- مقالات
جلال حمام
عندما أسقطت طائرات إسرائيل، أمريكية الصنع، من طراز F-35، أطنان من القنابل الخارقة للتحصينات، على ستة بنايات بالضاحية الجنوبية لبيروت، مستهدفة المقر الرئيسي لحزب الله، وقت أن كان أمينه العام يجتمع فيه مع بعض قياداته وقيادات من الحرس الثوري الإيراني.. أُشيع وقتها أن الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، اُصيب إصابات خطيرة، تستدعي نقله إلى طهران للعلاج.. ساعتها، حلقت الطائرات الإسرائيلية حول مطار رفيق الحريري في بيروت، للحيلولة دون خروج نصر الله حيًا، حتى ولو استدعى ذلك ضرب المطار.. ليس هذا فحسب، بل إن إسرائيل منعت هبوط الطائرات الإيرانية، خشية أن تكون محملة بإمدادات عسكرية لحزب الله من طهران، وعليه، أوقفت إيران رحلات طائراتها المدنية إلى بيروت.. وكذلك فعلت تل أبيب مع مرفأ بيروت، فارضة على لبنان ما يشبه الحصار العسكري، جوًا وبحرًا، وهي التي سبق ودمرت المعابر البرية بين لبنان وسوريا، لنفس الغرض.. فهل باتت لبنان وحيدة تواجه ظروفها الصعبة؟.
كعادتها في مثل هذه الظروف، اتصل الرئيس عبد الفتاح السيسي هاتفيًا، برئيس الحكومة اللبناني، نجيب ميقاتي، ليؤكد دعم مصر الكامل للدولة اللبنانية، ووقوفها بجانبها في هذه الظروف الدقيقة، ورفض القاهرة المساس بأمنه أو استقراره أو سيادته ووحدة أراضيه، ومشددًا على ضرورة الوقف الفوري والشامل والدائم لإطلاق النار بكل من لبنان وغزة.. ومن جديد، حذر الرئيس السيسي، من أن عدم اضطلاع المجتمع الدولي بمسئولياته لوقف الممارسات العدوانية تجاه الأراضي الفلسطينية ولبنان، يهدد بانزلاق المنطقة لحالة خطيرة من التصعيد، بما يضع الاستقرار والسلم الإقليميين والدوليين على المحك.. ثم وجه بإرسال مساعدات طبية وإغاثية طارئة للبنان بشكل فوري، تضامنًا مع شعبه، مؤكدًا استمرار دعم مصر لهذا البلد المنكوب على جميع الأصعدة.
ليس ذلك فحسب، بل إن كلمة مصر بالجمعية العامة للأمم المتحدة جاءت شاملة وجامعة، عندما تحدثت ـ على لسان بدر عبد العاطي، وزير الخارجية ـ عن أهمية الحفاظ على مصداقية الأمم المتحدة والنظام متعدد الأطراف، لأن ما يحدث في غزة يشكك في هذه المصداقية، بسبب ما يراه الرأي العام من ازدواجية في المعايير ونفاق دولي، بعدم التدخل والصمت على جرائم تُرتكب على مدار العام دون أي تدخل خارجي.. كما تناولت مبادئ القانون الدولي وأهمية الحفاظ عليه وأهمية صيانته، لأن هناك من لم يعد يؤمن بهذه المبادئ.. كما عرجت الكلمة على قضايا العالم الثالث وقضايا إفريقيا (لأننا نعتز بإفريقيتنا)، كما تحدثت عن أزمات غزة والسودان والأزمة اليمنية والسورية وأزمات الشرق الأوسط، وضرورة الاستقرار في البحر الأحمر، الذي سبب انخفاضًا كبيرًا في عائدات قناة السويس، وكذلك ضرورة وحدة الدولة الصومالية، والأمن المائي.. كلمة شاملة وجامعة نقلت صوت مصر، الذي هو صوت إفريقيا والعرب، إلى العالم والمحفل الأممي المهم.
وفور انتهائه من إلقاء كلمة مصر أمام المناقشة العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة، أجرى موقع (أخبار الأمم المتحدة)، التابع للمنظمة الدولية، حوارًا مع وزير الخارجية، الذي أكد فيه أن العائق أمام التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة والإفراج عن الرهائن المحتجزين هناك، هو عدم وجود (إرادة) لدى الحكومة الإسرائيلية لفعل ذلك.. وحذر من (نوايا) جر المنطقة بأسرها إلى حرب إقليمية شاملة.. وفي الوقت الذي تدين فيه مصر أي انتهاك لسيادة لبنان، فإنها حذرت مرارًا من وجود نية مبيتة للتصعيد في المنطقة، التي أصبحت على حافة الهاوية، مما خلق شعورًا بالإحباط والغضب في الشارع العربي، إزاء ازدواجية المعايير و(وجود دولة فوق القانون بإفلاتها من العقاب).. وأن عدم التعامل (مع التهديد الإسرائيلي الآن في المنطقة، وما يمثله من تهديد للأمن والسلم الدوليين، مسألة خطيرة، ولا يجب التسامح معها).. وشدد على ضرورة التدخل لفرض إجراءات (لمنع هذا العدوان ووقفه عند حدوده).
الحقيقة المرة، هي وجود نية مبيتة للتصعيد في المنطقة.. فكل هدف الحكومة الإسرائيلية الحالية، ليس استمرار العدوان على غزة والضفة الغربية ولبنان، ولكن أيضًا التصعيد الإقليمي، وإمكانية جر المنطقة برمتها إلى حرب إقليمية شاملة.. المنطقة بالفعل على حافة الهاوية والتصعيد مستمر.. وللأسف الشديد، نلحظ تقاعسًا من المجتمع الدولي، وعدم تحرك جاد وتدخل من جانب المنظومة الدولية، ومن الأطراف الإقليمية والدولية الرئيسية، للعمل على تجنب الوصول إلى مواجهة شاملة.. (لن نتوقف عن الجهود المبذولة، وكل هذا يتوقف على الإرادة السياسية، وخصوصًا من المجتمع الدولي)، هكذا أوضح وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، إذا كانت هناك جدية وإجراءات محددة وثمن يتم دفعه، لهذه التجاوزات والانتهاكات الصارخة للقانون الدولي ومبادئ القانون الدولي الإنساني، فهنا سيكون الأمل.. أما إذا تُرك الأمر لطرف ما أن يعيث في المنطقة بهذا الشكل ويقودها إلى حافة الهاوية، فهذا أمر شديد الخطورة، وينبئ بتصعيد غير مسبوق وانفجار محتمل في المنطقة.. فمن يستطيع كبح جماح إسرائيل؟.
حين سُئل جون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، عن موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الرافض لمشروع وقف إطلاق النار المؤقت لمدة واحد وعشرين يومًا، ضد حزب الله في لبنان ـ الذي اقترحته واشنطن وباريس، وأيدته دول عديدة ـ بعدما أشارت مصادر في مكتبه إلى موافقته.. لم يجد المسئول الأمريكي جوابًا.. بل أكد أن المقترح الفرنسي ـ الأمريكي، أو (النداء) الذي انضمت إليه عدة دول أوروبية وعربية، صِيغ بالتشاور مع الجانب الإسرائيلي، وقال، (إن البيان الذي عملنا عليه لم يتم صياغته من فراغ، بل بعد مشاورات متأنية، ليس فقط مع الدول التي وقعت عليه، إنما مع إسرائيل نفسها).. وتسائل: ما الذي دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى التصريح بذلك؟.
هذه ليست المرة الأولى التي ينسف فيها نتنياهو المبادرات الأمريكية، منذ تفجُّر الحرب في قطاع غزة، يوم الثامن من أكتوبر الماضي.. فخلال الزيارات التسع التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، إلى المنطقة منذ أكتوبر، وجد الدبلوماسي الأمريكي الرفيع نفسه على خلاف عدة مرات مع كبار القادة الإسرائيليين.. إذ في إحدى المناسبات، في نوفمبر الماضي، حث بلينكن في مؤتمر صحفي إسرائيل على وقف هجومها العسكري في غزة، للسماح بدخول المساعدات إلى القطاع الفلسطيني.. لكن بعد لحظات معدودة، رفض نتنياهو الفكرة في بيان أذاعه التليفزيون الإسرائيلي، وقال فيه، إنه أوضح لبلينكن أن إسرائيل ستواصل عملياتها (بكل قوة).. كذلك، بُعيد ساعات من تأكيد الولايات المتحدة، قبل أشهر، أن الجانب الإسرائيلي وافق على مقترح للتهدئة في غزة، خرجت الحكومة الإسرائيلية نافية.. والأمر نفسه تكرر في ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي، من ممر فيلادلفيا الحدودي مع مصر، جنوب القطاع، قبل أشهر أيضًا.. كل ذلك، أضعف بشكل كبير الموقف الأمريكي.
لقد حاول الرئيس الأمريكي، جو بايدن، على مدار العام الماضي، تحقيق التوازن بين دعم إسرائيل ضد حركة حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، وبين محاولته احتواء الخسائر بين المدنيين ـ حفاظًا على الصورة الأمريكية، ومنعًا لانقلاب الناخبين ضده ـ ومنع اتساع نطاق الصراع في الشرق الأوسط.. وواجه مرارًا أوجه القصور في هذه الاستراتيجية، كان آخرها رفض إسرائيل لمقترح تدعمه واشنطن، بإعلان هدنة عبر الحدود اللبنانية، بينما تواصل إسرائيل شن ضربات قتلت مئات اللبنانيين، وقادة كبار من حزب الله، قبل أن تغتال بعدها بساعات، حسن نصر الله، أمين عام الحزب اللبناني وعشرين من كبار القيادات.. وهنا، يرى جوناثان بانيكوف، نائب ضابط المخابرات الوطنية السابق لشئون المنطقة في الحكومة الأمريكية، (ما نراه هو حدود قوة الولايات المتحدة ونفوذها في الشرق الأوسط).. كما رأى بعض الدبلوماسيين الأجانب، أن تعامل بايدن مع الأوضاع في الشرق الأوسط المضطرب، وخصوصًا في طريقة الاستجابة لحرب غزة، أضعف مصداقية الولايات المتحدة على الساحة الدولية.. وقال أحد المسئولين الغربيين (كان الخطأ الأصلي الذي ارتكبه بايدن، هو القول إن بلاده ستقف إلى جانب إسرائيل مهما كلف الأمر.. ولم نتعافَ من ذلك حتى الآن).
خلاصة القول، إن الدبلوماسية الأمريكية (فشلت في ترهيب الخصوم)، عندما أرسل بايدن أصولًا عسكرية إلى المنطقة، بعد السابع من أكتوبر، كتحذير لإيران والجماعات المتحالفة معها، لكن يبدو أن ذلك لم يردعها على الإطلاق.. لأن بايدن أحجم عن ممارسة قدر كبير من نفوذ واشنطن، باعتبارها أكبر مورد للأسلحة لإسرائيل، والدرع الدبلوماسي لها في الأمم المتحدة، لإخضاع نتنياهو لإرادتها أولًا.. حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.
- في اليوم الـ359 للحرب.. الكيان يخطط لتحرك بري محدود بلبنان وإيران تطلق تحذيرات
- لبنان "أمام "اختبار".. "معاريف" تتحدث عنه
- لا انسحاب كامل وحرية للعمل العسكري.. تفاصيل مثيرة في بنود الاتفاق بين لبنان وإسرائيل
- الأمين العام لحزب الله: كسرنا المشروع الإسرائيلي الأمريكي
- اتفاق بين إسرائيل وحزب الله على وقف النار اعتبارا من الرابعة عصرا "بتوقيت لبنان"


