة من الضغط المركب تضع قلب القادة في اختبار دائم، وكأن القائد يدفع من صحته ثمن موقعه.
وفي مصر، تمثل تجربة الرئيس والزعيم الراحل جمال عبد الناصر نموذجًا صارخًا لهذا المعنى، فقد عاش الرجل مسارًا سياسيًا حافلًا بالصراعات والتحديات الكبرى، من ثورة 1952، إلى تأميم قناة السويس، إلى العدوان الثلاثي، ثم هزيمة 1967م بكل ما حملته من صدمة نفسية وسياسية، وصولًا إلى حرب الاستنزاف.
هذه الرحلة لم تكن مجرد أحداث تاريخية، بل كانت ضغوطًا متراكمة على إنسان واحد، وقد عانى الرئيس عبد الناصر من مرض السكري، وكان يعمل لساعات طويلة تحت ضغط متواصل، فقد هاجم المرض الرئيس عبد الناصر فجأة ولأول مرة عام 1958م، حيث كان يجري تحليلا روتينيا للبول، ولأول مرة تم اكتشاف نسبة من السكر في بول الرئيس، ومع بدايات عام 1968م، اقترب الرئيس من الثانية والخمسين من عمره، وتلاحظ عليه أنه كان يجر ساقيه جرًا إذا أقدم على السير لمسافات قصيرة أو طويلة، وكان القرار الحاسم بالسفر إلا الاتحاد السوفيتي للعلاج.
وأول مرة أصيب فيها الرئيس عبد الناصر بأزمة قلبية، كانت بعد زيارة يقوم بها في الثامنة من صباح يوم 10 سبتمبر عام 1969م، لمشاهدة تدريب عملي لفرقة مدرعة حديثة التكوين، ووصلت إليه أخبار تقول أن الإسرائيليين قد قاموا بعمليات إنزال في الشاطئ الغربي للقناة على شاطئ خليج السويس في منطقة الزعفرانة، وأنه تم إنزال 16 دبابة هاجمت نقطة خفر السواحل، وقتلت خمسة من الجنود ودمرت عددًا من السيارات المدنية التي تصادف مرورها، وقتلت بعض المديين وأسرت البعض الآخر.
وكما ذكرت في مؤلفي الصادر في عام 2001م (زعماء على فراش المرض- أسرار لم تنشر من قبل) لم يستطع الرئيس عبد الناصر بعد سماع هذه الأخبار إكمال التدريب العسكري وأم بإلغائه فورا، وعاد إلى القاهرة، وبعد قليل شعر بألم في صدره أشبه بطعنات السكين، بعد أن صورت إسرائيل للإعلام العالمي كما أنها لو غزت مصر، وبعد استدعاء أطباء الرئيس، تأكد بعدها إصابته بجلطة في الشرايين التاجية للقلب.
وفي 28 سبتمبر عام 1970م، توفى الرئيس جمال عبد الناصر باحتشاء جديد في عضلة القلب، يعتقدانه ناتج عن انسداد في الشريان التاجي الرئيسي الأيسر للقلب، وإصابته بجلطة حادة.
وليس هذا المثال فريدًا، فالتاريخ يقدم نماذج عديدة لقادة أثقلت قلوبهم أعباء السلطة،
في دراسة نشرت في 20 فبراير عام 2001م، في مجلة الطب الباطني الجزء رقم (134) تحت عنوان (تأثير أمراض الشرايين التاجية للقلب على قادة العالم)، جاء أن الدراسات السابقة أظهرت أنه في الفترة من عام 1965م إلى عام 1996م، كان مرض القلب التاجي سببًا طبيعيًا متكررًا للوفاة بين قادة العالم، وهدفت الدراسة إلى تقييم معدل الإصابة بأمراض القلب التاجية والوفيات الناجمة عنها بين قادة العالم، ولتحديد تأثير هذا المرض على القدرة على تولي المناصب، وكانت من نتائجها أن نحو 64 قائدًا من قادة العالم أصيبوا بنوبات قلبية تاجية أولية أثناء توليهم أعلى منصب في بلادهم، وانخفضت معدلات الإصابة الأولية من سبعينيات القرن الماضي إلى تسعينياته (1.9 نوبة لكل 100 شخص- سنة مقابل 1.1 نوبة لكل 100 شخص- سنة). وازدادت معدلات النجاة، واستخدام الإجراءات الطبية، وتلقي الرعاية الصحية في الخارج مع مرور الوقت. واستمر معظم القادة الذين نجوا من النوبة الحادة في أداء مهامهم.
وفي دراسة أخرى بعنوان (القيادة الإدارية وأمراض القلب) والمعروفة باسم دراسة وولف السويدية، والتي نشرت في عام 2008م، إصابة نحو 74 حالة بمرض قصور الدورة الدموية بالقلب خلال فترة متابعة متوسطة بلغت 10 سنوات تقريبا، من بين أصحاب المناصب الإدارية القيادية، وأن معدلات الإصابة ترتبط بعوامل كثيرة مثل التعليم، والطبقة الاجتماعية، والدخل، والوضع الإشرافي، والجهد البدني المُدرك في العمل، والتدخين، والتمارين الرياضية، ومؤشر كتلة الجسم، وضغط الدم، والدهون، ومرض السكري، كما ربطت الدراسة بين العلاقة بين سلوكيات القيادة وقصور الدورة الدموية بالقلب الذي يؤدي إلى احتشاء عضلة القلب الحاد والوفاة القلبية كنتيجة.
ومن هنا، نشأت منظومات طبية خاصة لعلاج القادة، وخاصة رؤساء الدول والزعماء، وهي منظومات تختلف جذريًا عن النظم التقليدية، فلكل رئيس فريق طبي متكامل، لا يقتصر على طبيب واحد، بل يشمل تخصصات متعددة: القلب، الباطنة، الأعصاب، الطب النفسي، والتغذية، إضافة إلى فرق طوارئ على أعلى مستوى، حيث يتم إجراء فحوصات دورية دقيقة، ومتابعة مستمرة للوظائف الحيوية، مع جاهزية دائمة للتدخل الفوري في حال حدوث أي طارئ، بل إن بعض القادة تكون لديهم وحدات طبية متنقلة ترافقهم في تحركاتهم، مزودة بأحدث الأجهزة، تحسبًا لأي أزمة مفاجئة.
لكن اللافت أن هذا العلاج - رغم تطوره - يُدار في إطار شديد السرية، والسبب في ذلك ليس فقط احترام خصوصية المريض، بل اعتبارات تتعلق بالأمن القومي، فصحة القائد ليست شأنًا شخصيًا بحتًا، بل عامل مؤثر في استقرار الدولة نفسها، وأي تسريب لمعلومات صحية قد يُستغل سياسيًا أو اقتصاديًا، وقد يؤثر على ثقة الداخل أو حسابات الخارج، لذلك، تُحاط الحالة الصحية للقادة بدرجة عالية من الكتمان، ويُدار الملف الطبي بحساسية شديدة، حيث يُوزن الإعلان عن أي معلومة بميزان دقيق بين الشفافية والاستقرار.
وهنا تتجلى المفارقة العميقة… فالقائد أو الرئيس أو الزعيم الذي يملك كل أدوات السلطة، لا يملك السيطرة على قلبه، والدولة التي تُحكم بأنظمة معقدة، قد تتأثر بنبضة قلب واحدة، وكما أن اضطراب نظم القلب يؤدي إلى اضطراب في ضخ الدم إلى الجسد، فإن اضطراب إيقاع القيادة قد يؤدي إلى اضطراب في مسار الدولة.، والعلاقة ليست مجازًا بل تشبيهًا دقيقًا، فالقلب يضخ الحياة في الجسد، والقائد يضخ القرار في الدولة. وإذا اختل أحدهما… اختل الكيان كله.
إن التاريخ مكتظ بكثير مما يدلل على ارتباط قلب الرؤساء والقادة بقلب الدولة، فقط أدت إصابة رؤساء الدول بأمراض القلب أو الجلطات الدماغية عبر التاريخ إلى اضطرابات سياسية، وفراغ في السلطة، أو اتخاذ قرارات مصيرية متأثرة بضعف الحالة الصحية، ومن أبرز الأمثلة التاريخية الموثقة، حالة الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية وودرو ويلسون، والذي أصيب بجلطة دماغية (سكتة دماغية) حادة في أكتوبر 1919، تركت جانبه الأيسر مشلولًا وأثرت على قدراته الذهنية، وأخفت زوجته (إديث ويلسون) وطبيبه الخاص خطورة حالته عن الكونجرس والجمهور لأكثر من عام ونصف، وكان من تأثر هذا الإخفاء تحولت زوجته إلى "رئيسة فعلية" تحدد الأوراق التي تصل إليه، مما أدى ذلك إلى "شلل" في إدارة البلاد، وتحديدا في رفضه للمساومة مع مجلس الشيوخ، مما تسبب في فشل الولايات المتحدة في الانضمام إلى "عصبة الأمم"، وهو ما يراه مؤرخون نقطة تحول أثرت على توازن القوى العالمي قبل الحرب العالمية الثانية.
ورئيس الولايات المتحدة الأسبق أيضا دوايت أيزنهاور، والذي أصيب بأزمة قلبية شديدة أثناء توليه الرئاسة في سبتمبر 1955، مما أدى إلى تغيبه عن العمل لعدة أسابيع، وأثار الحادث تساؤلات دستورية حول من يتولى السلطة في حال عجز الرئيس، حيث لم يكن التعديل الـ 25 (الذي ينظم نقل السلطة) قد أقر بعد، وعلى الرغم من أن نائبه "ريتشارد نيكسون" أدار الشؤون اليومية، إلا أن أيزنهاور أصر على إدارة شؤون الدولة من سريره، وحاول إخفاء مدى خطورة حالته عن الجمهور، مما أدى إلى فترة من عدم اليقين السياسي.
أما الرئيس فرانكلين روزفلت والذى عانى في الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الثانية من ارتفاع شديد في ضغط الدم وفشل قلبي احتقاني، قبل أن يموت بجلطة دماغية (نزيف مخي) عام 1945م، فتشير تقديرات المؤرخين إلى أن صحة روزفلت المتدهورة أثرت على قدرته على التفاوض مع ستالين في مؤتمر يالطا (1945)، مما سمح للاتحاد السوفيتي بفرض سيطرته على شرق أوروبا، حيث كان يفتقر إلى الطاقة والتركيز لمواجهة مطالب السوفيت بقوة.
ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل أصيب بجلطة دماغية شديدة في يونيو 1953م، أدت إلى شلل مؤقت في جانبه الأيسر، وقد تم إخفاء الخبر تمامًا عن البرلمان وعامة الشعب، واعتبرت التقارير الطبية أنه يعاني فقط من "إرهاق شديد"، وقد أثرت الجلطة على قدرته على إدارة البلاد لفترة، وكان هناك تخوف من أنه لم يعد الشخص القادر على القيادة، مما أضعف موقفه السياسي داخليًا قبل استقالته لاحقًا.
إن خطر السريّة يكون من أسباب اضطراب الأنظمة عند مرض القادة، فعندما يميل المحيطون بالرئيس إلى إخفاء المرض، يخلق ذلك فراغًا في السلطة أو "حكمًا بالوكالة" (كما في حالة ويلسون)، والقرارات الانفعالية غير المدروسة قد أكثر عنادًا، مما يؤثر على القرارات الدبلوماسية، فالخوف من الشلل السياسي: قد يدفع القادة إلى التمسك بالسلطة رغم العجز، مما يؤخر اتخاذ قرارات استراتيجية ضرورية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا التأمل: هل ندرك – كمجتمعات- أن القادة بشر، بقلوب تُرهق وتضعف؟
وهل نُسهم- بضغوطنا وصراعاتنا وتوقعاتنا - في إنهاك هذه القلوب؟
إن من يحمل وطنًا… لا بد أن يدفع ثمنًا.
لكن الحكمة تقتضي ألا يكون هذا الثمن… هو الحياة نفسها.













0 تعليق