قبل إعادة ترتيب توازنات المنطقة.. لبنان على صفيح ساخن

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يقف لبنان مجددًا على خط التماس بين الحرب والتسوية، فبينما تتسارع الاتصالات الأمريكية ـ الإيرانية للوصول إلى تفاهمات قد تغير  شكل المنطقة، تتصاعد في المقابل وتيرة الغارات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني، في مشهد يبدو وكأنه سباق محموم لفرض الوقائع بالقوة قبل ولادة أي اتفاق سياسي جديد.

ويأتي هذا التصعيد في توقيت يحمل رمزية خاصة للبنانيين، مع إحياء ذكرى الخامس والعشرين من مايو، يوم التحرير الذي أنهى الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 2000، لكنه لم ينه الجدل الداخلي حول مفهوم السيادة وحدود الدولة ودور السلاح في المعادلة الوطنية.

وبين ذاكرة التحرير وواقع المواجهة المفتوحة اليوم، يعود لبنان ليجد نفسه مجددًا ساحة لصراع إقليمي تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالتفاهمات الدولية.

وفي ظل الحديث المتزايد عن "اتفاق إطاري" محتمل بين واشنطن وطهران، يبرز سؤال: هل تحاول إسرائيل عبر التصعيد الحالي فرض شروط ميدانية قبل أي تسوية مرتقبة؟ أم أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة إعادة ترتيب شاملة للتحالفات وموازين القوة، يكون لبنان أحد أبرز ميادينها؟

وفي هذا المشهد المتوتر، تبدو الساحة اللبنانية واحدة من أكثر الجبهات اشتعالًا، مع استمرار الغارات الإسرائيلية المكثفة على بلدات الجنوب، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن تفاهم أمريكي  ـ إيراني قد يتجاوز الملف النووي ليشمل تهدئة أوسع على مستوى المنطقة، بما في ذلك لبنان.

هذا التزامن بين التصعيد الميداني والحراك الدبلوماسي يفتح الباب أمام تساؤلات حول الرسائل التي تسعى تل أبيب إلى توجيهها، وما إذا كانت العمليات العسكرية الحالية تمثل محاولة لتعويض القلق الإسرائيلي من التفاهمات المرتقبة بين واشنطن وطهران.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه الغارات الإسرائيلية، تتزايد المؤشرات السياسية التي توحي بأن المنطقة قد تكون أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التوازنات.

قد نقل التلفزيون الإيراني عن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي وصفه للمسودة المطروحة بأنها "اتفاق إطاري"، مؤكدًا أن تركيز طهران في هذه المرحلة ينصب على “إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان”.

ويحمل هذا التصريح دلالة واضحة على أن لبنان بات جزءًا أساسيًا من أي تفاهم إقليمي محتمل بين واشنطن وطهران.

وفي السياق ذاته، كشفت قناة "المنار"التابعة لـ”حزب الله” عن رسالة تلقاها الأمين العام للحزب نعيم قاسم من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، تضمنت تأكيدًا بأن إيران"لن تتخلى عن حلفائها".

كما بعث عراقجي رسالتين إلى رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري ونعيم قاسم مهنئًا بذكرى "عيد المقاومة والتحرير"،في خطوة حملت أبعادًا سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي.

وتعكس هذه الرسائل تمسك إيران بأوراق نفوذها الإقليمية، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من أي تسوية سياسية مقبلة.

في المقابل، تنظر إسرائيل بقلق متزايد إلى هذا المسار، خصوصًا إذا ما أفضى إلى تفاهمات تحد من هامش تحركها العسكري أو تفرض عليها واقعًا سياسيًا جديدًا لم تتمكن من فرضه بالقوة.  

ومن هنا، يبدو التصعيد الإسرائيلي في لبنان أقرب إلى محاولة استباقية لفرض وقائع ميدانية قبل أي تفاهم محتمل بين واشنطن وطهران، بما يتيح لتل أبيب تعزيز موقعها السياسي والأمني في المرحلة المقبلة.

ويتغذى هذا القلق الإسرائيلي من شعور متنام داخل المؤسسة السياسية والأمنية بأن الإدارة الأمريكية باتت أكثر اهتمامًا بإغلاق ملفات التوتر في المنطقة، حتى لو جاء ذلك على حساب بعض المطالب الإسرائيلية.

لذلك تبدو الضربات العسكرية الأخيرة وكأنها تحمل رسالة مزدوجة،الأولى إلى إيران وحلفائها بأن إسرائيل ما تزال قادرة على التصعيد وفرض الكلفة، والثانية إلى واشنطن بأن أي اتفاق لا يراعي المصالح الإسرائيلية قد يؤدي إلى انفجار أوسع في المنطقة.

ومع استمرار صفارات الإنذار والغارات المتبادلة، بات واضحًا أن التصعيد في لبنان لم يعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحول إلى واقع ميداني معقد أربك الحسابات الإسرائيلية التي بنيت على فرضية الحسم السريع.

الميدان اللبناني أثبت مجددًا أنه ساحة استنزاف مفتوحة، وأن أي محاولة لتغيير قواعد الاشتباك بالقوة قد تؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدود الجبهة اللبنانية.

على الضفة الأخرى، يتحرك الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب في اتجاه مواز  لا يقل أهمية، عبر الدفع نحو توسيع "اتفاقيات أبراهام"،حيث يطالب بشكل “إلزامي” الدول بالانضمام إلى مسار التطبيع مع إسرائيل، معتبرًا أن "إما اتفاق شامل أو لا اتفاق على الإطلاق". ويكشف هذا الطرح عن رؤية أمريكية تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة عبر ربط ملفات الأمن الإقليمي والتطبيع والتفاهم مع إيران ضمن سلة سياسية واحدة.

وفي هذا الإطار، تبدو واشنطن وكأنها تحاول توظيف الملف الإيراني كورقة ضغط على دول الخليج لدفعها نحو اتفاق تطبيع شامل مع إسرائيل، عبر معادلة تربط التهدئة الإقليمية والاستقرار الأمني بإنشاء تحالف سياسي وأمني جديد تقوده الولايات المتحدة بالشراكة مع إسرائيل.

غير أن هذا المسار يواجه تحديات كبيرة، أبرزها استمرار الحرب في غزة والتصعيد في لبنان، إلى جانب الرفض الشعبي العربي لأي خطوات تطبيعية في ظل استمرار المواجهات وسقوط الضحايا المدنيين.

ومع اقتراب واشنطن وطهران من بلورة تفاهمات قد تعيد صياغة المشهد الإقليمي، تبدو إسرائيل أمام سباق مع الزمن لفرض وقائع ميدانية تمنحها هامشًا أكبر في أي تسوية مقبلة.

غير أن استمرار التصعيد يحمل مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود لبنان، في ظل تشابك الجبهات وتزايد هشاشة التوازنات الأمنية في المنطقة.

وفي المقابل، فإن أي اتفاق أمريكي  ـ إيراني محتمل لن يكون مجرد تفاهم سياسي عابر، بل قد يشكل نقطة تحول استراتيجية تعيد رسم خريطة التحالفات والنفوذ في الشرق الأوسط، وتفرض واقعًا جديدًا على مختلف الأطراف، من لبنان وغزة إلى الخليج وإسرائيل.

وبين احتمالات التهدئة ومخاطر الانفجار الكبير، وفي قلب هذه التحولات، يبقى لبنان الساحة الأكثر هشاشة والأكثر قابلية للاشتعال، في انتظار ما ستفرضه التفاهمات الكبرى أو تفرضه الحرب نفسها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق