تُعد طقوس الجمعة العظيمة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من أعمق الصلوات الروحية التي تعكس معاني التوبة والخلاص والفداء، حيث تتجلى فيها رموز لاهوتية وطقسية تعبر عن رحلة السيد المسيح من التجسد حتى الصليب، ومن أبرز هذه الطقوس طقس «الميطانيات الأربعمائة» الذي يحمل دلالات روحية وإنسانية عميقة.
الميطانية: معنى روحي ودلالة لاهوتية
وأوضح القس يوساب عزت، أستاذ القانون الكنسي بالكلية الإكليريكية، في تصريحات خاصة، أن كلمة «الميطانية» مأخوذة من اليونانية «metanoia»، وتعني تغيير الفكر أو التوبة، مشيرًا إلى أنها في الطقس الكنسي تُعبّر عن سجود التوبة والخضوع أمام الله.
وأكد أن هذا الطقس يُجسّد حالة روحية من الانكسار أمام الله، حيث يتحول السجود إلى تعبير عملي عن التوبة الداخلية والرجوع إلى الله.
طقس الـ400 ميطانية ورمز رحلة الخلاص
أشار القس يوساب إلى أن طقس الـ400 ميطانية الذي تُقيمه الكنيسة القبطية يوم الجمعة العظيمة، يرمز إلى فترة تجسد السيد المسيح على الأرض، موضحًا أنها تُقدَّر بـ400 شهر منذ الميلاد وحتى الصلب.
وأضاف أن الكنيسة من خلال هذا الطقس تُعبّر عن أن كل لحظة في حياة المسيح على الأرض كانت تحمل هدفًا خلاصيًا، وتقود في النهاية إلى لحظة الصليب والقيامة، باعتبارها مركز الإيمان المسيحي.
السجود نحو الجهات الأربع ودلالته الروحية
ولفت إلى أن السجود في الجهات الأربع خلال هذا الطقس يحمل معنى رمزيًا عميقًا، إذ يشير إلى أن خلاص المسيح موجه إلى العالم كله بأبعاده كافة.
وأوضح أن توجيه السجود إلى الجهات الأربع يؤكد أن الله حاضر في كل مكان، وأن رسالة الخلاص لا تقتصر على شعب بعينه، بل تمتد إلى جميع الأمم.
لحن «غولغوثا» وجذوره التاريخية
وفيما يتعلق بلحن «غولغوثا» الذي يُختتم به طقس الجمعة العظيمة، أوضح القس يوساب أن أصوله تعود إلى جذور فرعونية قديمة، حيث كان يُرتّل في طقوس التحنيط، بل ويُقال إنه استُخدم في تجنيز الملك خوفو.
وأشار إلى أن هذا اللحن يُرتّل مرة واحدة سنويًا أثناء دفن أيقونة السيد المسيح في نهاية صلوات الجمعة العظيمة، حيث تُلف الأيقونة بالحنوط والورود والأكفان وسط ألحان جنائزية مؤثرة.
دخول اللحن إلى الكنيسة القبطية
وأضاف أن البابا أثناسيوس الرسولي هو من أدخل هذا اللحن إلى الكنيسة القبطية في القرن الرابع الميلادي، حيث احتفظ بلحنه الأصلي وأضاف إليه كلمات قبطية، مع بقاء بعض الكلمات اليونانية القديمة داخله.
كما أشار إلى ما ذكره الفيلسوف فيلو السكندري، بأن المسيحيين الأوائل استلهموا هذا اللحن من مصر القديمة، ثم أعادوا صياغته بطابع مسيحي يتناسب مع العقيدة والإيمان.














0 تعليق