مع الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، تحول الجنوب اللبنانى وأجزاء واسعة من العاصمة اللبنانية بيروت لأنقاض، بعد قصف إسرائيلى غير مسبوق استهدف البلاد، ليواجه لبنان مرة أخرى واقعًا معقدًا، مع استمرار الغموض بشأن شمول الاتفاق للحرب فى لبنان. وخلال حديثهم، لـ«الدستور»، أكد عدد من الخبراء اللبنانيين أن التطورات الأخيرة تعكس مدى هشاشة الوضع الداخلى فى لبنان أمام التدخلات الإقليمية والدولية، فى ظل محاولة إسرائيل عرقلة أى تهدئة على الساحة اللبنانية، لتنفيذ أهدافها فى احتلال الأراضى اللبنانية جنوب نهر الليطانى، وإضعاف قوة «حزب الله» اللبنانى، مشيرين إلى أن مستقبل لبنان مرهون بمواقف القوى الكبرى، ومدى جديتها فى وقف الحرب وتداعياتها على اللبنانيين.
طونى حبيب: إسرائيل تحقق مكاسب ميدانية.. والمواقف الدولية حاسمة
أكد الباحث السياسى اللبنانى، طونى حبيب، استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية فى جنوب لبنان، فى ظل تباين تصريحات الأطراف حول ما إذا كان اتفاق وقف إطلاق النار يشمل الأراضى اللبنانية أم لا، مشيرًا إلى أن إسرائيل لن تقبل بأى تهدئة قبل تحقيق أهدافها الاستراتيجية. وقال «حبيب»: «الإسرائيليون والعالم ينتقدون إدارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لأنها فشلت فى إدارة الأزمة، لكن نتنياهو لن يوقف حملته العسكرية على (حزب الله)قبل إتمام ما وصفه بـ(المهام الضرورية) لضمان أمن الحدود الشمالية لإسرائيل». وأوضح أن هذا الموقف يعكس منطقًا عسكريًا وسياسيًا داخليًا يرتكز على تحقيق مكاسب ميدانية ملموسة قبل أى مرحلة تفاوضية أو سياسية، حتى لو تسبب ذلك فى تصعيد الوضع على الأرض ورفع مستوى المعاناة المدنية فى المناطق المتضررة. وأضاف «حبيب»: «لبنان من جانبه يؤكد، عبر تصريحات رئيس الجمهورية جوزيف عون، التزامه بمبدأ استعادة الحقوق الوطنية، وعلى ضرورة البدء بمفاوضات سلام شاملة تؤدى إلى استرجاع الأراضى المحتلة، ووقف الحرب بشكل دائم، واستعادة الأسرى اللبنانيين المحتجزين». وتابع: «هذه التصريحات تعكس رؤية سياسية تسعى إلى تحقيق توازن بين الضغط العسكرى المباشر وضرورة الاستفادة من الوساطة الدولية، بما فيها جهود أمريكا، لتحقيق مكاسب استراتيجية، لكن قدرة الحكومة اللبنانية على إدارة هذا التوازن تظل تحديًا بالغ التعقيد». وأشار إلى أن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة فى تحديد مسار الأحداث، لأنها ستبين مدى قدرة الأطراف على الالتزام بالهدنة أو استغلالها لإعادة التموضع الاستراتيجى، معتبرًا أن الموقف الدولى، خاصة مواقف أمريكا وفرنسا وباكستان، ستظل عاملًا مؤثرًا فى دعم جهود التهدئة أو دفع الأطراف نحو مفاوضات طويلة الأمد. وأردف: «الوضع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية مرهون بعوامل عسكرية وسياسية معقدة، بما فى ذلك مصالح إسرائيل الأمنية، وصرامة (حزب الله) فى الدفاع عن مواقعه، إضافة إلى دور أمريكا فى دعم أى تهدئة، أما لبنان فيسعى إلى تحقيق أهدافه الوطنية عبر الوسائل الدبلوماسية، لكن الواقع الميدانى يفرض مراقبة دقيقة خلال الأيام المقبلة لتحديد ما إذا كان وقف إطلاق النار يمكن أن يتحول إلى فرصة حقيقية لسلام مستدام، أم سيظل مجرد فترة مؤقتة فى ظل استمرار التوترات الإقليمية».
محمد شمس: نتنياهو يواصل مراوغاته وسيجد نفسه أمام جبهات مفتوحة
أكد الباحث اللبنانى، محمد شمس، أن لبنان جزء لا يتجزأ من الاتفاق بين طهران وواشنطن، مشيرًا إلى أن «حزب الله» سلم الجانب الإيرانى وثيقة مفصلة تتضمن مطالب لبنان والخطوط الحمراء للمقاومة، وفق طلب طهران.
وقال شمس إن الوضع الحالى يمثل إنجازًا استراتيجيًا وفرصة نحو تحقيق نصر كبير، رغم محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو المستمرة تعطيل الاتفاق، وما يواجهه من ضغوط داخلية وتحميله مسئولية الفشل.
وأوضح أن الهدنة القائمة حاليًا مؤقتة للتفاوض، مشددًا على أهمية اليقظة والجاهزية والاستعداد، لافتًا إلى أن موقف «حزب الله» واضح بشأن استكمال المواجهة بكل قدراته لضمان فرض شروطه على العدو، مع منح فرصة محدودة لوقف النار.
وحذر من أن استمرار نتنياهو فى فصل لبنان عن الاتفاق ومواصلة العدوان سيضعه أمام أربع جبهات مفتوحة، تشمل طهران وبغداد واليمن وبيروت، مشيرًا إلى أن إيران أكدت أن «اليد على الزناد»، وأن مجلس الأمن القومى الإيرانى أبلغ الأطراف المعنية بذلك، فيما بدأت الضغوط الدولية لإجبار نتنياهو على الالتزام بالاتفاق.
وأضاف أن الالتزام مؤقت ولكن النصر النهائى يحتاج إلى صبر وتوقيت مناسبين، منوهًا بأن عدم السماح بتحرك السفن عبر مضيق هرمز يأتى ردًا على خرق نتنياهو وقف إطلاق النار من خلال استمرار القصف على لبنان.
وشدد على أن المنطقة لا تزال فى حالة توتر، لذا فإن أى تصعيد سيواجه بمزيد من الحذر والاستعداد.
بولا يعقوبيان: حزب الله لا يريد دولة قوية ويسعى لإضعاف الحكومة
حذرت الباحثة السياسية اللبنانية بولا يعقوبيان من أن لبنان يواجه حاليًا تحديات جسيمة، من الاحتلال إلى تدمير بيروت وآثار النزوح والأزمة الاقتصادية القاسية، داعية لأن تحظى القضية اللبنانية بالاهتمام الجاد لتفادى مزيد من الانحدار، ولمنع تحول النزاع الإقليمى والدولى إلى صراع داخلى لبنانى.
وأوضحت الباحثة اللبنانية أنه، حتى لحظة كتابة هذه السطور، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الهدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب، ستشمل لبنان، خاصة فى ظل استمرار الغارات الإسرائيلية على جنوب البلاد، وإعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن أن لبنان غير مشمول بهذه الهدنة.
وأشارت إلى أن ذلك الوضع يفتح تساؤلات حول استمرار العمليات العسكرية فى مناطق متعددة، خصوصًا جنوب نهر الليطانى، وما إذا كانت الهدنة ستتيح لاحقًا التفاوض على شروط وقف إطلاق النار فى لبنان أم لا. وقالت: «إيران أعلنت عن أنها تسعى خلال الأسبوعين المقبلين لوضع لبنان على جدول أعمالها، بما يشمل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية عليه، بينما تشترط الولايات المتحدة وقف إيران تمويل حلفائها فى المنطقة، بما يشمل «حزب الله» اللبنانى بشكل مباشر، ولكن عند توقيع الصفقات بين الدول الكبرى، وفى إطار لعبة الأمم، يساورنى القلق على لبنان، لأن هذا البلد الصغير المقسم لا يزال يستغل كساحة صراعات وصندوق بريد، وما زالت آليات التحكم الخارجية هى نفسها». وأضافت: «حزب الله، الذى لا يسعى لبناء دولة قوية فى لبنان، قد يعمل على إضعاف حكومة نواف سلام، التى نجحت خلال فترة قصيرة فى وضع أسس لإعادة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها، وإضعاف الحكومة يعنى إعادة لبنان إلى الوراء، ليتم التحكم بمواقع السلطة، وفق مصالح فئة معينة، دون مراعاة مصالح الدولة والمواطنين، وهذه المخاطر تعكس واقعًا صعبًا، خاصة أن الاتفاقات الإقليمية والدولية لطالما أتت على حساب لبنان».
وائل ملاعب: الاحتلال ارتكب مجزرة مكتملة الأركان بحق الشعب اللبنانى
قال وائل ملاعب، عميد إذاعة «تى سى»، إن الكثير من الشهداء سقطوا فى كل المدن والقرى اللبنانية، فى مشهد جنونى همجى وعدوان بربرى قل نظيره، مؤكدًا: «ما حدث فى بيروت والجبل والجنوب والبقاع وكل مكان، يعد مجزرة مكتملة الأركان بحق الشعب اللبنانى». وأضاف ملاعب أن هذا التصعيد الإسرائيلى يأتى بعد إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب سريان اتفاق وقف إطلاق النار، الذى وافقت عليه إيران ومجلس الأمن القومى، لمدة أسبوعين لاستكمال المفاوضات. وأوضح: «هناك سببان أساسيان لهذا التصعيد؛ أولًا أن المعركة هى معركة نتنياهو وليس ترامب، الذى أصبح محرجًا داخليًا وخارجيًا من طول الحرب وعدم تحقيق أهدافه رغم الإعلان اليومى عن انتصارات مزعومة. ثانيًا، إسرائيل تسعى إلى تحقيق انتصار معنوى قبل الالتزام بوقف إطلاق النار، لتعويض الصورة التى رسمت بانتصار حزب الله وإيران». وأشار إلى أن نتنياهو لم يحقق أهدافه فى لبنان، مثل القضاء على «حزب الله» والدخول إلى جنوب الليطانى، مؤكدًا أن القوات الإسرائيلية لم تتمكن من التقدم أو الثبات فى قرى الحافة الأمامية على مدى شهر وخمسة أيام، بسبب مقاومة الجيش اللبنانى وفصائل المقاومة.
وأكد أن الرد الإيرانى سيكون حاسمًا فى حال عدم التزام نتنياهو بالاتفاق، وأى استمرار فى المجازر سيعيد الحرب بقوة أكبر، مشددًا على جاهزية المقاومة اللبنانية وقدرتها على إلحاق أضرار كبيرة بالعدو الإسرائيلى. وأضاف: «المعركة الأساسية ليست ضد إيران فقط، بل ضد جماعة حزب الله اللبنانية التى تشكل العمود الفقرى لمواجهة الاحتلال فى المنطقة». وحذر من الأضرار الكبيرة التى لحقت بالدول الخليجية نتيجة الحرب، من خسائر اقتصادية وبنى تحتية، مؤكدًا أن أكبر الضرر اليوم يقع على دول الخليج، بينما إسرائيل تحت ضغط داخلى بسبب صواريخ المقاومة التى وصلت تل أبيب وحيفا والنقب وأجزاء من القدس الشرقية.
وعن الهدف الأمريكى المعلن من الحرب، قال: «فتح مضيق هرمز لم يكن مبررًا لهذه الحرب، فقد بقى المضيق مفتوحًا قبلها، وأهداف تغيير النظام الإيرانى لم تتحقق، بل عززت الهجمات موقف إيران، داخليًا وإقليميًا، وأظهرت قدرتها على إدارة المنطقة ومواجهة العدوان».
وتابع: «يحاولون الضغط على فصائل المقاومة، لأن الهدف هو القضاء عليها، لا على إيران مباشرة، وهذا ما يجعل المعركة معقدة وحاسمة فى الوقت ذاته».
















0 تعليق