كانت الصحراء هي المأوى الذي ألجأ إليه لسويعات من النهار أو الليل. كانت متنفسًا أجد فيه نفسي، فأجلس على صخرةٍ معينة، وأتأمل رحيل الشمس، وهي تنسحب إلى عالمٍ من الخطوط الحمراء الدامية، تبعث في النفس حزنًا عميقًا، يذكّرني بالموت ونهاية الحياة, كل شيء له بداية وله نهاية، والموت هو اليقين الذي لا نزاع فيه ولا جدال حوله. فالحياة، مهما طالت، ليست إلا رحلة قصيرة في عالمٍ يغصّ بالجمال والقبح معًا.
بعيدًا عن صخب الناس وضجيجهم، كنت أرى الجمال في السكون، وفي الحركة الطبيعية للكائنات من حولي؛ عوالم لا حدود لها ولا نهاية. وكنت أرقب رحلات الطيور في ذهابها وإيابها في أوائل الشتاء، حين تمتلئ السماء بأسرابها، جماعاتٍ جماعات. أحدق في مسيرتها، وهي تضرب في الفضاء بنظامٍ ودقةٍ متناهية، لا تخلف ميعادها ولا تتوانى ولا تتعب من رحلاتها المضنية.
قد يقع بعضها من فرط التعب، لكن ذلك لا يثنيها عن الرحيل الدائم. كان منظرها يبعث في نفسي أسئلة كثيرة عن الحياة والفطرة. وكانت مراقبتها تجعلني أحب الحياة وأحسدها؛ لأنها ترى من سمائها بقاع الأرض، وتطّلع على اختلافها من بقعة إلى أخرى، ومن وادٍ إلى آخر, تشقّ بجناحيها الأجواء، فيتسع العالم من حولها، ولها في ذلك لغةٌ ومنطقٌ في معايشة الحياة لا تحيد عنهما أبدًا.
أعود إلى البيت بعد رحلتي، فيؤنبني أبي، وتحذرني أمي من اللصوص الذين يخطفون الأطفال ويبيعونهم في سوق الرقيق. لكنني، رغم التهديد والوعيد، لم أكن أعبأ كثيرًا بما يقول أبي أو تحذرني منه أمي؛ إذ كانت نفسي طواقة لا تستطيع كبح جماحها في المعرفة، ورؤية الجمال، ورصد ما يدور حولي من أمور, كان الفضول يلحّ على عقلي وقلبي، فأنسى ما قد يترتب على ذلك من عقاب. وكانت عودتي إلى البيت غالبًا مرتبطة بالجوع، حين يشتد عليّ، فأكتشف أن الجسد حين يشبع يمنح الروح فرصة أخرى لتأمل الجمال الذي أراه في الصحراء.
كنت أقرأ كتابًا، أو أسرح في ملكوت ما حولي. وكانت الأنهار ملاذًا آخر ألجأ إليه حين يداهمني الملل أو الخواء، وحين تقصر ساعات النهار وتدب الوحشة في أطراف الصحراء, فالصحراء، رغم ما تمنحه من شعور بالأمان أحيانًا، تبعث الخوف أيضًا حين يكتنفها الظلام ولا تترك ملامح واضحة. لذلك كنت أستعيض عنها بالنهر، حيث المياه الجارية التي لا تتوقف أبدًا.
كان صوت الماء يسكب في نفسي شعورًا عميقًا بالجمال والروعة والأمان. كنت أصغي إلى أنغامه، فيملي عليّ دروسًا كثيرة في الحب واللطف والحنان. إنها تمضي إلى بلاد بعيدة، قادمة من بلاد أبعد، تسقي في طريقها آلاف الأشجار والنباتات والبشر, إنها تؤدي واجبها نحو الطبيعة؛ فلولاها ما كانت الحياة على وجه الأرض. فإن جفت أو غاضت، كان ذلك نذيرًا بالخراب والموت المحقق، وفي سريانها تترعرع الكائنات وتزهو على ضفافها.
كانت جلساتي تطول حتى الساعات الأولى من الليل، بين فكر وتأمل. فصوت الطبيعة من حولي يذكرني بما يجب أن أعرفه، ويوقظ في داخلي ما قد ينسينه صخب الحياة ومطالب الجسد؛ تلك الحياة التي تختزل الإنسان أحيانًا في حاجاته المادية، وتنسى أن له روحًا تطلب المعنى.
وفي الذاكرة أيضًا، تعود تلك الحلقة التي كنا نتحلق فيها حول الشيخ، وهو جالس على أريكته العالية، يمسك بعصاه يهشّ بها على الصغار، وهم يقرؤون القرآن كان يساعده بعض التلاميذ القدامى، نقرأ خلفه ونكرر، حتى تلتصق الآيات بعقولنا. فإذا ما توقفت، ذهبت إليه متسائلًا عن معنى كلمة، أو تفسير آية. وكان يكفيني أن أقرأها مرات قليلة حتى تترسخ في ذهني، ثم أعود لأقلّبها في عقلي، متسائلًا عن المعنى, حتى ضاق من كثرة أسئلتي، لكنها كانت بداية وعيٍ لا يُنسى.
















0 تعليق