عقد الجامع الأزهر، مساء الأحد، ملتقى التفسير في لقائه الأسبوعي، لمناقشة موضوع: «مظاهر الإعجاز في حديث القرآن عن فاكهة الرمان»، بمشاركة د. جمال عبد ربه، أستاذ بساتين الفاكهة وعميد كلية الزراعة السابق بجامعة الأزهر، ود. محمد سليمان، أستاذ التفسير وعلوم القرآن المساعد ووكيل كلية القرآن الكريم بطنطا، فيما أدار اللقاء الإعلامي سعد المطعني، تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف.
قال الدكتور محمد سليمان إن القرآن الكريم احتفى بفاكهة الرمان في ثلاثة مواضع صريحة، منها موضعان في سورة الأنعام وموضع في سورة الرحمن، مشيرًا إلى أن هذه المواضع لم تكن مجرد ذكرٍ لثمرة، بل جاءت لبيان مظاهر إعجاز الله وقدرته، وتأكيدًا على عظيم نعمه التي امتن بها على عباده في الدنيا والآخرة.
وأوضح أن الرمان، وإن ذُكر باسمه صراحة في هذه الآيات، إلا أنه حاضرٌ ضمنًا في كل نص قرآني يتحدث عن الجنات والثمار والفواكه التي سخرها الله للإنسان. وأشار إلى أن الآية الأولى من سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ تجسد مظهر القدرة الإلهية في إخراج هذه الثمار المتنوعة من أصل واحد وهو الماء، لافتًا إلى أن السياق القرآني في هذا الموضع أمر بالنظر والتأمل في الثمر وينعه، لأن الآية تأتي في معرض الاستدلال على طلاقة القدرة الإلهية في الخلق من العدم.
وأضاف الدكتور محمد سليمان أن الفارق بين الأمر بالنظر في الآية الأولى والأمر بالأكل في الآية الثانية في قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ يكمن في سياق كل آية؛ فالأولى جاءت لترسيخ الإيمان عبر التأمل في بديع صنع الله وكيفية خروج النبات وتطوره، بينما ركزت الآية الثانية على الجانب النفعي والتشريعي من خلال إباحة الأكل ووجوب شكر النعمة وإخراج حق الفقراء، مؤكدًا أن الرمان يبقى نموذجًا فريدًا يجمع بين المتعة البصرية والقيمة الغذائية والدلالة الإيمانية.
من جانبه، أوضح الدكتور جمال عبد ربه، أن الرمان يعد من أقدم الفواكه التي عرفها الإنسان عبر التاريخ، حيث يعود منشأه الأصلي إلى مناطق إيران وأفغانستان وشمال الهند، ومنها انتقل إلى بلاد العرب والأندلس التي شهدت حضارة إسلامية زاهرة. وأشار إلى الأهمية التاريخية لارتباط اسم الرمان العلمي «Punica granatum» بمدينة غرناطة الأندلسية، مؤكدًا أن المسلمين لم يحملوا معهم الفنون والعمارة فحسب، بل نقلوا علوم الزراعة وطوروا أصناف الثمار التي لا تزال أوروبا تنتفع بمنافعها حتى يومنا هذا.
واستعرض الدكتور جمال عبد ربه مراحل نمو ثمرة الرمان، مفسرًا قوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ من منظور علمي، حيث شرح عملية التلقيح والإخصاب في الزهرة «الخنثى» وكيفية تكوّن الجنين والنسيج المغذي له. ولفت إلى أن التأمل في هذه التفاصيل الدقيقة، من سقوط حبوب اللقاح حتى اكتمال نضج الثمرة، يكشف عن بديع صنع الله وقدرته التي جعلت من حبة ماء صغيرة ثمرةً مكتملة البنيان، تجمع بين الدقة الحيوية والقيمة الغذائية العالية.
وفي سياق الأهمية الاقتصادية، أكد الدكتور جمال عبد ربه أن مصر تتبوأ مكانة عالمية متميزة في إنتاج الرمان، حيث تأتي ضمن أكبر خمس دول منتجة ومصدرة له على مستوى العالم؛ بإنتاج يقارب 400 ألف طن سنويًّا، حيث نجحت مصر في تعزيز قدراتها التصديرية بشكل كبير، مشيرًا إلى أن العائدات التصديرية لهذا المحصول تمثل رقمًا مهمًّا في الاقتصاد الزراعي المصري، مما يعكس جودة المنتج المحلي وقدرته على المنافسة في الأسواق الدولية.
وفي ختام اللقاء، أكد الإعلامي سعد المطعني أن ذكر الرمان في القرآن الكريم لم يكن مجرد إشارة لفاكهة طيبة المذاق، بل هو دعوة إلهيّة للتفكر في أسرار الملكوت وما أودعه الحق سبحانه من معجزات في أدق تفاصيل خلقه، مشيرًا إلى أن هذا الملتقى نجح في الربط بين دلالات النص القرآني من الناحية التفسيرية وبين الحقائق العلمية والزراعية، مما يعزز من قيمة الإعجاز العلمي ويفتح آفاقًا جديدة لفهم النعم التي سخرها الله للعباد.















0 تعليق