عاجل
موعد مباراة النصر والدرعية والقنوات الناقلة في الدوري السعودي.. موقف رونالدوهل تناول مكملات فيتامين د يحسن وظائف المخ لكبار السن؟.. دراسة توضحقبل تفعيل مكالمات الواى فاى.. 5 مزايا وعيوب يجب أن تعرفهادمج HBO Max و Paramount+ في منصة بث واحدةحياة السلاطين.. مشكاة السلطان الظاهر برقوق تحفة نادرة بمتحف الغردقة.. صوررضا الصفتي يكتب: ما تمنيناه وما اختارته لنا الحياة3 دقائق من التمارين قد تغير استجابة الجسم.. دراسة تكشف التفاصيلخطوات تأمين واتساب من الاختراق فى دقائق
الإضافة إلى المصادر المفضلة

اللواء محمد فصيح: عبرنا بالأمل والصبر قبل السلاح

2024/09/30

اللواء 15 مُدرع شارك فى تحرير القنطرة وصد حملة «شارون» وحصار «الثغرة»

ذُقت مرارة التهجير طفلًا من الإسماعيلية فى 1956 وعدت إليها ضابط مدرعات فى 1969

صدمة النكسة غيّرت مسارى التعليمى فالتحقت بالكلية الحربية بعد الحرب بـ4 أشهر

بالتدريب الشاق تمكّنا من تسليح الدبابة فى 8 دقائق والخبراء الروس توقعوا 12 دقيقة

بتواضع النبلاء يتحدث عن زملائه فى حرب أكتوبر بأكثر مما يحكى عن نفسه، صنع الرجل بطولته قبل أكثر من نصف قرن، ومن يومها يصر على أنه ليس لديه ما يرويه، لكنه حين يتورط فى نسج خيوط الذاكرة؛ تجد فى حكاياته عن سيناء كثيرًا من المفارقات الدرامية، ليست فى تجربته الإنسانية والعسكرية فحسب، بل فى مشوار والده ونجله كذلك. هو اللواء أركان حرب محمد كامل فصيح موسى، أحد أبطال حرب أكتوبر المشاركين فى تحرير مدينة القنطرة شرق، تبدأ قصته مع سيناء قبل نصر أكتوبر بنحو ٢٠ عامًا، حين عبر إليها لأول مرة طفلًا فى حضن والده الضابط بالقوات المسلحة فى سنوات الاحتلال البريطانى، قبل أن يعبر إليها هو نفسه بطلًا من أبطال سلاح المدرعات فى حرب أكتوبر، وبعدها بربع قرن من الزمان، يشارك نجله فى حماية حدود سيناء ذاتها.

سنرجع يومًا

قبل جلاء القوات البريطانية عن قناة السويس فى ١٨ يونيو ١٩٥٦، كان والد اللواء محمد فصيح ضابطًا بسلاح المركبات بالقوات المسلحة وينتقل بأسرته من محافظة الشرقية إلى مقر عمله فى مدينة العريش بشمال سيناء.

يقول اللواء فصيح إن ذكرياته عن هذه المرحلة باهتة نسبيًا، لأنه كان لا يزال طفلًا التحق حديثًا بمدرسة العريش الابتدائية: «لكننى أذكر جيدًا كيف كان الضباط الإنجليز يفتشون القطارات العابرة إلى سيناء، ويدققون فى بطاقات والدى ووالدتى كأنها جوازات سفر لمسافرين خارج الحدود، وليست بطاقات هوية لمواطنين مصريين من حقهم التنقل داخل حدود وطنهم المحتل. شعرت يومها وكأن سيناء بلد آخر تفصله عن مصر مياه القناة وبنادق الإنجليز».

انتقل والد محمد فصيح إلى مقر عمل جديد فى الفرقة الرابعة المُدرعة بمنطقة فايد بالإسماعيلية، وانتقل معه الابن محمد فصيح طالبًا فى الصف الثانى بمدرسة المطار الأبيض الابتدائية. 

«فرحت بجلاء الإنجليز عن سيناء ومصر كلها، وعرفت أن قناة السويس صارت مصرية أخيرًا. لكن العدوان الثلاثى على مصر فى أكتوبر ١٩٥٦ أجبرنى على التهجير مع والدتى وأشقائى الصغار إلى الزقازيق ثم ههيا، ومنها إلى قرية النعامنة فى محافظة الشرقية».

وبعد الحرب، انتقل والده للعمل فى مركز تدريب المركبات بالعباسية، ثم مركز تدريب مهنى المدرعات فى المنطقة العسكرية المركزية «الهايكستب». وخلال هذه السنوات، كبر محمد فصيح، والتحق بمدرسة مصر الجديدة الثانوية، وكان مُقررًا انعقاد امتحانات الثانوية العامة يوم ١٠ يونيو ١٩٦٧، لكن اندلاع الحرب كان سببًا فى تأجيل الامتحانات أسبوعين.

وقبل ظهور نتيجة الثانوية العامة، كان الطالب محمد فصيح قد اتخذ قرارًا مفاجئًا سيغير مسار حياته. اختار الالتحاق بالكلية الحربية فى هذه الظروف الغامضة عسكريًا والمرتبكة سياسيًا.

سألته عن ميوله للحياة العسكرية تأثرًا بوالده، فقال إن «الالتحاق بالمنظومة العسكرية المصرية شرف ومصدر فخر فى كل زمان، لكننى لم أفكر قبل الحرب إلا فى المسار المعتاد للدراسة الجامعية، رغم أننى كنت فى مدرسة ثانوية عسكرية، وأشارك فى مُعسكرات الفتوّة الطلابية. لكن وقع الهزيمة على نفوسنا كان أصعب من وصفه، نحن أبناء ثورة يوليو، وتربينا على العزة والكرامة والفخر بالوطن، وفجأة جاء زلزال يونيو ١٩٦٧ ليترك أثره فى نفوس الجميع».

وبشىء من الثقة والحسم، قال اللواء محمد فصيح إن نصف دفعته فى الكلية الحربية كانوا طلابًا رشّحهم مكتب التنسيق بالفعل إلى كليات جامعية مدنية، لكنهم اختاروا الانضمام إلى الجيش أملًا فى النصر الذى بشّر به الرئيس جمال عبدالناصر.

ضحايا النكسة يصنعون النصر

فى أكتوبر ١٩٦٧ كانت مصر تغيّر جلدها، ومانشيتات الصحف تتحدث عن تحقيقات النائب العام فى انتحار المشير عبدالحكيم عامر، ومحاكمة صلاح نصر فى قضية انحراف المخابرات العامة، وكذلك محاكمة قادة الطيران بوصفهم مسئولين عن الهزيمة، ثم جاء يوم ٢١ أكتوبر ١٩٦٧ ليطبع قُبلة الأمل على جباه المصريين جميعًا مع نجاح ضباط القوات البحرية فى تدمير المدمرة الإسرائيلية إيلات أمام شواطئ بورسعيد.

فى هذه الأجواء، وفى هذا الشهر نفسه، بدأ محمد كامل فصيح مشواره العسكرى طالبًا فى الكلية الحربية مع زملاء دفعته، الذين دخلوا الجيش فى عام الهزيمة ليصنعوا النصر، بدلًا من انتظاره.

نعرف من اللواء فصيح أنه تخرج ضابطًا فى سلاح المدرعات «الدُفعة ٥٥ حربية» فى يوليو ١٩٦٩، والتحق باللواء ١٥ مدرع مستقل فى منطقة أبوصوير بالإسماعيلية، ونعرف من الأرشيف الصحفى أن جبهة قناة السويس فى الشهر نفسه كانت مشتعلة بعد نجاح واحدة من أكبر عمليات عبور المجموعة ٣٩ قتال بقيادة إبراهيم الرفاعى، ومنظمة سيناء تدمر أول مستعمرة تبنيها إسرائيل فى الأرض المصرية المحتلة.

التدريب سلاح إضافى

طالت شهور التدريب، وانحصرت أيام الإجازات فى ٤ أيام شهريًا، منها يومان للسفر ذهابًا وعودة. وفى هذه المرحلة، كان الملازم محمد فصيح ووالده ضابطين فى خدمة قواتنا المسلحة فى الوقت نفسه، ونادرًا ما تتزامن إجازات كل منهما.

ولم يغفل اللواء فصيح الإشارة إلى مُعاناة زملائه «الصعايدة»، الذين كان غيابهم عن الأهل يصل إلى أكثر من ٤٥ يومًا بغرض ضم الإجازات حتى لا تُهدر فى السفر الطويل. 

«كان الطعام المتاح لنا فى الجبهة وجبة لحوم لمرة واحدة أسبوعيًا، والباقى فول وعدس، والذى منه، الشعب كان يعانى، والجيش من الشعب، وكل الأولوية للمجهود الحربى، على أمل استعجال معركة التحرير».

وبكل الفخر والامتنان، يتحدث اللواء محمد فصيح عن أثر التدريب الشاق على كفاءة الضباط والجنود فى هذه المرحلة: «كان الخبراء الروس يقدرون الوقت اللازم لتشوين وتسليح الدبابة بـ٤٣ طلقة متنوعة فى حدود ١٢ دقيقة، فنجحت مع زملائى فى إنجاز المهمة فى ٨ دقائق فقط، على الرغم من ضيق الوقت المتاح للتدريب عند أول وآخر ضوء، لتجنب أعمال الاستطلاع المعادية».

الجبهة الداخلية تبلع الطعم

ثم مات عبدالناصر، ولم يدفن الأمل معه. وعلم الملازم محمد فصيح بنبأ وفاة الرئيس عبر راديو «ترانزستور» فى أبوصوير، وصدرت الأوامر بانتقاله مع زملائه إلى حدود القاهرة لحماية العاصمة أثناء جنازة الرئيس الراحل، وبعد عدة أشهر، عاد اللواء المدرع إلى الصالحية الجديدة، فى منطقة أقرب إلى قناة السويس مقارنة بموقع أبوصوير السابق.

وتواصلت أعمال التدريب، وصارت أكثر تنوعًا وجدية كلما اقتربت القوات من خط المواجهة على الجبهة. وكان اللواء ١٥ مدرع يشارك فى التدريب على العبور فى منطقة الخطاطبة بالمنوفية، فى موقع أعد خصيصًا ليحاكى ظروف قناة السويس والساتر الترابى فى سيناء. 

وأثناء مشاركته فى مشروع تدريبى للمدرعات، يذكر «فصيح» أن الرئيس الليبى معمر القذافى تفقد مدى جاهزية قواتنا المسلحة لحرب التحرير برفقة الفريق محمد صادق، وزير الحربية، وقد صافحه وأثنى على كفاءة زملائه.

«كان غموض القرار السياسى فى ١٩٧١ و١٩٧٢ ثقيلًا على نفوسنا، لكننا لم نشك أبدًا فى جدية القيادتين السياسية والعسكرية تجاه حرب التحرير المنتظرة». هكذا رد اللواء فصيح على سؤال بخصوص مدى تأثر ضباط الجيش بالتشكيك، الذى بلغ حد السخرية من الرئيس السادات فيما يتعلق بمسألة «عام الحسم» و«عام الضباب» وتأخر قرار الحرب. 

«كنا على الجبهة ونلمس بأنفسنا تطور مستوى التدريب القتالى وجديته، أما فى الجبهة الداخلية فربما يكون الناس أكثر تأثرًا بالدعاية المضادة والحرب النفسية، خصوصًا الشباب المتحمس والمتعجل بطبعه».

فى ربيع وخريف عام ١٩٧٢ أجرت قواتنا المسلحة مشروعًا تعبويًا ضخمًا أقلق العدو واضطره إلى إعلان التعبئة العامة مرتين فى عام واحد، وهو أمر مكلف ومُعطل للاقتصاد الإسرائيلى. وعن ذلك قال اللواء محمد فصيح: «فى الوقت الذى كان البعض يسخر من الرئيس السادات ويشكك فى قرار الحرب، لم ينتبه أحد إلى أن خطة الخداع الاستراتيجى كانت قد بدأت على الجبهة مُبكرًا، لدرجة أن الجبهة الداخلية بلعت الطعم هى الأخرى».

وكانت القوات تتحرك من مواقع إلى أخرى على سبيل التمويه، لإرباك وإفساد المعلومات الاستطلاعية للعدو على الجبهة. وفى المشروع التعبوى الأخير فى ربيع ١٩٧٣، شعر اللواء فصيح وزملاؤه بأن المعركة تقترب، لكن متى بالتحديد، لا أحد يعلم.

أجيال تُسلم أجيالًا

رحلة امتدت لنحو ٣١ عامًا قضاها اللواء محمد كامل فصيح فى خدمة قوتنا المسلحة، تسبقها رحلة والده المقدم فصيح موسى الذى عاصر وشارك فى حرب فلسطين عام ١٩٤٨، وحرب العدوان الثلاثى عام ١٩٥٦، وحرب اليمن عام ١٩٦٢، وحرب يونيو ١٩٦٧، ثم حرب أكتوبر ١٩٧٣. وقد عمل المُقدم فصيح موسى لسنوات فى أحد مراكز التدريب بمنطقة «الهايكستب»، ومنحه القدر سعادة رؤية ابنه الأكبر محمد فصيح يشارك أيضًا فى تدريب الضباط الجدد فى «مدرسة المعركة» بالجيش الثانى قبل وبعد حرب أكتوبر.

كان المقدم فصيح موسى أول رجل عسكرى فى عائلته، ولم يكن نجله اللواء محمد فصيح الوحيد الذى تأثر بتفانى الرجل وإخلاصه لشرف العسكرية المصرية، فقد تحمّس نجله الثانى ماهر فصيح إلى الالتحاق بالكلية الحربية أثناء تجنيده بالدفاع الجوى بعد حرب أكتوبر.

وبعد نحو ربع قرن على حرب أكتوبر وعبور اللواء محمد فصيح مع مَن عبروا إلى سيناء، التحق نجله العميد وائل محمد فصيح بكلية الشرطة عام ١٩٩٦، وعند تخرجه، كان من نصيبه أن يلتحق بقوات الشرطة المُكلفة بالعمل فى سيناء، وتحديدًا فى المنطقة الحدودية «ج»، ليقضى ٣ سنوات من عمره فى حراسة الأرض التى شارك جده ووالده فى تحريرها، فى دراما واقعية صنعتها الأيام كنموذج رمزى لبطولة العائلة المصرية، وشاهد على انتماء جيل عظيم لوطن أعظم.

وهى مفارقة يمكن إسقاطها على كل بيت فى مصر، شاركت أجياله فى تأكيد مصرية سيناء بشكل أو بآخر، وردد أبناؤه فى الجيش نشيد «وصُنّاك يا مصر طول الزمن، ليبقى شبابك جيلًا فجيلا».

تحرير مدينة القنطرة شرق

شاركت سرية النقيب فصيح مع باقى سرايا وكتائب اللواء ١٥ مدرع مدينة القنطرة شرق من الجنوب، لحماية قوات الصاعقة داخل المدينة أثناء تحريرها. وصدّ اللواء المدرع العشرات من الهجمات المضادة للعدو بدءًا من فجر السابع من أكتوبر وحتى مرحلة تطوير الهجوم داخل سيناء. وفى هذه المرحلة، يفخر «فصيح» ببطولة أحد زملاء دفعته فى الكلية الحربية، هو العميد يسرى عمارة الذى شارك فى أسر القائد الإسرائيلى عسّاف ياجورى. 

وبعد وقوع أحداث ثغرة الدفرسوار، انتقلت سرية النقيب محمد فصيح جنوبًا للمشاركة فى إفشال محاولات «شارون» لاحتلال الإسماعيلية، ثم الانتقال مجددًا إلى منطقة «نفيشة» بالإسماعيلية للمشاركة فى حصار منطقة الثغرة لحين وقف إطلاق النار وإعلان فصل القوات مطلع عام ١٩٧٤.

انتهت حرب أكتوبر بنصر عسكرى خالد، ليبدأ عمل السياسة والدبلوماسية. وانتقل محمد فصيح إلى مسار آخر فى خدمة قواتنا المسلحة، ليعمل مدرسًا فى الكلية الحربية التى تخرّج فيها قبل نحو ٥ سنوات. وحتى العام ١٩٧٩، شارك «فصيح» فى تخريج ١٠ دفعات بالكلية الحربية، بدءًا من الدفعة ٦٥ وحتى الدفعة ٧٥ حربية.

وانتقل «فصيح» إلى سيدى برّانى فى المنطقة الشمالية رئيسًا لعمليات إحدى كتائب المدرعات، ثم قائدًا لكتيبة مدرعات فى السلوم. وفى ١٩٨٥ أصبح أركان حرب مركز تدريب مهنى المدرعات فى المنطقة المركزية، وهو نفسه المركز الذى عمل فيه والده لسنوات طويلة حتى خروجه على المعاش عام ١٩٧٧.

وفى ١٩٨٨ تولى اللواء محمد فصيح رئاسة فرع التدريب القتالى بالجيش الثالث الميدانى بالسويس، وفى ١٩٩٢ ترأس فرع التعليم بمركز سائقى الجنزير، ثم قائدًا للمركز، ثم مساعدًا لمدير معهد المدرعات حتى بلوغه سن المعاش عام ١٩٩٨.

إنها الحرب لا ريب

وفى الرابع من أكتوبر ١٩٧٣ صدرت الأوامر للواء ١٥ مُدرع مستقل، المعروف باللواء الضارب، بالتحرك لدعم الفرقة ١٨ مشاة ميكانيكى بقيادة فؤاد عزيز غالى، على بُعد ٤ كيلومترات فقط من قناة السويس، وهى «مسافة لم يسبق أن اقتربت منها مدرعاتنا من قبل»، فأيقن النقيب محمد فصيح بأنها الحرب لا ريب.

وفى صباح السادس من أكتوبر كان النقيب محمد فصيح قائدًا لسرية دبابات فى الكتيبة ٢٤٥ ضمن تشكيلات اللواء ١٥ مدرع مستقل بقيادة العقيد تحسين شنن، أو «تيتو» كما كانوا يطلقون عليه فى جهاز «اللا سلكى». 

ولا يزال «فصيح» يذكر بالأسماء طاقم دبابته والكثير من زملائه فى اللواء، «السائق شمس والرامى على حسن والمُعمِر محمد حسن وغيرهم كانوا أكبر منى سنًا وبدأ تجنيدهم قبل النكسة بسنوات، وعشت معهم سنوات انتظار المعركة بأمل وقلق لا يفرّق بين قائد ومُجند».

ونظرًا لطبيعة السلاح، تأخّر عبور النقيب محمد فصيح بدباباته العشر لحين فتح ثغرات فى الساتر الترابى على قناة السويس. و«مع أذان مغرب العاشر من رمضان، كانت أول سيجارة أدخنها فى حياتى على الجبهة، لأشارك زملائى فرحة العبور على طريقتهم». وفى العاشرة مساء، كانت دبابة النقيب فصيح أولى دبابات السرية فى العبور على معديّات مُجهزة، قبل إنشاء كبارى العبور الثقيلة. و«بمجرد وصول الدبابة إلى الضفة الشرقية للقناة سجدت لله شكرًا على تراب سيناء، وفوجئت بسيارة جيب قادمة من خلف الساتر الترابى، نزل منها نقيب صاعقة يخبرنى بأنهم أسروا ٣ ضباط إسرائيليين كانوا مختبئين فى مسجد القنطرة شرق، ويطلب منى السماح له بنقلهم إلى الضفة الغربية للقناة على نفس المعدية التى نقلت دبابتى، فأذنت له فورًا. ورأيت الأسرى وقد أكلوا علقة حرامية على يد أبطال الموجات الأولى للعبور». فى زمن الاحتلال البريطانى لقناة السويس عبر الطفل محمد فصيح بصحبة والده إلى سيناء بإذن إنجليزى مُحتل، وفى ١٩٦٩ تخرّج محمد فصيح ضابطًا ليقف على شاطئ القناة فى انتظار فرصة العبور لمواجهة الإسرائيلى الغاصِب، وفى ٦ أكتوبر ١٩٧٣ عبر النقيب محمد فصيح قناة السويس بالقوة المدرعة أخيرًا، دون إذن من غاصبٍ أو مُحتل. وفى حرب أكتوبر كانت دبابة قائد السرية تعبر أولًا، ثم يطمئن بنفسه على عبور باقى دبابات سريته، «كان ذلك أول درس مُستفاد من النكسة، فقد تعلمنا فى الكلية الحربية أن القائد لا بد أن يكون قدوة للمجندين تحت قيادته، وأن لا فرق بينهما فى مواجهة قذائف العدو».

اليأس أصعب من المعاناة

«كانت ظروف البلد صعبة، لكن الاستسلام لليأس كان أصعب». هذه شهادة يربط بها اللواء محمد فصيح بين زمان والآن، «كان راتبى فى حرب الاستنزاف حوالى ٢٦ جنيهًا، أدفع منها ٥ جنيهات لتحسين الطعام على الجبهة، وأشارك بالباقى فى مصاريف الأسرة. ولم يكن مسموحًا بالتفكير فى الارتباط وبدء حياة أسرية فى ظل حرب مُنتظرة. كنت منعزلًا عن الحياة المدنية وسُبل الترفيه لضيق الوقت المتاح فى الإجازات. لكن أى مُعاناة لم تكن لتقارن بمُعاناة المُهجّرين من مدن القناة، الذين قضوا ٦ سنوات من أعمارهم يقيمون فى مدارس أو مساكن مؤقتة، ويعملون فى وظائف مؤقتة لاستصلاح الأراضى بمديرية التحرير أو غيرها. ورغم ذلك كان الصبر والأمل والعمل رفاقنا فى كل صباح. وليس فى ذلك إفراط فى المثالية، وإنما لم يكن هناك حل آخر، وهذا ما أثبتته الأيام لاحقًا، ألم يتحقق المستحيل وعبرنا وانتصرنا بأقل الإمكانيات؟».

فى أواخر التسعينيات، زار اللواء محمد فصيح المواقع التى استشهد فيها زملاؤه فى اللواء ١٥ مُدرّع، ومرِض لعدة أيام حين شاهد دبابات زملائه الشهداء على حالها منذ استهدفها العدو فى تطوير الهجوم منتصف أكتوبر ١٩٧٣. «لكننى اليوم أرى سيناء جديدة، بفضل مشروعات الأنفاق العملاقة تحت قناة السويس للربط بين سيناء وكل أرض مصر، إلى جانب التوسع فى استصلاح الأراضى بفضل تطوير ترعة السلام ومحطة مُعالجة مياه بحر البقر الأكبر فى العالم، من أجل هذا وأكثر حاربنا فى أكتوبر ١٩٧٣، وحارب آباؤنا وأجدادنا فى كل زمان».

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق تحرير اعرف سبورت خبرة في الصحافة الإلكترونية وإعداد وتحرير التقارير الاقتصادية، وفي صياغة المحتوى وفق معايير تحسين محركات البحث (SEO) يتابع الحدث لحظة وقوعه ويتابع كافة أخبار مصر والعالم العربي علي مدار 24 ساعة بدقة وإحترافية

تابعوا آخر الأخبار العربية والعالمية، وآخر المستجدات السياسية والاقتصادية والرياضية أولًا بأول عبر جوجل نيوز

أخبار ذات صلة