شهدت مصر خلال الفترة الأخيرة حالة لافتة من التقلبات الجوية الحادة، ما بين ارتفاعات غير معتادة فى درجات الحرارة خلال الشتاء، وعودة مفاجئة للأجواء الباردة وسقوط أمطار غزيرة مع بداية الربيع، ما أثار تساؤلات واسعة بين المواطنين حول أسباب هذه الظواهر ومدى ارتباطها بالتغيرات المناخية العالمية.
فى ظل هذا المشهد المناخى المتغير، حاورنا الدكتورة منار غانم، عضو المركز الإعلامى بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، لتفسير ما يحدث فى ملف التغيرات المناخية وتأثيرها المباشر على حالة الطقس فى مصر، كاشفة عن كواليس الظواهر الجوية الأخيرة، ومدى دقة التنبؤات، وما إذا كانت الفصول فى طريقها لتغيير ملامحها التقليدية خلال السنوات المقبلة أم لا؟.
■ ما أسباب التقلبات الحادة للطقس فى مصر خلال الفترة الأخيرة؟
- التقلبات الجوية الحادة والسريعة التى نشهدها حاليًا تعد فى الأساس من السمات الطبيعية لفصل الربيع، خاصة خلال النصف الأول منه، حيث يعرف هذا الفصل بأنه فصل انتقالى يحمل فى طياته خصائص من الشتاء والصيف معًا، لكن ما يحدث هذا العام تحديدًا يعد حالة استثنائية إلى حد كبير، نظرًا لتزامنه مع تأثيرات واضحة للتغيرات المناخية.
نحن شهدنا خلال فصل الشتاء الماضى حالة غير معتادة، حيث كان الشتاء ضعيفًا بشكل ملحوظ، سواء من حيث كميات الأمطار أو درجات الحرارة التى كانت أعلى من معدلاتها الطبيعية، انعكس هذا الخلل بدوره على بداية فصل الربيع، فبدلًا من التدرج الطبيعى فى الانتقال بين الفصول، حدثت قفزات حادة وسريعة فى حالة الطقس.
إضافة إلى ذلك، فإن التغيرات المناخية العالمية أثرت على ديناميكية الغلاف الجوى، ما أدى إلى زيادة حدة وسرعة التقلبات الجوية، فأصبحنا ننتقل من أجواء دافئة إلى باردة أو ممطرة فى فترات زمنية قصيرة جدًا، وهو ما لم يكن يحدث بهذا الشكل المتكرر فى السابق.
■ هل هذا الأمر مرتبط بارتفاع درجات الحرارة قبل رمضان ثم عودة الأجواء الشتوية وسقوط الأمطار؟
- هذا الأمر يرتبط بشكل أساسى بتغير منظومة التوزيعات الضغطية التى تؤثر على مصر خلال فصول السنة، فى الفترة التى سبقت شهر رمضان تأثرت البلاد بكتل هوائية قادمة من المناطق الصحراوية، وهى كتل جافة وحارة تؤدى إلى ارتفاع ملحوظ فى درجات الحرارة، ما أعطى إحساسًا بأجواء أقرب لفصل الصيف رغم أننا كنا لا نزال فى الشتاء.
لكن مع تغير مسار هذه الكتل الهوائية وعودة تأثير المنخفضات الجوية القادمة من البحر المتوسط، بدأنا نشهد تدفق كتل هوائية باردة ورطبة، ما أدى إلى انخفاض درجات الحرارة مرة أخرى وسقوط الأمطار.
ويعد هذا التغير السريع فى مصادر الكتل الهوائية من أبرز مظاهر التغيرات المناخية، حيث لم تعد الأنماط الجوية تسير بنفس الانتظام الذى كانت عليه فى السابق، بل أصبحت أكثر اضطرابًا وتغيرًا فى فترات زمنية قصيرة.
■ هل ما نشهده حاليًا من تغيرات فى الطقس أمر طبيعى فى هذا التوقيت من العام؟
- فى الحقيقة، جزء مما نشهده يعتبر طبيعيًا، لأن فصل الربيع بطبيعته فصل تقلبات جوية حادة وسريعة، ومن المعتاد أن نشهد خلاله تغيرات مفاجئة فى درجات الحرارة أو نشاطًا للرياح أو حتى سقوط أمطار.
لكن غير الطبيعى هو تكرار هذه التقلبات بهذا الشكل المكثف، وحدتها التى أصبحت أعلى من المعتاد، بمعنى آخر، الظاهرة فى حد ذاتها ليست جديدة، لكن معدل تكرارها وشدتها هو ما يجعلنا نقول إن هناك تأثيرًا واضحًا للتغيرات المناخية.
لذلك يمكننا القول إننا أمام مزيج بين الطبيعة المعتادة للفصل، وتأثيرات استثنائية ناتجة عن التغير المناخى، وهو ما يجعل الحالة الجوية تبدو أكثر اضطرابًا من السنوات السابقة.
■ وما العوامل التى أدت إلى موجة الأمطار الغزيرة الأخيرة؟
- موجة الأمطار الغزيرة الأخيرة كانت نتيجة تداخل عدة عوامل جوية معًا، أهمها وجود منخفضات جوية قوية فى طبقات الجو العليا، تزامنًا مع توافر نسب عالية من الرطوبة فى طبقات الجو القريبة من سطح الأرض.
هذا التباين بين درجات الحرارة فى طبقات الجو المختلفة يؤدى إلى حالة من عدم الاستقرار، حيث تتكون السحب الرعدية بشكل كبير، وتكون مصحوبة بأمطار متفاوتة الشدة قد تصل إلى حد الغزارة فى بعض المناطق.
كما أن وجود فروق كبيرة بين درجات الحرارة على سطح الأرض وفى الطبقات العليا يعزز من نشاط التيارات الهوائية الصاعدة، ما يساعد على تطور السحب بشكل سريع وزيادة كثافتها، ما يؤدى فى النهاية إلى سقوط أمطار غزيرة خلال فترات زمنية قصيرة.
■ وهل كان الطقس خلال فصل الشتاء طبيعيًا؟
- يمكن القول إن الشتاء الحالى كان من أضعف فصول الشتاء التى مرت على مصر خلال السنوات الأخيرة، فقد شهدنا ارتفاعًا ملحوظًا فى درجات الحرارة مقارنة بالمعدلات الطبيعية، كما كانت كميات الأمطار أقل بكثير من المعتاد، حيث لم تتجاوز نسبتها فى بعض المناطق ٢٠٪ إلى ٣٠٪ من المعدلات الطبيعية، ويعد هذا الضعف أحد المؤشرات الواضحة على تأثير التغيرات المناخية، حيث أصبحنا نشهد تغيرًا فى توزيع الظواهر الجوية على مدار العام، فبدلًا من أن تتركز الأمطار فى الشتاء، بدأت تظهر بشكل أكبر فى فترات انتقالية مثل الربيع.
■ هل من المتوقع استمرار هذه التقلبات خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة؟
- نعم، من المتوقع استمرار هذه التقلبات الجوية خلال النصف الأول من فصل الربيع، حيث تُعد هذه الفترة بطبيعتها فترة عدم استقرار.
وقد نشهد أيامًا من الاستقرار النسبى، يعقبها مباشرة موجات من التقلبات الجوية، سواء فى شكل انخفاضات فى درجات الحرارة أو نشاط للرياح أو سقوط أمطار.
لكن مع التقدم فى الفصل، وتحديدًا فى النصف الثانى من الربيع، تبدأ الأحوال الجوية فى الاستقرار تدريجيًا، وتقل حدة هذه التقلبات.
■ هل يمكن تصنيف هذه التقلبات بأنها ضمن ظواهر «التطرف المناخى»؟
- ما نشهده حاليًا يمكن اعتباره ضمن تأثيرات التغيرات المناخية، لكنه لا يصل بالضرورة إلى مستوى التطرف المناخى الكامل، والذى يتسم بحدوث ظواهر جوية شديدة العنف وغير مسبوقة، لكن فى المقابل، هناك مؤشرات على زيادة حدة الظواهر الجوية، ما قد يمهد لظهور حالات من التطرف المناخى فى المستقبل إذا استمرت معدلات التغير الحالية.
■ ما ملامح تأثير التغيرات المناخية العالمية على مصر؟
- التغيرات المناخية لها تأثير واضح ومباشر على مصر، رغم اختلاف درجة هذا التأثير من فصل لآخر، فنحن نلاحظ فى الصيف زيادة فى طول وشدة موجات الحر، وفى الشتاء ارتفاعًا فى درجات الحرارة مع قلة الأمطار، وفى الربيع تقلبات حادة وسريعة، هذا التنوع فى التأثير يعكس مدى ارتباط مصر بالنظام المناخى العالمى، حيث تتأثر بالمتغيرات التى تحدث على مستوى الكوكب، مثل ظاهرة الاحتباس الحرارى وارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية.
■ إذن أصبح من المعتاد حدوث موجات حارة فى الشتاء أو موجات برد مفاجئة؟
- مع التغيرات المناخية أصبح من الوارد حدوث مثل هذه الظواهر، لكن تظل فى إطار معين ولا تصل إلى نفس شدة موجات الصيف أو الشتاء التقليدية.
بمعنى أننا قد نشهد ارتفاعات ملحوظة فى درجات الحرارة خلال الشتاء، لكنها لا تكون بنفس قوة موجات الحر الصيفية، وكذلك الحال بالنسبة لموجات البرد.
■ كيف ترصد الهيئة مؤشرات التغيرات المناخية؟
- عملية رصد التغيرات المناخية داخل الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية لا تعتمد على ملاحظة حالة أو موسم واحد، لكنها تقوم على منهج علمى طويل المدى قائم على تحليل بيانات مناخية ممتدة عبر عقود طويلة، والهيئة تمتلك واحدة من أقدم قواعد البيانات المناخية فى المنطقة، حيث تتجاوز السجلات المناخية المتوافرة لديها أكثر من ٢٠٠ عام، وهى نقطة شديدة الأهمية لأنها تسمح بإجراء مقارنات دقيقة بين الماضى والحاضر.
من خلال هذه البيانات، يتم تحليل عناصر المناخ المختلفة مثل درجات الحرارة، وكميات الأمطار، وسرعة الرياح، ونسب الرطوبة، ومقارنتها بالمعدلات الطبيعية لكل فترة زمنية، وهنا يجب التأكيد أن الحكم على وجود تغير مناخى لا يتم بناء على سنة واحدة أو ظاهرة عابرة، بل يحتاج إلى دراسة تمتد على الأقل لـ٣٠ عامًا، لرصد اتجاهات واضحة ومستقرة فى التغير. كما تعتمد الهيئة على شبكة واسعة من محطات الرصد الجوى المنتشرة فى مختلف أنحاء الجمهورية، والتى توفر بيانات لحظية ودقيقة يتم تجميعها وتحليلها بشكل مستمر، إلى جانب ذلك، يتم استخدام النماذج العددية الحديثة، وصور الأقمار الصناعية، التى تساعد فى متابعة تطور الظواهر الجوية، ورصد أى تغيرات غير معتادة فى أنماط الطقس.
كما لا يقتصر الأمر على الرصد فقط، بل يشمل أيضًا إجراء دراسات تحليلية متعمقة على هذه البيانات، بهدف فهم التغيرات التى تحدث فى سلوك المناخ، وهل هى ضمن النطاق الطبيعى أم تعكس تغيرًا مناخيًا حقيقيًا، ومن خلال هذا التكامل بين البيانات التاريخية، والرصد الحالى، والتحليل العلمى، تستطيع الهيئة تحديد مؤشرات التغير المناخى بدقة، ورصد تأثيراته على مصر بشكل واضح ومدروس.















0 تعليق