تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة التعقيد، حيث تتقاطع مسارات التهدئة مع احتمالات التصعيد فى وقت واحد، بما يعكس طبيعة العلاقة التاريخية بين الطرفين التى تقوم على دورات متكررة من الضغط العسكرى والانفتاح التفاوضى. فبعد جولات تفاوض مكثفة فى إسلام آباد انتهت دون اتفاق نهائى، عادت التحركات الدبلوماسية بوتيرة أسرع، مدفوعة بدور باكستان كوسيط رئيسى، وبالتحديد قائد جيشها عاصم منير، الذى بات لاعبًا محوريًا فى إدارة قنوات الاتصال غير المباشرة بين واشنطن وطهران.
مثل الحصار البحري الذى فرضته الولايات المتحدة على مضيق هرمز أحد أخطر أوراق الضغط في مسار المواجهة، لما له من تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي وتدفقات الطاقة، وهو ما ينعكس بدوره على حسابات التفاوض بين الطرفين. فالولايات المتحدة تستخدم تشديد الرقابة البحرية وفرض قيود على الصادرات الإيرانية كوسيلة لخنق الاقتصاد الإيراني ودفعه إلى طاولة المفاوضات بشروط أقل، بينما تلوّح طهران بإمكانية تعطيل الملاحة في المضيق الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط العالمية، بما يرفع كلفة أي تصعيد على واشنطن وحلفائها. هذا التوازن في التهديدات يجعل من المضيق نقطة ضغط مزدوجة؛ إذ لا يقتصر تأثيره على طرفي الصراع فقط، بل يمتد إلى القوى الدولية الكبرى المستفيدة من استقرار أسواق الطاقة، ما يدفع هذه الأطراف إلى ممارسة ضغوط موازية لتجنب الانفجار. ونتيجة لذلك، يتحول الحصار البحري وإغلاق المضيق من مجرد أدوات عسكرية إلى أوراق تفاوضية حساسة، تُستخدم لرفع سقف المطالب أو انتزاع تنازلات، لكنها في الوقت ذاته تفرض حدودًا على التصعيد، لأن تجاوزها قد يؤدي إلى أزمة دولية واسعة يصعب احتواؤها، بالتوازي مع الحصار هناك نبرة تفاؤلية من الجانب الأمريكى لنتائج التفاوض، وبالتالى هناك ثلاثة مسارات لجولة المفاوضات المتوقعة في باكستان.
المسار الأول المتوقع للمفاوضات يتمثل فى استمرار “الهدنة الهشة”، حيث تسعى الأطراف إلى كسب الوقت دون تقديم تنازلات جوهرية. فالمحادثات التى استمرت لساعات طويلة لم تفشل بالكامل، بل نجحت فى تضييق فجوات رئيسية، مع بقاء نقاط خلاف حساسة، أبرزها البرنامج النووى الإيرانى وأمن الملاحة فى مضيق هرمز
هذا السيناريو يعزز احتمالية تمديد وقف إطلاق النار لفترات قصيرة، ريثما يتم اختبار نوايا كل طرف.
أما المسار الثانى، فيتمثل فى “اتفاق مرحلى محدود”، وهو السيناريو الأكثر واقعية فى المدى القريب، حيث تشير المعطيات إلى وجود أرضية تفاهم قائمة بالفعل على مقترح من عدة نقاط تم طرحه بوساطة باكستانية، ويُنظر إليه فى واشنطن باعتباره أساسًا قابلًا للتفاوض
هذا النوع من الاتفاقات لا ينهى الصراع، لكنه يجمّد عناصره الأكثر خطورة، خصوصًا العمليات العسكرية المباشرة.
فى المقابل، يظل المسار الثالث الأكثر خطورة، وهو انهيار المفاوضات والعودة إلى التصعيد العسكرى، خاصة فى ظل فرض الولايات المتحدة إجراءات ضغط مثل الحصار البحرى، مقابل تهديدات إيرانية بتعطيل حركة التجارة والطاقة فى الممرات الحيوية
هذا السيناريو لا يزال قائمًا، خصوصًا إذا فشلت الوساطة فى تحقيق اختراق حقيقى خلال الجولات المقبلة.
فى قلب هذه المعادلة، تبرز باكستان كوسيط غير تقليدى، استطاع خلال فترة قصيرة أن يتحول من لاعب هامشى إلى محور رئيسى فى إدارة الأزمة. ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى شخصية قائد الجيش عاصم منير، الذى نجح فى بناء شبكة علاقات متوازنة مع الطرفين، مستفيدًا من قنوات اتصال مباشرة مع الإدارة الأمريكية، وفى الوقت نفسه علاقات تاريخية مع إيران بحكم الجوار الجغرافى والمصالح الأمنية المشتركة
وقد قاد منير دبلوماسية “القنوات الخلفية”، التى لعبت دورًا حاسمًا فى جمع الوفود على طاولة واحدة، بعد أن كانت احتمالات المواجهة الشاملة هى الأقرب.
أهمية الوسيط الباكستانى لا تقتصر على تسهيل الحوار، بل تمتد إلى تقديم ضمانات سياسية وأمنية للطرفين. فإسلام آباد تتحرك فى مساحة وسطى، حيث تحافظ على علاقات جيدة مع واشنطن، وفى الوقت ذاته تتجنب الانخراط فى أى تحالف عسكرى ضد طهران، وهو ما يمنحها مصداقية نسبية لدى الجانبين. كما أن تنسيقها مع قوى إقليمية مثل السعودية وتركيا عزز من قدرتها على لعب دور جامع للأطراف المختلفة
ورغم هذا الدور، فإن قدرة باكستان على فرض حلول نهائية تظل محدودة، إذ تعتمد بشكل أساسى على رغبة الطرفين فى التوصل إلى تسوية. وهنا يظهر التباين الواضح فى أوراق الضغط التى يمتلكها كل طرف. فالولايات المتحدة تعتمد على تفوقها العسكرى وقدرتها على فرض حصار اقتصادى وبحرى، إلى جانب شبكة تحالفات إقليمية واسعة. كما تستخدم واشنطن سلاح العقوبات كأداة رئيسية لإجبار طهران على تقديم تنازلات.
فى المقابل، تمتلك إيران أوراقًا مختلفة، تعتمد على “الرد غير المتكافئ”، مثل قدرتها على تهديد الملاحة فى مضيق هرمز، وتحريك حلفائها فى المنطقة، فضلًا عن برنامجها النووى الذى يمثل ورقة تفاوضية أساسية. كما تراهن طهران على عامل الزمن، معتقدة أن الضغوط الأمريكية قد لا تكون مستدامة سياسيًا أو اقتصاديًا، خاصة فى ظل تأثير أى تصعيد على أسواق الطاقة العالمية.
هذا التوازن فى أدوات الضغط يفسر سبب تعثر المفاوضات حتى الآن، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضى قبل تقديم أى تنازل. غير أن العامل الأكثر حساسية يتمثل فى الحسابات الداخلية لكل دولة، فالإدارة الأمريكية لا ترغب فى الظهور بمظهر المتراجع، بينما ترى القيادة الإيرانية أن القبول بالشروط الأمريكية قد يُفسر كضعف استراتيجى.
ومن هنا يمكن فهم سبب تمسك إيران برفض بعض الشروط الأمريكية، خاصة تلك المتعلقة ببرنامجها النووى ونفوذها الإقليمى. فطهران تنظر إلى هذه الملفات باعتبارها عناصر قوة أساسية، وليست مجرد أوراق تفاوضية يمكن التخلى عنها بسهولة. كما تعول على تعدد الوسطاء وتباين المواقف الدولية، بما يتيح لها هامش مناورة أوسع فى مواجهة الضغوط الأمريكية.
فى المحصلة، تبدو المفاوضات بين واشنطن وطهران عالقة فى منطقة رمادية بين الحرب والسلام، حيث لا يملك أى طرف القدرة على الحسم الكامل، ولا الرغبة فى تقديم تنازلات حاسمة. وبين هذين الحدين، يظل الدور الباكستانى، بقيادة الجنرال عاصم منير، أحد أهم العوامل التى قد تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، أو على الأقل تؤجلها، ريثما تنضج شروط تسوية أكثر استدامة فى واحدة من أكثر أزمات الشرق الأوسط تعقيدًا فى السنوات الأخيرة.















0 تعليق