في كتاب «حدوتة ع الماشي» للكاتبة لميس جابر، الصادر عن دار أطياف للنشر، تتجول الكاتبة في قلب القاهرة الفاطمية، حيث يفتح شارع المعز لدين الله الفاطمي أبوابه على حكايات لا تنتهي، ومنه تتفرع حارة الدرب الأصفر، التي تحتضن واحدًا من أجمل البيوت الأثرية، وهو بيت السحيمي، الذي استمد اسمه من آخر من سكنه.
مر البيت بعدة مراحل تاريخية، إذ سكنه في بداياته الشيخ عبد الوهاب الطبلاوي، ثم أضاف الحاج إسماعيل جلبي القسم الثاني منه، قبل أن يشتريه عام 1813 الشيخ شهاب الدين أحمد السحيمي، أحد كبار علماء الأزهر وشيخ رواق الأتراك في عصر محمد علي باشا، ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسمه بالبيت، ليُعرف به حتى اليوم.
كان السحيمي شخصية زاهدة، شغوفة بالبحث عن أولياء الله الصالحين، وقد قضى سنوات طويلة يجوب البلاد في سبيل هذا الهدف، حتى توفي أثناء رحلته، ودُفن بجوار أحد الأولياء في محافظة المنوفية.
وفي عام 1931، باع ورثة العائلة المنزل إلى لجنة حفظ الآثار العربية مقابل ستة آلاف جنيه، ليبدأ بعدها فصل جديد في تاريخه بوصفه أثرًا معماريًا فريدًا.
يتكون البيت من مجموعة من القاعات الرحبة، تتألف كل منها من إيوانين تتوسطهما «دار قاعة»، وبعضها يحتوي على فسقية من الرخام، فيما زينت الأسقف بمناور تعلوها «شخشيخة» خشبية تسمح بدخول الضوء والهواء، كما تتزين الجدران بوزرات خشبية مزخرفة على هيئة بلاطات القيشاني، وتكسو الأرضيات طبقات من الرخام، وتنتشر المشربيات والنوافذ المصنوعة من الخشب الخرط، في مشهد يعكس دقة العمارة الإسلامية وروحها الجمالية.
ومن أبرز ملامح البيت، نقش قصيدة «البردة» للإمام الإمام البوصيري كاملة على الجدران العليا للقاعة الرئيسية، في دلالة على الطابع الروحي الذي يميز المكان.
ويعد بيت السحيمي من أجمل نماذج العمارة العربية المتكاملة في القاهرة، وقد أُعيد ترميمه وافتتاحه عام 2000 ليصبح مركزًا للإبداع الفني تابعًا لصندوق التنمية الثقافية، حيث تحول إلى منارة ثقافية تُسهم في إحياء الفنون والأنشطة التراثية في منطقة الجمالية.
وهكذا، لم يعد بيت السحيمي مجرد أثر تاريخي، بل صار شاهدًا حيًا على تفاعل الماضي مع الحاضر، ومثالًا على قدرة التراث على الاستمرار والتأثير في المجتمع.


















0 تعليق