بالتالي، الحركة التي ظهرت أخيراً في لبنان، ليست انتعاشاً عقارياً بالمعنى الكلاسيكي، بل شراء دفاعي لشقق ومنازل في مناطق أبعد عن الضاحية الجنوبية والجنوب والأماكن الأكثر عرضة للقصف، بهدف تأجيرها سريعاً. المنطق هنا واضح، وهذا اصلا ما اعتاد عليه اللبنانيون خلال الحرب الاخيرة، فحين ترتفع المخاطر في منطقة، ينتقل الطلب إلى مناطق يُنظر إليها على أنها أكثر أماناً وأقدر على استقطاب المستأجرين. وهذا ما ينسجم مع أرقام أظهرت أن السوق العقارية في بيروت باتت شديدة الارتباط بالتطورات الأمنية، وأن قرارات البيع والشراء والتأجير أصبحت أكثر حذراً كلما اقتربت الحرب أو توسعت.
لكن هذا التحول لا يعني أن السوق تعافت. فلبنان لم يستعد بعد دورة الإقراض المصرفي الفعلية؛ حاكم مصرف لبنان قال في أيلول 2025 إن عام 2026 "قد" يكون عام عودة الإقراض، في حين أن الاقتصاد اللبناني لا يزال اقتصادا نقديا في ظل بنوك فقدت دورها الطبيعي وجمّدت الودائع منذ 2019. لذلك، فإن جزءاً كبيراً من أي شراء عقاري اليوم يبدو أقرب إلى توظيف نقدي لحماية القيمة وتحقيق دخل إيجاري سريع، لا إلى استثمار طويل الأمد مبني على ثقة كاملة بالاقتصاد.
وعليه، فإن التشابه بين لبنان والمنحى العالمي يبقى محدوداً. في الخارج، تقود إعادة التمويل أرقام السوق. أما في لبنان، فالحرب هي التي تعيد توجيه المال نحو الشقق المؤجرة. الشقة هنا لم تعد مجرد أصل عقاري، بل تحوّلت إلى أداة مزدوجة، فمن جهة باتت ملاذا لحفظ المال من دون الغوص في أسواق العملات، أو الذهب، أو المعادن النفيسة لحفظ المال، ومن جهة أخرى، باتت مصدر دخل في بلد باتت فيه الحاجة إلى السكن جزءاً من اقتصاد الحرب نفسه.











0 تعليق